من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الأربعاء، 29 يونيو، 2011

إشاعة حب

عدد مساوئ النظام السابق واذكر في مقدمتها خطيئة خلع صفات ما أنزل الله بها من سلطان على أشخاص ومؤسسات، بما يحقر الدولة والشعب، ويقدس الموصوف.


الفقرة السابقة تلخصها كلمتين، (مصر مبارك)، اختصار لكل التاريخ والجغرافيا، والثقافة والحضارة، والأرض ومن عاشوا عليها، في شخص فرد مهما علا شأنه فهو يظل نتيجة لما سبق من مقومات، وليس منشئا لها، وقس على هذا الوضع جميع مؤسسات الدولة في العهد السابق، والتي كانت توصف بما ينزع عنها صفاتها المؤسسية المدنية والآدمية، ويلبسها ثياب القداسة والاصطفاء.


حينما انفصل رأس النظام السابق وحاشيته عن الشعب، وجب إيجاد الوسائل التي تكرس لهذا الانفصال، وتحمي أركان النظام عوضا عن حماية الشعب، ولم لا؟ أليست الدولة مصر هي مبارك؟ وهكذا صار جهاز الأمن المتمثل في وزارة الداخلية معني بالأمن السياسي، وأصبح أداة قمع المعارضين، ولم يعن بالأمن الجنائي، فلا تأمين للشارع ولا المواطن، ولأن اتقان مهارات رجل الشرطة تكون بالممارسة، ضعفت المهارات التي تستخدم في الأمن الجنائي، شأنها شأن كل مهجور، واستشرت مهارات القمع والتحكم، من تعذيب دون تأثر، واعتقال دون تيقن، واحتقار دون تمييز، وبطش دون إنذار، وتكبر دون مبرر.


يخطئ من يظن أن جهاز الشرطة من نسيج الشعب، فغالبيته ممن دفع رشوة للانضمام إليه، وغذي في سنوات دراسته بالتفوق الطبقي وكيفية ابتكار أساليب الإذلال والإهانة، فهو الباشا الذي لايجوز عدم تقبل إهانته، فما بالك برفضها أو التجرؤ بالرد عليها، وهو ما فوجئ به جهاز الشرطة بعد الثورة، فأصبح الضباط يرفضون العودة الفعالة إلى العمل، إما لرغبتهم أن يعودوا وهم أسياد الشعب، وإما لانشغال بعضهم بمحو آثار جرائمه.


إن حكاية جهاز الشرطة مع الشعب، وتقمصه لدور الساهر على أمن البلاد، المحترم لقوانين العباد، لتذكرني بفيلم (إشاعة حب)، حينما تصبح حياة الشخص أكذوبة لأجل تلميع الصورة، فلا قسم التخرج يعد يمينا يحافظ عليه، ولا شعار الشرطة يصبح قيمة يحرص على تطبيقها، والأدهى من ذلك أن ترى تخاذلا في تأمين المستشفيات والسجون، بينما تساق جحافل الأمن المركزي لسحل المتظاهرين، وحينما تسأل عن السبب في رفض العودة من بعض الضباط يكون الرد: (أصلهم خايفين ينزلوا ويتشتموا) فكيف سيواجهون سلاح الخارجين إذا!


لقد أبى هؤلاء الضباط المقموصين أن يلعبوا دور عمر الشريف، أو عادل هيكل، واختاروا تقمص دور لوسي ابن خالة سعاد حسني، الذي ظن والدها (يوسف وهبي) أنه من صديقاتها، ثم لامها على ركوبها السيارة معه بمفردها لأنه (راجل) فقالت له: (ده مش راجل يا بابا) فكان رده: (منا قلت كده من الأول).... هما دول البشوات بتوعنا

الثلاثاء، 28 يونيو، 2011

يوم في حياة مراهن

استيقظت متأخرا بضرب الجزم، متعللا بفرق التوقيت بين مصر والكويت، رغم أنني لم أكن أحادث أحدا في مصر الليلة السابقة، ولكنني كنت أتلمس أخبار مصر، أي بصيص أمل يطمئن قلبي على الثورة ومكتسباتها، أو قل إن أردت الحقيقة أي خبر أوهم به نفسي أنها لا ترجع إلى الخلف.


