من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

صاحب الرداء... الأبيض

1 أكتوبر 2012
أتوجه بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها وأنا أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، أنا أعمل في هذه الدولة الخليجية منذ 4 أعوام، وقد هجرت ممارسة العمل الإكلينيكي مع المرضى إلى العمل الإداري والتخطيط في المستشفى، ولكنني أظل نفس الإنسان الذي يدعم وقفات المطالبة بالحقوق.

أغسطس 2002

كنت في منتصف سنة التدريب المسماة (الامتياز) حينما قررنا الإضراب عن العمل احتجاجا على عدم تلقينا التدريب الكافي واللائق لكي نستطيع مداواة المرضى بعد شهور قليلة عقب انتهاء تدريبنا، كانت كل مطالبنا أن يقوم السادة نواب الجامعة والمدرسون المساعدون بتدريبنا وألا يوكلوا إلينا أعمالا من المفترض أن يقوم بها التمريض والمراسلون، هذه المطالب تسببت في استدعاء أصدقائنا الداعين إلى الإضراب من جهة أمنية رفيعة ليسألوهم: (مطالبكم أيه؟!)، الذي أتذكره من ذلك الإضراب أن جميع زملائي في المجموعة التي كنت أتدرب بها قد عادوا إلى العمل الذي رفضناه أول اليوم، وبقيت أنا إلى آخر الشهرين لا يسمح لي بدخول غرفة العمليات ومهدد بإعادة التدريب مرة أخرى لأنني ثبت على موقفي الرافض

5 يوليو 2003

استلم العمل في مستشفى السكة الحديد كي لا اضطر للتوزيع على إحدى وحدات وزارة الصحة النائية التي تفتقد أدنى برامج التدريب اللازمة لطبيب حديث التخرج يتعامل مع القطاع الأكبر من الناس باعتباره مقدم الخدمة الصحية الأساسي، أصبحت نائبا في قسم الطب الطبيعي بعد أن رفض رئيس قسم العظام التحاقي بقسمه لأنني أخبرته عن حلمي في أن أتخصص في جراحات المفاصل بالمناظير، وقد كان هذا كافيا على حسب قول صديقي الذي حضر اللقاء لاستبعادي حتى لايصبح في القسم من هو مؤهل أكثر من رئيس القسم! عموما لم يكن لتعييني نائبا في قسم الطب الطبيعي أي إعاقة لاختياري دراسة ماجستير في تخصص آخر، هكذا أبلغوني في المستشفى، وهذا فعلا ماتم، فقد قمت بتسجيل ماجستير طب الحالات الحرجة وأنا لم أمارسه! وكان علي القيام بنوبات عمل ليلية نائبا إداريا للمستشفى حيث أطالب بالبقاء في استقبال الطوارئ للتعامل مع الحالات! لا تندهش من كون النائب الإداري من قسم الطب الطبيعي سيتعامل مع حالات الطوارئ، فلم يكن في الاستقبال غير أمبولات كورتيزون طويل الأمد وأخرى للمغص، وكل الحالات الحرجة التي تأتي كنا نقضي عليها فعلا، لا أحدثكم عن وحدة ريفية نائية، ولكن عن المستشفى الأكبر لهيئة سكك حديد مصر في شارع الجلاء بقلب القاهرة عاصمة مصر! اكتشفت حينها أنني أعمل في وحدة ريفية نائية!

مايو 2008

عبثا حاولت تغيير أي شيء في المستشفى، طلبنا تجهيز استقبال الطوارئ بالأجهزة والمستهلكات المناسبة وتدريب الأطباء على التعامل مع حالات الطوارئ، فتم شراء 13 سيارة إسعاف جديدة غير مجهزة وتجديد نقاشة الدور الأخير من المستشفى بتكلفة 5 مليون جنيه، هذه تكلفة النقاشة وليس سيارات الإسعاف، وبقينا في استقبال الطوارئ بدون إسطوانات أكسجين أو جهاز صدمات كهربائية أو حتى منظار بلعومي، الحقيقة أننا لم نكن نحتاج لتجهيز سيارات الإسعاف فلم ننقل فيها مرضى، كنا نرسلها لتوصيل رئيسة التمريض لبيتها أو جلب طبيب التخدير لعمل عملية جراحية خاصة، أو لنقل جثمان مريض نجحنا في القضاء عليه، كان متوسط إشغال الأسرة أقل من 40%، وبقاء مريض الجراحة في المستشفى قبل العملية قد يصل ل 4 شهور، سرقة الدواء والمستهلكات لحساب مرضى العمليات الخاصة شيء معتاد، وتدون في ملف مريض الهيئة حتى نضبط المنصرف، حينما رأيت نقاشة الدور الأخير وقعت مثلما سقط حلق باب الحمام قبل افتتاح الدور بعد تجديده، قدمت طلبا للعمل خارج البلاد، وافقوا عليه جميعا فقد كنت كالغصة في حلوقهم، وأوصاني رئيس مجلس الإدارة وقتها -جراح عمل في مصر للطيران وله علاقة بالفريق شفيق- أن أعود سريعا من عملي بالخارج حتى تستفيد مستشفى الهيئة من خبرتي في إدارة الجودة، كدت أصدق كلامه لولا أنني رأيت السيارات الثلاثة التي تم شراؤها لخدمة رئيس مجلس الإدارة، إحداها سيارة بيجو 607 ديزل، ساعتها (أنا جبت جاز).

أغسطس 2012

عشر سنوات مرت على إضرابي الأول لما كنت طبيب امتياز، لم أتعلم في الطب شيئا يذكر، حصلت على دبلوم في إدارة الجودة الصحية على نفقتي الخاصة، لم تستفد منه مستشفى السكة الحديد التي أعمل بها، بل إنهم لم يعترفوا به، ما زال زملائي يبيتون 5 أيام في الأسبوع خارج بيوتهم حتى يستطيعوا توفير حفاضات أطفالهم، وما زال المريض يحضر أدويته ومستلزماته معه حتى يتلقى العلاج، وما زال مدير المستشفى الذي جدد النقاشة ب5 ملايين جنيه طليقا.

أنا لا أقص عليك قصتي الشخصية باعتبارها ملحمة تلهم المكافحين، فغيري من الأطباء كافح وقدم أضعاف أضعاف ما قد يجيء ببالي، ولكنها لقطات تبرز كم الاهتراء في المنظومة الصحية في مصر، تعليما وتدريبا وإدارة وتخطيطا وميزانية، اهتراء يجعل تفوق الطبيب وحصوله على التدريب الجيد ثم الدخل المناسب هو الاستثناء، اهتراء يجعلك تحذر بالفم المليان (إلى المريض المصري هذه المنظومة بها سم قاتل) منظومة عشوائية بامتياز أصبح بالطو الطبيب فيها كفنا، فكلاهما رداء أبيض، والفرق بينهما أن البالطو يرتديه الأحياء، والطبيب في مصر لم يعد منهم.

1 أكتوبر 2012

وصلت بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها ومازلت أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، في أي جزء من العالم تعتبر سيارتي وسيلة مواصلات يملكها الكثير كأحد الحقوق الأساسية، أما في بلدي الحبيب مصر فلكي تمتلك مثل هذا الحق فلا بد أن تتنازل عن أحب شيئين إلى القلب: مهنة الطب والعيش في بلدك!

ليست هناك تعليقات: