من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الجمعة، 27 يناير، 2012

لم يصبه الدور


لم يعد مثلما كان، أصبح أرق قلبا وأقرب دمعا، أصبح أكثر اهتماما بحال غيره، أصبح أكثر إصرارا على الوصول لحلمه، لكنه دوما يحدث نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

هو صاحب ذاكرة يحسده الناس عليها، غير أنه لا يستطيع الآن استرجاع أية ذكريات حدثت في حياته قبل قيام الثورة، بالتأكيد ليس فقدانا للذاكرة، فما زال يعرف الناس والأماكن التي عرفها دوما، وما زال يمارس عمله كما اعتاد في السابق، صحيح أنه أصبح يتلقى تأنيبا من صاحب العمل على عكس ما كان عليه الحال قبل الثورة، رغم أنه ما قصر يوما في عمله، عزاؤه الوحيد أن من يؤنبه يلعن الثورة ويسب الثوار ويترحم على أيام المخلوع، وهو ما أراح صاحبنا أنه محسوب على هؤلاء، ويالها من تهمة محمودة؛ ورغم قدرته المشهود لها على التذكر وسرد الأحداث، فما زال شريط حياته يتوقف عند الثامن والعشرين من يناير السابق كلما أراد أن يسرد قصة حياته.

تغيرت اهتماماته، هو الذي لم يفلت مباراة دون مشاهدتها أو الاستماع إليها فوجىء أن كأس الأمم الإفريقية قد بدأت، وأن مصر لم تتأهل لها، وهو الذي ما اهتم يوما بالعمل العام أصبح لا يخرج إلى الشارع إلا لحضور مسيرة أو القيام بالتظاهر أو زيارة مصاب من مصابي الثورة، ثم يعود إلى البيت محملا بمشاعر الغضب ممن اعتدى على المسيرة أو فض المظاهرة أو تسبب في إصابة هذا الشاب العائل لأمه وإخوته اليتامى، ومازال يهدده حتى ينسى إصابته بدلا من تعويضه على ما أصابه.

مازال أصدقاؤه القدامى يحادثونه عبر الهاتف من حين إلى حين، يطلبون منه الخروج معهم لمشاهدة فيلم، أو السفر لقضاء يوم في مارينا، وهو يرد بالرفض متعللا بانشغاله، ويعجب أنهم يؤكدون أنه كان دوما صاحب هذه الدعوات! ثم يعود ليقول ربما، فأنا لا أذكر شيئا من حياتي السابقة.

لا يذكر شيئا يسبق جمعة الغضب إلا لمحات عن أخبار ومشاهد لثورة تونس، وأخرى أكثر كثافة ووضوحا ليوم الخامس والعشرين من يناير وما تبعه في اليومين التاليين حتى جمعة الغضب، وقتها كان مشاهدا عاديا، ربما مشاركته تنحصر في دعوة لمن يطالبه بالنزول بقوله: (ربنا معاكم)، يتذكر جيدا هذا الوجه المريح الذي صلى بجواره الجمعة، ثم خرج وبدأ الهتاف، وأشار له قائلا: (تعالى معانا، مش هيجرالك حاجة صدقني)، لا يعلم لماذا صدقه، ولا يعلم كيف أثر فيه فسار وراءه في المسيرة إلى ميدان التحرير، ولا يعلم كيف نجا من القتل حين سقط من حوله برصاص الشرطة التي أرادت وقف المسيرة وإسكات الهتاف الذي ينطلق من صاحب الوجه المريح، ولا يعلم لم انتابه الفزع ساعتها وهرب إلى ما يحتمي به، الذي يعلمه جيدا أن صاحب الوجه المريح صدق حين قال له:(مش هيجرالك حاجة)، وقد كان، ومن وقتها ما زال يسأل نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

يتذكر جيدا كل تفاصيل الأحداث التي عاشها منذ جمعة الغضب، يتذكرها بسرعة تفوق سرعة لسانه في التعبير عنها، يتذكرها بدقة تفوق قدرة الكلمات على وصفها، يتذكر أنه أصبح يرى صاحب الوجه المريح أمامه في أحداث موقعة الجمل، وماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، يراه رافعا لافتة، أو زاعقا بهتاف، أو حاملا لقنبلة غاز يبعدها عن المتظاهرين، أو حاملا لمصاب يقربه من المسعفين، ثم لا يلبث أن يسقط أمامه شهيدا، بنفس البسمة التي ابتسمها في جمعة الغضب.