ارتديت ملابسي في عجالة، لم أتناول الفطور فأنا معتاد على تناوله في العمل، أضع أشيائي في جيوبي، أبحث عن دبوس علم مصر الذي اشتريته من ميدان التحرير ، أعلقه مثلما أعلق بطاقة التعريف الشخصية، وفي السيارة علم آخر يغطي الجزء الخلفي وراء الكنبة تماما، أدير المحرك ثم أشغل محرك الأقراص المضغوطة، استمع إلى القرآن بصوت المعيقلي أو أختار ملفا آخر باسم مصر فيه كل الأغاني الوطنية التي وضعتها منذ يوم تنحي كنز اسرائيل الاستراتيجي.


وصلت إلى المستشفى بسلامة الله، كدت أن أنسى شراء فطوري أثناء اتجاهي إلى المكتب، فقد توقفت عن شراء الفطور منذ عدة أيام لعدم توفر المال، أتذكر أنني عندما استلمت مرتب الشهر الماضي قمت بتحويله كاملا بالدولار إلى مصر بعد خصم مصاريف العائلة، ولم آخذ في الحسبان مصاريفي الشخصية، تحويل مبلغ شهري بالدولار أصبح من الأساسيات الآن، وكل شهر أخوض نفس النقاش مع أسرتي بضرورة تحويل مدخراتهم إلى مصر دونما فائدة، الشهر المقبل قد أعدوا العدة للعمرة، وأنا رفضت متمسكا بفتوى القرضاوي بتأجيل العمرة والحج والتصدق بتكلفتهما.


ابدأ بتصفح مواقع الأخبار والفيس بوك ومقالات هويدي أثناء فطوري، في نفس الوقت الذي يبدأ فيه الإحساس بحرقة المعدة، قد اعتدت هذا الإحساس ولم يعد غريبا، هو بالتأكيد ليس كالألم الذي ظللت أحسه منذ جمعة الغضب الأولى وحتى قبيل تنحي الكنز،كنت وقتها أتناول أدوية القرحة بجرعاتها الكاملة وما يزال الإحساس بخرم في المعدة مستمر.


يتوالى العمل بين اتصالات ومحاضرات وكتب رسمية ونقاشات غير رسمية،في اجتماع اليوم أضرب أمثلة مما أصبح عالقا في ذهني من الثورة أو الأنشطة التي أشارك فيها خارج نطاق العمل، المتعلقة بمصر والمصريين، كالعادة أسمع تعليق الاستاذ مجدي بصوته العالي الساخر: (مش إنتو بتوع الفيس بوك وميدان التحرير)، أنا لست ممن كانوا في ميدان التحرير، لكنني لا أجادله ليس إدعاء لفضل أو شجاعة، ولكن وصفه يكسبني مصداقية حينما أشرح له مطالب الثورة وأعري له الفساد الذي لم يكن يعلمه، وأصبح الآن مساندا للثورة.


أحادث أخي على الهاتف، يخبرني بأن ابنه قد أزال الغرز التي كانت في شفته بعد إصابته الأسبوع الماضي، أعلم أنني قصرت في السؤال عنه، ولكنني على يقين بأن أخي لا يلومني، هو يعلم مقدار حبي لهم، فهم أبنائي بعد فشلي في الزواج، هل سيكتب لهم الله أن يعيشوا في وطن يحبهم ويحبونه؟ وهل سأكون سببا في تحقيق هذا الحلم؟ هذا ما يدور في ذهني أثناء المكالمة الهاتفية التي ضاع أغلب محتوياتها لعدم إنصاتي.


ينتهي وقت العمل الرسمي، وأظل في مكتبي وحيدا أحاول انجاز أعمال لا تنتهي، واضعا في النية الإحسان الذي أمرنا به الله، والإحسان الذي يرضي نفسي، والإحسان الذي هو صميم عملي، والإحسان الذي أود أن أراه مقرونا مع إنجاز كل مصري، أعود للبيت لأتناول وجبة جديدة، لا هي غداء ولا عشاء، ثم أجلس إلى نديمي (اللاب توب) لمتابعة الأحداث والانتهاء من العمل التطوعي الخاص بمصر والمصريين، أرى شواهد رجوع الثورة إلى الخلف، أولويات الاستقرار من أمن وغذاء تتراجع أمام خطط التنمية طويلة المدى، الفقراء يبادون، الشهداء يتناسون، المصابون يهملون، الإجماع يتفتت، مطالب الثورة تستبدل بمطالب اختلافية، أدرك أن انجازات الثورة ان يتم استدعاء محمد حسنين هيكل الي النيابة مرتين و كأن الثورة قامت لاسقاط هيكل و المخلوع في شرم الشيخ لم نراه يستدعي للنيابة و التحقيق مثلما يقول عمنا بلال فضل، أقرأ خبر اقتراب الأهلي من إحراز الدوري، رغم أنني من مشجعيه ولكن كنت أود لو بقى هذا التغيير الوحيد الذي يثبت أن ثورة قد قامت.


