من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

حَمار... وحلاوة

لم نجن من المدنية والتحضر قدر ما فقدناه بسببهما، أولم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس! غير أنه يظل تلوث الفطرة وفساد السريرة هما أعظم ما خسرنا.

 يعجبني في البسطاء صدقهم وشفافيتهم وحسن ظنهم بالناس ونقاء سريرتهم، وإن شئت إجمالا فقل سلامة فطرتهم، آية ذلك أنني ما اتهمت يوما من البسطاء بعدم الوطنية أو الاهتمام بحال البلد، في حين تجد الاتهام واضحا أو مستترا في أغلب أحاديثي مع (المثقفين)، فإن سلامة الفطرة عند البسيط جعلته موضوعيا في الحوار، فهو يقبل الخبر عند تحقق صدق الناقل بغض النظر عن محتوى الخبر، أما الرأي فعِلّة قُبولِه عند البسيط رجاحتُه.

هل رأيت يوما بائع البطيخ وهو ينادي على بضاعته بأعلى صوته: حَمار وحلاوة؟ تلك هي الموضوعية التي أقصدها، فهو يعلن عن مواصفات التمييز في بضاعته بالصفتين اللتين تحددان المظهر والجوهر، وهو على استعداد لطمأنتك عما ستشتريه قبل مغادرتك، فهو يبيع (عالسكين) فلا مجال عنده للتدليس أو الظلم، أما الفصيل الآخر من (المثقفين) فالاهتمام عندهم ينصب على حروب إقصاء الآخر، دون اعتبار لما يروجونه في مظهره أو جوهره، وبلا موضوعية تجاه انتقادك.

وضعت مقال نوارة نجم تعليقا على الفيديو الذي يتحدث فيه مأمور قسم الأزبكية عما حدث مع السائق الذي توفي  بعد إلقاء القبض عليه، وانتقدت أسلوب تعامل الشرطة، والقصور الأمني العمدي، وعززت كلامي بسيرة المأمور سالف الذكر سيء السمعة، فما كان من أحد معارفي إلا أن تغاضى عن جميع ما ذكر وقال لي: (انت اصلا مش قاعد معانا في مصر فمتتكلمش عن أشياء لم تراها)، أنا لم أكمل الحوار معه ليس لضعف حجتي، ولكن اعوجاج فكره وعنصريته تمنعانه من الموضوعية والإقرار بالحق.

لا أعلم كيف يَفضُل الذي يعيش داخل مصر من يعيش خارجها في معرفة حقيقة هكذا أخبار؟ هل نفترض أن السيد المثقف كان في موقع الحدث ورأى ما حدث بأم عينه؟ هل نفترض أنه يحمل قلمه وكاميرا التصوير ليتابع ما حدث في المعادي بين سائق الميكروباص وضابط الشرطة؟ أو ما حدث في التحرير بين المتحرشين بالصحفية وضابط الشرطة؟ أم أنه يستقي معلوماته من الأخبار المذاعة والمنشورة؟ أم أن وجوده داخل مصر يجعله قادرا على فهم الخبر بما يعجز عنه المغتربون؟ أم أنه يفترض أن المغترب ليس لديه الوقت لمتابعة ما يحدث داخل البلد؟ أم أنه يفترض أن المغترب قد انشغل بجمع المال وله أهداف خاصة وراء نشره لمثل هذه الأخبار؟ بل والأسوأ من ذلك أنه يبيح التعامل مع سائقي الميكروباص بأية طريقة ليس لأنهم مجرمون -وهو خطأ مزدوج إذا كان هذا مبرره حيث أن فيه تعميم وسلب لحقوق الإنسان وإن كان مذنبا- ولكن لأنه يرى أن (ربنا خلق الأنسان ثم الحيوان ثم سائقي الميكروباص).

إن فساد الفطرة يجعل من يناقشك من المثقفين ومدعي التحضر يشهرون في وجهك أسلحة الانتقاص من فضائلك، فالاتهام بالجبن والغباء والجهل والخيانة وعدم الوطنية أسلحة استراتيجية، موجودة في نفس كل إنسان لوثته المدنية بفقد نقاء السريرة وحسن الظن، ولكن على أعماق مختلفة، فمن الناس من توجد عنده هذه الاتهامات على الطبقة السطحية، وهو جاهز لضربك بها إذا ما عنَّ لك أن تفغر فاك متسائلا، ومنهم من يحتفظ بها على عمق أكبر، فكلما ازداد النقاش حدة نضحت نفسه ما يعلو هذه الاتهامات من طبقات فيها الرزانة والاحترام والأدب، حتى إذا ما فرغت حججه رماك بنفس الاتهامات.

يحزنني أن أجد ممن أعرفهم ويفترض أن بيننا صلة ود هذا الاتهام، ناهيك عن أنه يستنزف الطاقة والرد عليه يستنزف الحجج والكلمات، كما أنه يصرفني عن الكتابة في أمور أخرى، فهذا المقال (كلاكيت رابع مرة) في الرد على متهمي المغتربين بعدم الوطنية أو الجهل بأمور البلاد والعباد، وهو ما يذكرني بمسرحيات عادل إمام التي تظل تعرض للعام العاشر على التوالي، فكلانا مَنَعَنا تكرار نفس العمل من تقديم أعمال أخرى، وإن من المفارقة أن تكون مقالاتي بما فيها من تجديد في الخطاب وتنويع للحجج مدعاة للملل، ومن قبيل (اللت والعجن) في حين تظل مسرحيات (إمام ) المسفِّين قِبلة (المثقفين) رغم ما فيها من تكرار قاتل، فلا حَمار... ولا حلاوة

ليست هناك تعليقات: