من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الجمعة، 27 يناير، 2012

لم يصبه الدور


لم يعد مثلما كان، أصبح أرق قلبا وأقرب دمعا، أصبح أكثر اهتماما بحال غيره، أصبح أكثر إصرارا على الوصول لحلمه، لكنه دوما يحدث نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

هو صاحب ذاكرة يحسده الناس عليها، غير أنه لا يستطيع الآن استرجاع أية ذكريات حدثت في حياته قبل قيام الثورة، بالتأكيد ليس فقدانا للذاكرة، فما زال يعرف الناس والأماكن التي عرفها دوما، وما زال يمارس عمله كما اعتاد في السابق، صحيح أنه أصبح يتلقى تأنيبا من صاحب العمل على عكس ما كان عليه الحال قبل الثورة، رغم أنه ما قصر يوما في عمله، عزاؤه الوحيد أن من يؤنبه يلعن الثورة ويسب الثوار ويترحم على أيام المخلوع، وهو ما أراح صاحبنا أنه محسوب على هؤلاء، ويالها من تهمة محمودة؛ ورغم قدرته المشهود لها على التذكر وسرد الأحداث، فما زال شريط حياته يتوقف عند الثامن والعشرين من يناير السابق كلما أراد أن يسرد قصة حياته.

تغيرت اهتماماته، هو الذي لم يفلت مباراة دون مشاهدتها أو الاستماع إليها فوجىء أن كأس الأمم الإفريقية قد بدأت، وأن مصر لم تتأهل لها، وهو الذي ما اهتم يوما بالعمل العام أصبح لا يخرج إلى الشارع إلا لحضور مسيرة أو القيام بالتظاهر أو زيارة مصاب من مصابي الثورة، ثم يعود إلى البيت محملا بمشاعر الغضب ممن اعتدى على المسيرة أو فض المظاهرة أو تسبب في إصابة هذا الشاب العائل لأمه وإخوته اليتامى، ومازال يهدده حتى ينسى إصابته بدلا من تعويضه على ما أصابه.

مازال أصدقاؤه القدامى يحادثونه عبر الهاتف من حين إلى حين، يطلبون منه الخروج معهم لمشاهدة فيلم، أو السفر لقضاء يوم في مارينا، وهو يرد بالرفض متعللا بانشغاله، ويعجب أنهم يؤكدون أنه كان دوما صاحب هذه الدعوات! ثم يعود ليقول ربما، فأنا لا أذكر شيئا من حياتي السابقة.

لا يذكر شيئا يسبق جمعة الغضب إلا لمحات عن أخبار ومشاهد لثورة تونس، وأخرى أكثر كثافة ووضوحا ليوم الخامس والعشرين من يناير وما تبعه في اليومين التاليين حتى جمعة الغضب، وقتها كان مشاهدا عاديا، ربما مشاركته تنحصر في دعوة لمن يطالبه بالنزول بقوله: (ربنا معاكم)، يتذكر جيدا هذا الوجه المريح الذي صلى بجواره الجمعة، ثم خرج وبدأ الهتاف، وأشار له قائلا: (تعالى معانا، مش هيجرالك حاجة صدقني)، لا يعلم لماذا صدقه، ولا يعلم كيف أثر فيه فسار وراءه في المسيرة إلى ميدان التحرير، ولا يعلم كيف نجا من القتل حين سقط من حوله برصاص الشرطة التي أرادت وقف المسيرة وإسكات الهتاف الذي ينطلق من صاحب الوجه المريح، ولا يعلم لم انتابه الفزع ساعتها وهرب إلى ما يحتمي به، الذي يعلمه جيدا أن صاحب الوجه المريح صدق حين قال له:(مش هيجرالك حاجة)، وقد كان، ومن وقتها ما زال يسأل نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

يتذكر جيدا كل تفاصيل الأحداث التي عاشها منذ جمعة الغضب، يتذكرها بسرعة تفوق سرعة لسانه في التعبير عنها، يتذكرها بدقة تفوق قدرة الكلمات على وصفها، يتذكر أنه أصبح يرى صاحب الوجه المريح أمامه في أحداث موقعة الجمل، وماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، يراه رافعا لافتة، أو زاعقا بهتاف، أو حاملا لقنبلة غاز يبعدها عن المتظاهرين، أو حاملا لمصاب يقربه من المسعفين، ثم لا يلبث أن يسقط أمامه شهيدا، بنفس البسمة التي ابتسمها في جمعة الغضب.

أصبح يحن للذهاب إلى الأماكن التي يتذكر تفاصيلها المبكية، ما زال يرى الدماء مكانها رغم مرور الشهور على إزالتها، ما زال يشم رائحة الغاز الذي ملأ الهواء، ما زال يتعجب كيف لم يصب بمكروه طوال هذه الأحداث رغم تركه الحرص ومخاصمته الخوف، حتى رئتيه اللتين ظن أن الغاز أتلفهما أصبح يشك في ذلك، فقد كان مصابا بالربو طول عمره، ولم يطرأ عليه جديد.

لقد أيقن أن عظمة هذا الوطن أشرف من أن يحققها من يحتمي بالبدلة العسكرية، طامعا في السلطة أو الامتيازات المادية، متجبرا على العزل، منتهكا حرمة النساء، قد أيقن أن حرية هذا الوطن تكتب بدماء الأحرار لا بأوامر أصحاب الرتب المتصابين، يتمنى أن يرى ما طالب به الشهداء يتحقق، ويلوم نفسه أنه ما يزال حتى الآن دونا عن الباقين حيا لم يستشهد، معافا لم يصب، هل هو أقل من أن ينال شرف الشهادة أو الإصابة؟ أم أنه للآن لم يصبه الدور؟ يحاول أن يهرب من التوصل للحقيقة متمنيا ألا يرى صاحب الوجه المريح مرة أخرى إلا في صورته المنعكسة في المرآة، ساعتها سيوقن أن دوره قد حان.



اقرأ الجزء الثاني من القصة (استدعاء).

هناك 6 تعليقات:

Dr.MohamedSaeed يقول...

رائعة يا دكتور ... احساس عالي وعميق وصادق

dalia يقول...

كعادتك يا دكتور رائع

غير معرف يقول...

لا أستطيع التوقف عن التفكير فى كل لحظة..وبالذات فى المناسبات التى من المفترض أن تكون مبهجة..إنفجرت فى بكاء مرير ليلة العيد..وقلبى شعرت به يتفتت لأجزاء صغيرة حزنا على الشهداء والجرحى الذين لم نقتص لهم..وصف دقيق للكرب الذى نعيشه..تقبل إعجابى وتحياتى
شيرين الحلوانى

A. Ibrahim يقول...

بوست رائع
تشرفت بزيارة مدونة حضرتك

محمود بلال يقول...

روعة..أستعير تعبيرك فى إنى حاسسها جداً بقدر لا توافقه الكلمات

Rasha Seif يقول...

لست وحدك ...هناك من فقد القدره على مسايره الحياه الطبيعيه من حينها ...ولا يقوى على مشقه مجاراه يوم عادى باحداث عاديه ..اصبحت بالنسبه له ضربا من العبث ...ولا يجد روحه الا فى وسط الميادين ..حتى وان لم يقدر على التواجد هناك هو هناك بالفعل بكل ذره فى وعيه وكيانه ...احييك واشكرك