لست أكثر وطنية من هؤلاء ولا أزهد منهم في الدنيا، غير أنني راهنت بكل شيء على هذه الثورة، بما أملك ومالا أملك، بالمادة والروح، بالحاضر والمستقبل، بمبدأ يا صابت... يا اتنين عور

الاثنين، 20 يونيو، 2011

إن فاتك الميري

رغم أن البلد تئن تحت وطأة الجهل والأمية، إلا أن الخبال الذي يصيبنا من وراء النخبة المثقفة لهو أظلم وأضل سبيلا.


لولا أني آليت على نفسي ألا أتهم من يخالفني في الرأي بالعمالة والخيانة، لكان لي شأن آخر مع النخب وأصحاب الأبواق، ذلك أنهم يقولون مالا يفعلون، فهم يصيحون آناء الليل وأطراف النهار بشعارات الديمقراطية والمساواة واحترام الرأي وحكم الشعب ومدنية الدولة، ثم لا يلبثون يطالبون بما يرونه من وجهة نظرهم، بغض النظر عن كونه مخالفا لرأي الأغلبية أم موافقا لها، ومبررهم في ذلك أن الأغلبية من الشعب لا تعي الأصلح لها، وأنهم مضحوك عليهم، لذا وجب على النخبة أن تستل سيف الدفاع عن الصالح، وإنه من دواعي السخرية أنهم بهذا الفعل ساروا على درب النظام السابق في المنطق وفي الخطاب المستخدم لتبريره، دون تحريف أو تأويل، في حين أن البسطاء وعامة الشعب يقدرون رأي الجماعة ولا يخرجون عليه،


ما زلت أرى أن معيار اعتناق المبادئ عند الناس متغير، وأننا نقبل الديمقراطية طالما كافأتنا، فإن واجهنا من عنده ميزة تنافسية انقلبنا على أعقابنا، وهو بالضبط الحادث بين الجماعات السياسية الآن، فأغلب العلمانيين والليبراليين والاشتراكيين لا يقبلون ما سارت إليه نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية، فرغم أن بعض من روج للموافقة عليها استخدم سلاح الدين وهو فعل مرفوض، كذلك فعل من روج لرفضها، على أنه يظل جزء ممن قبلوها له مبرراته المنطقية، البعيدة عن الدين، كما يقول الدكتور معتز عبد الفتاح في مقاله ( لماذا قال المصريون (نعم)؟) في جريدة الشروق بتاريخ 19/6/2011، وفي سبيل رفض هذه النتيجة، لا يمل المعادون للتيار الإسلامي من المطالبة بأمور تضمن لهم الوصول إلى هدفهم، حتى وإن كانت تخالف ما ينادون به من مبادئ.


رغم حزني لانشقاق صف الإجماع الوطني في جمعة الغضب الثانية، ورغم عتابي الشديد لكل من رفض المشاركة فيها متمسكا بنقاط الخلاف ومهملا بنود التوافق، إلا أنني فرحت للنجاح الذي قدر لهذه الجمعة، وفرحي الأشد للتصريحات التي خرجت ممن شاركوا فيها بأنهم ما عادوا يحتاجون لدعم الإخوان المسلمين، وأنهم قادرون على الحشد، فأين هذه التصريحات الآن وأنتم تطلبون وضع الدستور أولا خشية أن يسيطر الإخوان على البرلمان القادم وينفردوا بوضعه! أليس من نجح في تنظيم جمعة الغضب الثانية في غياب الأخوان بقادر على حشد الأصوات والفوز في الانتخابات البرلمانية؟ أم أنكم لا تريدون لأي تيار إسلامي أن يشارك في وضع الدستور حتى وإن كان منتخبا من أغلبية أو أقلية؟