أصبح يحن للذهاب إلى الأماكن التي يتذكر تفاصيلها المبكية، ما زال يرى الدماء مكانها رغم مرور الشهور على إزالتها، ما زال يشم رائحة الغاز الذي ملأ الهواء، ما زال يتعجب كيف لم يصب بمكروه طوال هذه الأحداث رغم تركه الحرص ومخاصمته الخوف، حتى رئتيه اللتين ظن أن الغاز أتلفهما أصبح يشك في ذلك، فقد كان مصابا بالربو طول عمره، ولم يطرأ عليه جديد.

لقد أيقن أن عظمة هذا الوطن أشرف من أن يحققها من يحتمي بالبدلة العسكرية، طامعا في السلطة أو الامتيازات المادية، متجبرا على العزل، منتهكا حرمة النساء، قد أيقن أن حرية هذا الوطن تكتب بدماء الأحرار لا بأوامر أصحاب الرتب المتصابين، يتمنى أن يرى ما طالب به الشهداء يتحقق، ويلوم نفسه أنه ما يزال حتى الآن دونا عن الباقين حيا لم يستشهد، معافا لم يصب، هل هو أقل من أن ينال شرف الشهادة أو الإصابة؟ أم أنه للآن لم يصبه الدور؟ يحاول أن يهرب من التوصل للحقيقة متمنيا ألا يرى صاحب الوجه المريح مرة أخرى إلا في صورته المنعكسة في المرآة، ساعتها سيوقن أن دوره قد حان.



اقرأ الجزء الثاني من القصة (استدعاء).

السبت، 21 يناير، 2012

ينصر دينك يا استاذ نفيسه


يقول الشاعر: يقضى على المرء في أيام محنته....حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن، وهو ما ينطبق على جزء كبير مما اضطر لقراءته هذه الأيام، من مقالات و أخبار تسوق آراء واتهامات على عكس معتقداتي، غير أنني أقرأها من باب فهم الآخر، أو إدراكا لفضل الله على الإنسان، أو على سبيل التفكه والتندر، أو تحقيقا لهؤلاء جميعا كما حدث مع مقال أ. علي سالم.

حدث أن أشار الكاتب والصحفي أ. محمد فتحي إلى مقال أ. علي سالم (هذا هو الرئيس الجديد) طالبا رأي متابعيه على تويتر فيه، ربما استكمالا لحملة فتحي التي يشنها على الفريق أحمد شفيق، فرددت بانطباعين أو ثلاثة عما استخلصته من المقال، غير أنه قد عن لي أن اقرأه مرات أخرى بعمق أكبر، وأن أكتب تحليلا عما حواه من تراكيب لغوية، أو أهداف معنوية، وقد يكون تحليلي أعمق من السطحية الظاهرة في المقال، أو أنني أحمله ما لا يحتمل، ولكنها تظل محاولة لتنشيط قدراتي التحليلية والنقدية اللاذعة.

يفتتح أ. علي سالم مقاله بدعوته أتباعه ومعارضيه على السواء، مثقفين وبسطاء، أن يساندوا شفيق ويدعموه ويطالبوا غيرهم بذلك، لأن أ. علي سالم يثق به ولذلك ثقوا أنتم به! أفهم أن تبدأ مقالك بهذه الدعوة إن كنت تخاطب أتباعك أو البسطاء، أما أن تتوجه بخطابك لمعارضيك والمثقفين أيضا فالأولى أن تسوق مبررات دعوتك، أدلة كون شفيق مؤهلا للرئاسة، ثم تنهي مقالك بهذه الدعوة الفجة، حينها قد نزدردها على مضض.

ثم يثني أ. على سالم بقوله (لم أعرفه عن قرب، ولم يحدث أن كانت لى به صلة)، هو أراد أن ينفي عنه شبهة المحاباة عن طريق سابق المعرفة، فألزم نفسه خطيئة قول الزور بسبب اثبات الجهل بمن يشهد له، ثم أراد ذكر الوسيلة التي مكنته من الوصول إلى القناعة التي لا تقبل التردد أو الالتباس، وتجعله يطالب غيره بالثقة في شفيق، فقال (غير أنى تفرغت لأكثر من ساعتين لدراسته وهو يتكلم فى البرنامج الذى يقدمه عمرو أديب،) وهو أكثر أجزاء المقال طرافة، فإن اللقاء المذكور قد استغرق أكثر من ساعة وعشرة دقائق، فهل يكفيه خمسون دقيقة لدراسة اللقاء؟! إن كتابة مقالي هذا في الرد على ما جاء بمقال سالم من مغالطات واضحة ليستغرق أكثر من ذلك، ثم إن المحاور عمرو أديب ليس من المحسوبين على الثورة ولا الإعلاميين المحايدين، فكيف يكون نتيجة لقاء موجه كهذا سببا لإقناعك بكفاءة شخص لم تكن تعلم عنه شيئا، بل إن من المفارقة العجيبة أن يكون عمرو أديب نفسه غير قادر على فهم الكثير من ردود شفيق في اللقاء، وهذا إما بسبب عدم وضوح الإجابة أو كون الإجابة لا ترد على السؤال المطروح، فكيف فهمت سيادة الفريق؟!