يطل علينا النخبة المنبثقة من مؤتمر الوفاق القومي بنزغ الرجيم، فتنادوا مصبحين أن اجعلوا مادة في الدستور الجديد تفرض على الجيش حماية توجه الدولة المدنية بغض النظر عمن يكون الرئيس أو هوية الأغلبية فى البرلمان، ويلكم ماذا تفعلون! هل ملك بغض الإسلاميين عليكم قلوبكم حتى أردتم إهلاك مدنية الدولة بتدخل العسكر؟، أتريدون تغيير العقيدة العسكرية لجيش مصر من حماية الوطن وسلامة اراضيه وحماية الشعب إلى حماية الدولة والنظام، أتدرون ما الحال الذي كنا سنؤول إليه في ثورة 25 يناير لو أن الجيش اعتنق فكرة حماية النظام؟ وهل تجاوزات الجيش في بعض المواقف التي كثرت تطمئنكم إلى احترامه لحقوقنا المدنية؟ وهل خبرتم حرفية سياسية في العسكر تيسر لهم الحكم على ما يهدد مدنية الدولة دونما ميل أو تجاوز؟


إن من المفارقة أن يكون البسطاء لا يقدرون على استخدام مصطلحات المبادىء رغم أنهم يطبقونها في حياتهم وتعاملاتهم، في الوقت الذي تتغنى فيه النخبة بتلك المصطلحات، ولا تجاوز حناجرهم لا تطبيقا ولا اقتناعا، وما يزيد الوضع غرابة أن تعتنق تلك النخبة مثلا شعبيا عفى عليه الزمن، فيتمسكون بالميري كي يتمرغون في التراب.

السبت، 11 يونيو، 2011

مصر بلدي... والكويت أهلي

قلب الأصيل يتسع لكل ذي فضل عليه، وذووا الفضل كثر ولا تعارض بينهم.

قرأت مقالا لصديقي الأديب عنتر عثمان بعنوان (بلادي والكويت… سلمتما للمجد) فحرك في نفسي الرغبة في توثيق شهادتي بخصوص بلد ربيت على أرضه، فحبنا للكويت وإخلاصنا لها هو دليل على استمرار حبنا وإخلاصنا لوطننا الأول مصر، فالارتباط بالوطن في الغربة كنبت نقل من تربته الأصلية، فأنت تحتاج لتربة بديلة تحفظ له الحياة، وتضمن ألا تموت جذوره حتى إذا ما عاد إلى وطنه كأنما أعيد إلى تربته، ولن تجد محبا صادقا لوطنه مصر لا يحب الكويت التي عاش فيها، ولو رأيت من ينكر فضل الكويت فاعلم أنه جاحد لفضل بلده مصر من الأساس.

كثير هم من على شاكلتي، ممن يعتبرون من الجيل الثاني أو الثالث لعائلاتهم التي استوطنت الكويت منذ خمسينيات وسيتينيات القرن الماضي، وهي شروط تمنحهم جنسية دول أخرى لو كانوا يعيشون بها، وهم يعرفون فضل الكويت عليهم كما هو على غيرهم، تعلموا وتعالجوا وعاشوا ومارسوا شعائر دينهم بحرية، وتثقفوا وسافروا إلى بلادهم يحملون صورة إيجابية عن الكويت، وعادوا إليها وهم يحملون حنينا وشوقا، وكما يعرفون فضلها فهم يؤمنون بقدرهم في المشاركة في بنائها ونهضتها، فبنوا وأصلحوا وعلموا وعالجوا وخططوا ونفذوا، وكل من هم على شاكلتي يريدون العودة للمشاركة في رد الجميل.

نحن نعلم حساسية التركيبة السكانية والجغرافية للكويت، ولا نجادل في القرارات السيادية السياسية، ونقدر أولي الأمر جيدا، ولا نطلب إلا أن يوقنوا أننا لا نفاوض على أمن وأمان وتماسك وعروبة الكويت، ولن نقبل بما يحوم حول حماها، ولا نزايد عليها، وإن موقف مصر معها إبان الغزو الغاشم كان موقف شعب قبل أن يكون موقف رئاسة، وهو موقف ليس تفضلا، بل هو قدرنا الذي نقبل به بصدر رحب، ولا نطلب عليه أجر.

يؤلمني بعض الأحداث الفردية من اعتداءات على بعض المصريين العاملين في الكويت، أو فصل تعسفي لطلبة أو موظفين، هذه الأحداث على تكرارها قد تفسر تفسيرات أخرى، لذا أناشد قضاء الكويت الذي نؤمن بحريته، وكذا العقلاء من أهل الكويت وهم كثر، أن يتصدوا لهكذا تجاوزات، التي تجرح صفاء صورة الكويت قبل أن تؤذينا.

كنت قبل الثورة أفخر بالكويت بين أقراني في مصر أنها بلد خير، السواد من شعبها طيبون ويقبلون الغريب، وجلهم يعرف لمصر والمصريين فضلها وقدرهم، ويحترمون انسانية الانسان، ولا يعتدون، وكنت أسوق من المواقف الكثير للدلالة على صدق كلامي، والآن بعد الثورة واسترداد مصر حريتها، أملنا أن نصل بها للحرية والكرامة والعيش الكريم، وأرجو ألا تكون الكويت معنا بعد ثورة مصر التي أعادتها لمكانها بأقل من الكويت التي عرفناها طول عمرنا.

الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

حَمار... وحلاوة

لم نجن من المدنية والتحضر قدر ما فقدناه بسببهما، أولم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس! غير أنه يظل تلوث الفطرة وفساد السريرة هما أعظم ما خسرنا.

 يعجبني في البسطاء صدقهم وشفافيتهم وحسن ظنهم بالناس ونقاء سريرتهم، وإن شئت إجمالا فقل سلامة فطرتهم، آية ذلك أنني ما اتهمت يوما من البسطاء بعدم الوطنية أو الاهتمام بحال البلد، في حين تجد الاتهام واضحا أو مستترا في أغلب أحاديثي مع (المثقفين)، فإن سلامة الفطرة عند البسيط جعلته موضوعيا في الحوار، فهو يقبل الخبر عند تحقق صدق الناقل بغض النظر عن محتوى الخبر، أما الرأي فعِلّة قُبولِه عند البسيط رجاحتُه.

هل رأيت يوما بائع البطيخ وهو ينادي على بضاعته بأعلى صوته: حَمار وحلاوة؟ تلك هي الموضوعية التي أقصدها، فهو يعلن عن مواصفات التمييز في بضاعته بالصفتين اللتين تحددان المظهر والجوهر، وهو على استعداد لطمأنتك عما ستشتريه قبل مغادرتك، فهو يبيع (عالسكين) فلا مجال عنده للتدليس أو الظلم، أما الفصيل الآخر من (المثقفين) فالاهتمام عندهم ينصب على حروب إقصاء الآخر، دون اعتبار لما يروجونه في مظهره أو جوهره، وبلا موضوعية تجاه انتقادك.

وضعت مقال نوارة نجم تعليقا على الفيديو الذي يتحدث فيه مأمور قسم الأزبكية عما حدث مع السائق الذي توفي  بعد إلقاء القبض عليه، وانتقدت أسلوب تعامل الشرطة، والقصور الأمني العمدي، وعززت كلامي بسيرة المأمور سالف الذكر سيء السمعة، فما كان من أحد معارفي إلا أن تغاضى عن جميع ما ذكر وقال لي: (انت اصلا مش قاعد معانا في مصر فمتتكلمش عن أشياء لم تراها)، أنا لم أكمل الحوار معه ليس لضعف حجتي، ولكن اعوجاج فكره وعنصريته تمنعانه من الموضوعية والإقرار بالحق.

لا أعلم كيف يَفضُل الذي يعيش داخل مصر من يعيش خارجها في معرفة حقيقة هكذا أخبار؟ هل نفترض أن السيد المثقف كان في موقع الحدث ورأى ما حدث بأم عينه؟ هل نفترض أنه يحمل قلمه وكاميرا التصوير ليتابع ما حدث في المعادي بين سائق الميكروباص وضابط الشرطة؟ أو ما حدث في التحرير بين المتحرشين بالصحفية وضابط الشرطة؟ أم أنه يستقي معلوماته من الأخبار المذاعة والمنشورة؟ أم أن وجوده داخل مصر يجعله قادرا على فهم الخبر بما يعجز عنه المغتربون؟ أم أنه يفترض أن المغترب ليس لديه الوقت لمتابعة ما يحدث داخل البلد؟ أم أنه يفترض أن المغترب قد انشغل بجمع المال وله أهداف خاصة وراء نشره لمثل هذه الأخبار؟ بل والأسوأ من ذلك أنه يبيح التعامل مع سائقي الميكروباص بأية طريقة ليس لأنهم مجرمون -وهو خطأ مزدوج إذا كان هذا مبرره حيث أن فيه تعميم وسلب لحقوق الإنسان وإن كان مذنبا- ولكن لأنه يرى أن (ربنا خلق الأنسان ثم الحيوان ثم سائقي الميكروباص).