ويستكمل أ. علي سالم أن شفيق من النوع الذي (لا توجد مساحة بين ما يفكر فيه وما يعلنه) وهو شيء يفتقر للتحديد والمطابقة، فأما ما يخص التحديد فالمستحب ألا تكون هناك مساحة بين ما تعرفه من حقائق وما تعلنه، وليس بين ما تفكر فيه وما تعلنه ففي الحالة الأولى تسمى صدقا وشفافية، أما الثانية تسمى تسرعا وسذاجة، غير أن الحالتين لا تطابقان ردود شفيق، فقد كانت هناك دوما فترة من السكوت التي تعقب كل سؤال من عمرو أديب، وتسبق رد شفيق.

ثم يذكر أ. علي سالم وصفا جديدا وهو (عاطفة اعتبار الذات بداخله هى أقوى العواطف)، ولا أدري له معنى سوى الاعتداد بالنفس، وإن صح ذلك فأين كان اعتداده بنفسه حينما حدثت موقعة الجمل ولم يكن يعلم بها شيئا؟ ما موقفه منها؟ ثم يقول أن الدنيا (ليست محلا للسعادة بل للإنجاز)! منذ متى أصبح الإنجاز مقابلا للسعادة؟! وهل يفترض أننا حينما ننجز ألا نشعر بالسعادة؟! أم أن الكاتب يتكلم عن إنجازات الدول الشيوعية التي لا يرتبط إنجاز الدولة فيها مع سعادة الفرد؟! ثم يصف الكاتب شفيق بأنه (حالم ككل القادرين على التعامل مع الواقع وتحويله إلى إنجاز يكسب البشر المزيد من الرفاهية) والحق أن الكاتب بحاجة ماسة لمراجعة تعاريف المفردات التي يستخدمها، كيف يكون من يتعامل مع الواقع حالما؟ أم أنه يقصد مديرا صاحب رؤية وهو الشخص القادر على التعامل مع الواقع لتحويل الحلم إلى إنجاز؟! التمس له العذر في هذه النقطة لأنه لا خبرة له بعلم الإدارة والتخطيط.

في الفقرة التالية عجزت عن استخلاص الرابط بين الديكتاتورية وبين الفكرة والعمل واستبدال العمل بالكلمات وأخيرا ما يسمى في القاموس العام الأكاذيب! ثم تليها فقرة أخرى يذكر فيها أن اليأس قد أصابه من أن تكون مصر قد خلت من شخص (نيران الأمل بين جوانحه ما زالت مشتعلة)، ولم ينتبه الكاتب أن كلمة نيران لا تأتي في سياق الحديث عن الخير والبناء والحسن، وإنما في وصف الشر والهدم والانتقام، وكان الأولى به استخدام جذوة أو نور الأمل؛ كما قال الكاتب أن اليأس دفعه في الأيام الأخيرة إلى (التفكير بيأس) في مستقبل مصر القريب والبعيد، فهو كمن فسر الماء بالماء، جاهلا أن اليأس لا يدفع إلى التفكير في شيء يتعدى الأفكار السلبية التى مركزها الذات؛ وأخيرا يختم الفقرة بأنه عندما استمع لشفيق فإنه أصيب (بعدوى الأمل من جديد) مرة أخرى يستخدم لفظ العدوى وهو لفظ ذو مدلول سيء في مقام وصف شيء جيد.