إن فساد الفطرة يجعل من يناقشك من المثقفين ومدعي التحضر يشهرون في وجهك أسلحة الانتقاص من فضائلك، فالاتهام بالجبن والغباء والجهل والخيانة وعدم الوطنية أسلحة استراتيجية، موجودة في نفس كل إنسان لوثته المدنية بفقد نقاء السريرة وحسن الظن، ولكن على أعماق مختلفة، فمن الناس من توجد عنده هذه الاتهامات على الطبقة السطحية، وهو جاهز لضربك بها إذا ما عنَّ لك أن تفغر فاك متسائلا، ومنهم من يحتفظ بها على عمق أكبر، فكلما ازداد النقاش حدة نضحت نفسه ما يعلو هذه الاتهامات من طبقات فيها الرزانة والاحترام والأدب، حتى إذا ما فرغت حججه رماك بنفس الاتهامات.

يحزنني أن أجد ممن أعرفهم ويفترض أن بيننا صلة ود هذا الاتهام، ناهيك عن أنه يستنزف الطاقة والرد عليه يستنزف الحجج والكلمات، كما أنه يصرفني عن الكتابة في أمور أخرى، فهذا المقال (كلاكيت رابع مرة) في الرد على متهمي المغتربين بعدم الوطنية أو الجهل بأمور البلاد والعباد، وهو ما يذكرني بمسرحيات عادل إمام التي تظل تعرض للعام العاشر على التوالي، فكلانا مَنَعَنا تكرار نفس العمل من تقديم أعمال أخرى، وإن من المفارقة أن تكون مقالاتي بما فيها من تجديد في الخطاب وتنويع للحجج مدعاة للملل، ومن قبيل (اللت والعجن) في حين تظل مسرحيات (إمام ) المسفِّين قِبلة (المثقفين) رغم ما فيها من تكرار قاتل، فلا حَمار... ولا حلاوة

الاثنين، 6 يونيو، 2011

العزيمة في مواجهة (الفرهدة)

لو لم يكن للنظام السابق من مساوئ غير قتله للعزيمة وإفقادنا القدرة على تحديد الأهداف لكفتاه للإدانة أمام التاريخ قبل القضاء.


كنت أحسب أن مهمة الثورة بعد إسقاط الرئيس تتلخص في اقتلاع جذور الفساد وبناء نظام ديمقراطي حر، وهي مهمة جسيمة تنوء بها العصبة أولي القوة والفكر، غير أنني بدأت أدرك أننا في حاجة لنزع كل نبت زرعه النظام السابق ومعالجة كل من أكل هذا النبت، وإعادة بناء المدنية الحديثة، قد تظن أن المهمتين السابقتين مترادفتان، لذا وجب بعض الشرح والإسهاب.


كنت في مقالات سابقة أتحدث عن أخلاق ميدان التحرير التي كانت من التسامي والعلو للدرجة التي تصل إلى المعجزة، وأن شعب التحرير أنف أن يظل يسرق ويكذب ويتطاول ويسب ويتحرش ويتسول ويفتك بالضعيف ويأتي كل مذمة تخطر على باله، لأنه حين استرد كرامته عادت إليه إنسانيته، وقدرته على التفريق بين الخطأ والصواب، ورفضه لارتكاب المستقبح، لذا رأينا ميدان التحرير في أبهى حلله الأخلاقية، في صورة بهرت شعوب العالم فتحدث زعماؤهم عنا، فما الذي أصابنا بعد ذلك حتى نرى خروجا عن القانون متمثلا في الاشتباك الحادث بين الشرطة وأفراد الشعب أيا ما كان وصفهم؟