ثم يختم الكاتب المقال بطلب موجه للمرشحين أن يتنازلوا لشفيق ثم ينضموا له في حملته الانتخابية، ولا أعلم ما جدوى حملة شفيق بعد تنازل باقي المرشحين، بل ويدعوهم للمجد (الذى يحصل عليه الإنسان عندما ينتصر على نفسه وعلى رغبته الحارقة غير المبررة وغير العادلة فى أن يكون رئيسا) وكأنما أراد أن يقول العين ما تعلاش على الحاجب، مستثنيا رغبة شفيق في أن يكون رئيسا من هذه الدناءة التي وصم بها غيره من المرشحين، ولاحظ أنه كرر الحلف بالله مرتين كأن هذا القسم يكسب كلامه الصدق والواقعية، مثلما كرر كلمة الدكتور أحمد شفيق بدلا من الفريق أحمد شفيق مرتين، كي يكسب مرشحه صفة المدنية، ويزيل عنه شبهة دعم الجيش له.

قد قاومت نفسي حتى أكمل قراءة المقال أكثر من مرة دون أن يتمثل أمامي الاستاذ خليفة المحامي في مسرحية (شاهد مشفش حاجة)، فالكاتب حاول اثبات جدارة شفيق على طريقة الاستاذ خليفة عندما حاول اثبات براءة موكله، فكان خلاصة المقال أنه يدعونا لانتخابه بعد أن استحلفنا بالله أن ننظر إلى هذا الملاك الطاهر! أن ننظر إلى هذا الحمل الوديع! أن ننظر إلى جبهته العريضة الناصعة البياض التي وإن دلت فإنما تدل على صفاء قلبه ونقاء سريرته! لم يقدم الكاتب دليلا على جدارة شفيق سوى هذه المرافعة الأدبية، لم يقل لنا ما علاقة شفيق بموقعة الجمل؟ وما دوره في هروب رؤوس الأموال وأصحاب رؤوس الأموال؟ وكيف سمح بإتلاف الأدلة وحمى أمن الدولة؟ لم يقل لنا ما حقيقة قصته مع الطيار علي مراد؟ ولا كيف يتم إغراء طياري مصر للطيران للعمل في الشركات الأخرى؟ لم يقل لنا من أين أتى بالأموال التي أنشأ بها المطار الجديد؟ وهل نحن فعلا نحتاج لهذا المطار؟ هل يعلم الكاتب أن مطار فرانكفورت الذي يعد ثالث أكبر المطارات الأوروبية نقلا للركاب وتاسعها عالميا لا يزيد سوى مدرج هبوط واحد عن مطار القاهرة رغم أنه ينقل أكثر من أربعة أضعاف مسافري مطار القاهرة؟ ولو سلمنا بالقول أن تطورا حققته مصر للطيران في عهد شفيق، رغم أنها تحتل المرتبة التاسعة في قائمة أسوأ شركات الطيران كشركة الطيران الوطنية الوحيدة وبجاورها شركات نقل جوي للبضائع، حتى وإن سلمنا بهذا التطور فإن النجاح لا يقاس بالتحسن الذي يطرأ، بل يقاس بالنسبة المحققة من سقف التطور الذي يمكن تحقيقه نظريا عند توفر نفس الظروف والموارد.

لقد ادعى الكاتب أن شفيق كان صدفة لم تنتمي للنظام السابق لأنه الجزيرة النظيفة في بحيرة الوحل، والحق أنه لو كان نظيفا لاختار الابتعاد، ولم يظل الخيار الأخير للمخلوع لإنقاذ النظام، ولا اعتقد أن رفض شفيق الابتعاد كان خوفا من أن يبيت في الشارع لأن كل الشقق كان تحتها رقاصات، فقد كان من النوع الحلوف، وينصر دينك يا استاذ نفيسه.


الجمعة، 13 يناير، 2012

في توصيف القوم الآسفين



كنت قد كتبت مقالين في الرد على لميس جابر وأمثالها وهما (فهل أنتم منتهون؟!) و(أحفاد أعرض عن هذا!)، وقد تزامن ذلك مع إضافتي لأحد مجموعات (إحنا آسفين يا ريس) بواسطة أحد الأصدقاء، فوجدتها فرصة لكي أرى طريقة تفكيرهم واتجاه آرائهم عن قرب، خاصة وأنني خلصت في المقالين السالفين إلى أن أحد أكثر جرائم المخلوع سوءا وتدميرا هو تشويه الإدراك لدى الناس، ولا مجال هنا لإعادة ما كتبت، ولكنني أزعم أن تشخيصي لسبب الاعتلال لدى هؤلاء واستخدامي للفظ الإدراك المشوه هو اجتهاد شخصي لم اعتمد فيه على علم موثق مبني على الأدلة والبراهين، غير أن حرصي على اتباع العلم واحترامه جعلني ابحث عما يدعم تشخيصي، وهو ما أوصلني لفيديو للدكتورة منال عمر يصنف نمو التكوين المعرفي والأخلاقي لدى الناس، وآخر يحلل أسباب مهاجمة البعض للضحية عوضا عن الدفاع عنها ونقد الجاني، وأحمد الله أن ما خلصت إليه كان له أساس علمي موثق.