يقول استاذنا وائل قنديل في مقاله " سقوط دولة القانون فى قسم الأزبكية" :(سقطت دولة القانون فى أول اختبار لها أمام قسم الأزبكية.. الجميع داسوا القانون بأقدامهم رغم أنه يفترض أن ثورة 25 يناير قامت من أجل إرساء دولة القانون، والدفاع عن الكرامة الإنسانية،............وتشير أحداث موقعة الأزبكية إلى حالة ارتداد مخيفة إلى حياة الغابة، حيث يوارى القانون الثرى وتؤخذ الأمور بالعرف وسيادة روح القطيع) وهو كلام جدير بالاحترام، غير أن لي تعليق بسيط عليه، فنحن لم نكن دولة ذات قانون ومؤسسات، لذا فإنه عند قيام الثورة وسقوط رؤوس النظام، سقط الهيكل الذي حسبناه دولة، وهو ليس إلا مجموعة من الأشخاص الفاسدين الذين تجمعهم منافع ، كالمجرمين الذين تجمعهم (سبوبة) فإذا انقضت لا يرقبون لبعضهم إلا ولا ذمة، لذا فمن غير المتوقع أن تبني قانونا وتجعل الناس تحتكم له في شهور قليلة، ناهيك عن أنها شهور قلاقل وانفلات.


أعود لأوضح ما استهللت به مقالي، ذلك أن من طبيعة الشعوب أن تتشبه بحكامها، وتسير على خطاهم، فمتى كان الحاكم مهتما بالعلم نبغ العلماء، ومتى كان يجمع المال يصبح حديث الشعب عن الصفقات والأزمات، وارجع للتاريخ لترى صدق هذه التوجهات وارتباطها برؤية الحكام، العلة في مصر أن النظام السابق افتقد الرؤية، وافتقد العزيمة لاكتساب الرؤية، أو حتى العزيمة لاحتضان من لديه الرؤية، لذى انطبع الناس بذات التوجه، فافتقدوا القدرة على التخطيط والتنفيذ، وغاب الحافز والرغبة في التغيير أو التحسين، ومن نجا من الشعب حرص النظام على إلهائه بما يستنزف طاقته من اختناقات المرور وصعوبة المواصلات وغلاء المعيشة وتدهور الصحة والتعليم والقصور الأمني، فلا يكاد يملك من الوقت أو الجهد ما يمكنه من الالتفات للشأن العام، أي أن النظام السابق طبق علينا سياسة (الفرهدة) وهو مصطلح سمعته من صديق سافر إلى المغرب، وأراد أن يصف لي طريقة بعض من صاحبوه في تلك الزيارة في استمتاعهم فقال: (سياحة الفرهدة)، وهو يعني نزول من صاحبوه للمشي (دون هدف) حتى ينقطع نفسهم، ثم يعودون إلى الفندق، هكذا طيلة فترة مكوثهم في جميع المدن التي زاروها، وهو ما ينطبق تماما على السياسة التي ساسنا بها النظام السابق، غياب الهدف وانقطاع النفس.


الآن وقد علمت حالنا أيام النظام السابق اسمح لي أن أطلعك على حالنا بعد الثورة، فقد نجحنا في إزالة (نظام التشغيل) القديم الذي أصيب بكل (الفيروسات والدود) وأصبح يستهلك جميع (الموارد) إلى الدرجة التي اوقفت (الأداء والانتاج) ونحن الآن بصدد وضع (نظام جديد) قد يتطلب تغيرا في بعض  (المكونات المادية ) بما يستطيع تشغيل النظام الجديد، الأمر ليس بهذه البساطة، فما حدث مع الناس هو (إعادة الوضع الافتراضي) لبدء الخليقة، النقاء والطهارة وسمو الأخلاق، ثم ظهور التشاحن والاختلاف، ثم سيادة القوة وشريعة الغاب، هذا ما وصلنا إليه حتى الآن، أي أن ما حدث تسلسل منطقي وليس ارتداد عما بدأت به الثورة، ويبقى أمامنا تاريخ البشرية كلها حتى ننتقل من لحظة قتل هابيل لأخيه قابيل وهي ما نقف عندها الآن، إلى الدولة المدنية الحديثة.


هو طريق طويل يلخص تاريخ البشرية، يحتاج إلى العزيمة التي طالما افتقدناها، حتى لا نقع ضحية (الفرهدة).