تقول الدكتورة منال عمر أن جماعة (إحنا آسفين يا ريس) تعاني من تدهور في التكوين المعرفي لدرجة السذاجة المعرفية، فهم يؤمنون أن من قام بفعل حسن فذلك يجعله رجلا جيدا إجمالا، كما أنهم يثقون في المؤسسة العسكرية رغم انتفاء مسببي الثقة وهما التكامل (واضحة المعالم) وامكانية توقع أفعالها، وأن تدهور التكوين المعرفي الذي يعانون منه أدى لتدهور النمو الأخلاقي لديهم، فهم يحتلون قاع سلم النمو الأخلاقي حيث الامتناع عن ارتكاب الخطأ بسبب الخوف من العقاب فقط (هنا يقع المخلوع وأصحابه) أو فعل الصواب بسبب الرغبة في الحصول على المكافأة (بقية الأشخاص الذين يربطون الحصول على بعض الحقوق الأساسية بالتنازل عن بعضها الآخر).




أرغب هنا في ذكر مجموعة من الخصائص التي توصِّف جماعة (إحنا آسفين يا ريس) بناء على ما ذكرته الدكتورة منال عمر:

  • ضعف الحجة والقدرة على الانتقاد الموضوعي:
هذه أول الخصائص التي تراها واضحة في ردودهم، فهم لا يبرحون منطقتي النيل من الكاتب (سب الكاتب أو قذفه بألفاظ مثل: أنت جاهل أو أحمق) والتعريض بالكاتب (مهاجمة الكاتب أو التشكيك في نيته أو أهليته بدون التطرق لما كتب)، وكل ردودهم اشتملت إما على التكفير أو التخوين أو القذف أو الاتهام بالجهل.




  • ضعف القدرة على التفكير المركب:
فهم يلجأون للتنميط والتعميم تفاديا للحاجة إلى تشريح الأفكار والمواقف، وهو ما يلزم لقبول رأي من تبغضه لشخصه إن كان أكثر منطقية وصحة، كما يلزم للتحالف مع من يخالفك إذا ما اتحدت الغايات، والانفصال عنه فيما عدا ذلك، فلا يوجد قرار صحيح مطلق ولا قرار خطأ مطلق، حيث أن ثنائية الأبعاد تناسب رسوم الكارتون، أما الحقيقة ففيها أكثر من الأبعاد الثلاثية، ولذلك تجدهم لا يفرقون بين جائزة من منظمة أمريكية غير حكومية وبين موقف الحكومة الأمريكية تجاه موضوع ما، ففي النهاية كله (أمريكا).

  • اللامنطقية وعدم ترابط الأفكار:
حيث أن غالبية ردودهم لا توجه نحو الفكرة الأساسية المطروحة، وتلك التي تبدأ بصلة ما تنتهي بعيدا عن الطرح الأساسي، كأن أضع فيديو للشيخ محمد عبد المقصود واصفا المخلوع بالمجرم فترى الرد (تفتكر إنت رأى الشيخ عبد المقصود ممكن يكون آيه فى البرادعى العلمانى اللى كان معترض على وجود المادة التانية من الدستور والخاصة بالشريعة الإسلامية واللى حافظ على وجودها مبارك طوال عهده)، كما أن كثيرا من ردودهم تتعارض مع الفكرة الأساسية التي يروجون لها، فقد انتقدت إحداهم قولي أن الشرطة والعسكر يتحملون إثم مساندة المخلوع وطغيانه مستدلا بقول الله (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وقالت ( حسبى الله ونعم الوكيل فيك انت مش من حقك تنصب نفسك فى مكان ربنا وتحكم على حد وتساوى فى التصنيف يا بنى ادم انت انتوا ايه كفره الله ينتقم منكم)! فقد رفضت استدلالي على تأثيم الجنود لعظم هذا الأمر بينما أباحت لنفسها اتهامي بالكفر!

  • فساد الاستدلال :
وذلك بسبب عدم انطباق الواقعة المستدل بها على الواقعة المستدل عليها، كمن يقول (اما مظهر شاهين غير مسئول عن الي حصل في جامع عمر مكرم يبقي الرئيس مبارك غير مسئول عن الي حصل في ميدان التحرير ولا ايه)، أو فساد الاستدلال لعدم صحة الدليل بسبب عدم معرفة درجات مصداقية الدليل أو التفريق بين الخبر والرأي، كمن ينقل لك خبرا من مدونة مجهولة في معرض رده على خبر موثق من مصدر حكومي كالموازنة العامة لمصر الصادرة عن وزارة المالية، أو فساد الاستدلال لعدم اختيار مصدر مقبول عند من تحاججه، فلا يصح الاستدلال برأي صادر ممن ضد الثورة في الرد على من هم مع الثورة.

ويلحق بفساد الاستدلال الانتقائية في اختيار الأدلة، فتجد من يستدل بوثائق ويكيليكس التي تدعم رأيه الخاص بعمالة بعض الأفراد والتنظيمات، بينما يرفض كل وثائق ويكيليكس الأخرى التي تبرأ البرادعي أو تتهم المخلوع بمساندة إسرائيل والتجارة في السلاح وعلمه بالتعذيب وذلك بدعوى أن ويكيليكس غير موثقة! كما يلحق بفساد الاستدلال الاكتفاء بإبداء القناعة الشخصية باعتبارها دليلا يرد على ما تم الاستدلال به، فقد وضعت تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي يوثق فساد آخر حكومة في عصر المخلوع بالأرقام، فكان رد أحدهم أن انجازات مبارك لا تعد ولا تحصى! أو أن ترى من يصر على تلقي 6 إبريل تمويلا خارجيا رغم صدور تقرير وزارة العدل المصرية بخصوص التحقق من تمويل المنظمات في مصر، والذي نشر في الأهرام الإنجليزية وتم تبرئة 6 إبريل فيه.
  • الاستسهال والبعد عن التدقيق:
فلم أجد أحدا منهم يقرأ مقالا أو تقريرا طويلا أو يشاهد تسجيلا طويلا تم وضعه قبل الرد عليه، فالردود تكون على العنوان الموضوع أو التعليق المصاحب، آية ذلك أنني أعمد دوما لأخذ جزء من المقال أو الخبر المرفوع وأضعه تعليقا عليه، ورغم أن الخبر صادر عن القوات المسلحة مثلا إلا أنهم يعتبرون الجزء الموضوع رأيي الشخصي، لأنه يعارض ما يؤمنون به، ولا يكلف أحدهم نفسه جهد قراءة الخبر للتأكد أن ما وضع تعليقا عليه إنما هو جزء مقتبس من متن الخبر.

وكذلك لم يقرأوا جميع التقارير والأبحاث التي تتحدث عن الضوابط الشرعية والإنسانية للدفاع عن النفس ودفع الصائل، أو تفريق المظاهرات.

يقول الإمام الشافعي في السفر خمس فوائد: تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحــــــــبة ماجد، وأنا أقول في مخالطة جماعة (إحنا آسفين يا ريس) فوائد جمة، قد تماثل فوائد السفر أو تفوقها، ففيها احتساب حسنات وتكفير ذنوب بالصبر على سبهم وقذفهم، وفيها إدراك لنعمة الله على الإنسان أن فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وفيها اكتساب سعة الصدر والترفع عن السفاسف، وفيها معرفة أن الاختلاف في التفاصيل مع من يدعم الثورة أهون بكثير من الحاصل مع هؤلاء الجماعة.

قد أيقنت أن الأمل فيهم مفقود، فهم كقوم موسى الذين عاندوا ورفضوا الدخول إلى بيت المقدس، فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة حتى يموتون وينتهي أثرهم، ويجيء من خلفهم جيل ما تربى على الذل والمخالفة، ولعل هذا هو المخرج الوحيد لمعضلة تشوه الإدراك، فلا تأس على القوم الآسفين.

الأربعاء، 11 يناير، 2012

عن لحظات التوحد


يقترب الخامس والعشرون من يناير بخطوات ثابتة، يطلبني حثيثا، لو أن الظروف اختلفت لصرت أنا من يطلبه، وهو يتفلّت من يدي، لو أن الثورة اكتملت لكان لنا شأن آخر، لو أننا ما ارتكبنا أخطاءنا الساذجة، لو أن العسكر انتصروا لشرف البدلة عوضا عن تدنيسه حين راودتهم الكراسي، قدر الله وماشاء فعل.

اتذكر لحظات فارقة مرت بي طوال العام السابق، قراءتي لشهادة عمرو سلامة عما حدث له يوم 25/1/2011 أول مرة فأبدأ الاهتمام، قراءته مرة أخرى لعائلتي بصوت عال فيبدأ الاندماج، أصبح متوحدا مع هم البلد، كأنما حبل سُري امتد بيننا بعد أن عشت ملفوظا لا تحن علي ولا ترضى ببِرِّي لها، بل تدلل لقطاء لم يرحموها يوما.

علمي بهروب بن علي، متابعتي لمناورات المخلوع بتكليف شفيق، خوفي لموقعة الجمل، حزني لرفض سفري بعدها، قلقي على أصدقائي الذين أكلمهم وهم في الميدان، سهري يوميا لمتابعة الأحداث، ترقبي لسقوط الطاغية، فقداني القدرة على التعبير يوم خطاب التنحي بغير (ياه...ياه)، نزولي للاحتفال على شارع الخليج وكل الكويت تفخر بنا، بدئي الكتابة، سفري لمصر في نهاية أبريل بقلب يرى نفس الوجوه والبيوت والشوارع بشكل آخر، صدمتي في الجيش لأول فض اعتصام بالقوة، رغبتي في الانتقال السريع للسلطة، فقداني الثقة في الجيش مع استمرار الاعتداءات والتخبط، مطالبتي بحق المغتربين في المشاركة السياسية، اعجابي بمواقف الأبطال، اندفاعي للرد على كل من ينال من أي مصري، فرحي متوجسا لمحاكمة المخلوع، سفري مرة أخرى لحضور انتخابات النقابة بعد أن صارت المشاركة فرضا، إيقاني باستحالة استمرار العسكر بعد دماء ماسبيرو، سبي لكل من تخاذل عن النزول في محمد محمود، إحساسي بضآلة الكلام أمام عيون مالك وحرارة اللاتي ذهبن، تكرر وجعي في مجلس الوزراء، حنقي على المخلوع كلما اضطررت لسماع هراء مشوهي الإدراك من ابنائه ومريديه.

كلها لحظات فارقة، تلفني بمشاعر متناقضة، ولكنها دوما عنيفة، الرعشة التي تسري في جسدي، الدموع التي تنسكب ساخنة بلا توقف، الغصة التي تمنعني من استكمال قراءة ما كتب عن الشهداء والمصابين أمام والدتي، فوران الدم رغبة في استكمال التغيير الجذري، اختلاج القلب عند رؤية الأبطال يتساقطون قتلى وجرحى، كلها مشاعر تذكرني أنني ولدت من جديد، وقد توحدت مع هم البلد، وأحداث البلد، وأبناء البلد، وانفصلت عن حياتي الشخصية، وأحلامي الشخصية، ورغباتي الشخصية، رغبتي في الحياة أصبحت بقدر فائدتي للبلد، وترحيبي بالموت اصبح بقدر اقتناعي بالثورة، يقترب الخامس والعشرون من يناير بخطوات ثابتة، يكبلني بذكريات أغلبها ثقيلة، يقهر قدرتي على التفكير في غيره، وينهى خيالي الخصب عن توقع أحداثه.

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، أنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك لي أوسع ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي سخطك ، أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى ، لا حول ولا قوة إلا بك.

الثلاثاء، 3 يناير، 2012

أحفادُ أَعرِض عن هذا!


أن تخطىء مرة فكلنا خطاؤون، أما أن تستمرئ الخطأ وتدافع عنه فهو الاعتزاز بالإثم والتمادي في الغي اللذان ذكرهما الله في صفات المذمومين من الضالين المضلين.

لا تظل الكاتبة لميس جابر تنفث سمومها في جوانب كلماتها التي يتلقاها القارئ بلا تحفظ، فهي عنده من المؤتمنين على فكر هذه الأمة، وبسبب تشويه الإدراك الذي جناه علينا المخلوع تجد تهليلا وترحيبا بالقيح التي تنفثه، وما زالت تسب من قاوموا ظلم الداخلية، والفتاة التي سحلها (ذكور) الجيش البواسل.

كتبت في مقال سابق بعنوان (فهل أنتم منتهون؟!) عن جريمة تشويه الإدراك التي اقترفها المخلوع بحق الشعب وذلك عبر تدمير التعليم المبني على البحث والاستنتاج، وإعلاء قيم النفاق والتملق، فوق قيم العمل والكفاءة، فأورثنا أجيالا شُوِّه إدراكها، وأنهكها البحث عن مبررات الظلم، لا الوقوف في وجهه، وقد علق البعض على المقال بأن لميس جابر وأمثالها ليسوا ممن تلقوا تعليمهم في عهد المخلوع، وهي ملاحظة صحيحة، غير أنهم ينطبق عليهم تأثرهم بإعلاء قيم النفاق والتملق، بما أدى لخلل استحقاق المكافأة على العمل، وما استتبعه من تشويه للإدراك.

إذا كان فساد التعليم قد ضرب الغالبية العظمى من عامة الشعب، فإنني أزعم أن ثمة عامل آخر قد شوه إدراك (النخب والمثقفين) حتى يصبحوا مثل لميس جابر، ذلك أنهم توارثوا جينات الوضاعة، وثقافة لوم الضحايا، عن أجدادهم وجداتهن، الذين ما انتصروا يوما لمظلوم، ولا صدعوا بقول الحق، فتاريخنا الشعبي يحفل بقصص (الفتونة والجدعنة) وجل أبطالها من أولاد البلد، بينما نقرأ قصة يوسف عليه السلام لنرى مثالا على رد فعل علية القوم، فصويحبات إمرأة العزيز لم ينكرن عليها الهم بالفاحشة، إنما تعجبن أنها تهيم (بفتاها)، ثم يلتمسن لها العذر لما رأينه وأكبرنه وقلن حاشا لله ما هذا بشرا، ولم يقلن حاشا لله ماذا تفعلين! وانظر لفعل العزيز الذي استقر لديه ذنب امرأته، قال للضحية أعرض عن هذا! ثم سجنه عندما لم تُعرِض إمرأته، وعلى نهجهم المعوج يسير أحفادهم، فيرون الضحية كمينا قد نصب للمعتدي، ويلومونها على الظلم الواقع عليها.

إن تبرير الظلم لأشد فتكا بالمجتمع من الظلم نفسه، ذلك أنه يسكت أصوات الرفض له، ويقتل قيم النخوة، ويقنن الظلم، وإنما عمد هؤلاء المبررون لذلك استباقا لأي نداءات للومهم على الخذلان، وإجهاضا لنغزات الضمير الذي مات في أحضان السلطة والثروة.

قصص التاريخ كنز لمن قرأها بنية الاعتبار، ولم يكونوا من الذين يبكون حضارة الورق، ويحقرون حضارة النفس، فأولئك لم ينتفعوا بما قرأوا، وكل قلب جادل في الباطل فالقبر أولى به.

الاثنين، 2 يناير، 2012

ساقط من قيد الفرحة


تبادلت التهاني؟
كم أما تبكي فلذة كبدها الليلة وهي تعد الأيام منذ فارقها برصاصة مسومة لم تضل طريقها لتستقر في القلب، ولتترك الحزن يستقر في قلب الأم، وما يؤلمهاالفراق قدر ما يؤلمها إحساسها بهوان روحه التى بذلت ولا تغيير ولا تقدير، هي تناجي فقيدها ولا تعبأ بالتهاني.

أطفأت النور ساعة منتصف الليل احتفالا؟
كم بطلا فقد نور عينيه ليرى مصر حرة تصون كرامة شعبها، والآن يكابر لألا يترك الندم يتسلل إلى نفسه، وقد تنكر له العسكر، وسبه الكتاب، وزايد عليه المزايدون، هو لا يرى فرقا بين إطفاء النور ساعة أو لآخر عمره.

تبادلت الهدايا؟
كم معتقلا تبادل أهله الجري وراءه علهم يستطيعون انقاذه من الأسوأ الذي ينتظره، ومن السوء الذي يعيشه، أو على أقل تقدير ألا يتسلمون جثته معذبا حتى الموت، هم لا تعنيهم صناديق الهدايا طالما بعد ابنهم عن صندوق الموت.

ارتديت لباسا جديدا؟
كم بنتا لم يسترها لباسها أمام الغرباء مسحولة على الأرض أو مكشوفا على عذريتها، ولا يزال عرضها يهتك وقد سقطت النخوة والرجولة، هي لم تعد ترى في اللباس الجديد سترا لعورات العسكر ومن والاهم من الصحفيين.

رب هؤلاء قوم عجزنا عن الوفاء بحقهم والانتصار لهم، فلا تكلهم لنا، اللهم إن عزتك حق، وإن جلالك حق، فبحق هذا الحق انصرهم نصرا عاجلا غير آجل.