من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الاثنين، 6 يونيو، 2011

العزيمة في مواجهة (الفرهدة)

لو لم يكن للنظام السابق من مساوئ غير قتله للعزيمة وإفقادنا القدرة على تحديد الأهداف لكفتاه للإدانة أمام التاريخ قبل القضاء.


كنت أحسب أن مهمة الثورة بعد إسقاط الرئيس تتلخص في اقتلاع جذور الفساد وبناء نظام ديمقراطي حر، وهي مهمة جسيمة تنوء بها العصبة أولي القوة والفكر، غير أنني بدأت أدرك أننا في حاجة لنزع كل نبت زرعه النظام السابق ومعالجة كل من أكل هذا النبت، وإعادة بناء المدنية الحديثة، قد تظن أن المهمتين السابقتين مترادفتان، لذا وجب بعض الشرح والإسهاب.


كنت في مقالات سابقة أتحدث عن أخلاق ميدان التحرير التي كانت من التسامي والعلو للدرجة التي تصل إلى المعجزة، وأن شعب التحرير أنف أن يظل يسرق ويكذب ويتطاول ويسب ويتحرش ويتسول ويفتك بالضعيف ويأتي كل مذمة تخطر على باله، لأنه حين استرد كرامته عادت إليه إنسانيته، وقدرته على التفريق بين الخطأ والصواب، ورفضه لارتكاب المستقبح، لذا رأينا ميدان التحرير في أبهى حلله الأخلاقية، في صورة بهرت شعوب العالم فتحدث زعماؤهم عنا، فما الذي أصابنا بعد ذلك حتى نرى خروجا عن القانون متمثلا في الاشتباك الحادث بين الشرطة وأفراد الشعب أيا ما كان وصفهم؟


يقول استاذنا وائل قنديل في مقاله " سقوط دولة القانون فى قسم الأزبكية" :(سقطت دولة القانون فى أول اختبار لها أمام قسم الأزبكية.. الجميع داسوا القانون بأقدامهم رغم أنه يفترض أن ثورة 25 يناير قامت من أجل إرساء دولة القانون، والدفاع عن الكرامة الإنسانية،............وتشير أحداث موقعة الأزبكية إلى حالة ارتداد مخيفة إلى حياة الغابة، حيث يوارى القانون الثرى وتؤخذ الأمور بالعرف وسيادة روح القطيع) وهو كلام جدير بالاحترام، غير أن لي تعليق بسيط عليه، فنحن لم نكن دولة ذات قانون ومؤسسات، لذا فإنه عند قيام الثورة وسقوط رؤوس النظام، سقط الهيكل الذي حسبناه دولة، وهو ليس إلا مجموعة من الأشخاص الفاسدين الذين تجمعهم منافع ، كالمجرمين الذين تجمعهم (سبوبة) فإذا انقضت لا يرقبون لبعضهم إلا ولا ذمة، لذا فمن غير المتوقع أن تبني قانونا وتجعل الناس تحتكم له في شهور قليلة، ناهيك عن أنها شهور قلاقل وانفلات.


أعود لأوضح ما استهللت به مقالي، ذلك أن من طبيعة الشعوب أن تتشبه بحكامها، وتسير على خطاهم، فمتى كان الحاكم مهتما بالعلم نبغ العلماء، ومتى كان يجمع المال يصبح حديث الشعب عن الصفقات والأزمات، وارجع للتاريخ لترى صدق هذه التوجهات وارتباطها برؤية الحكام، العلة في مصر أن النظام السابق افتقد الرؤية، وافتقد العزيمة لاكتساب الرؤية، أو حتى العزيمة لاحتضان من لديه الرؤية، لذى انطبع الناس بذات التوجه، فافتقدوا القدرة على التخطيط والتنفيذ، وغاب الحافز والرغبة في التغيير أو التحسين، ومن نجا من الشعب حرص النظام على إلهائه بما يستنزف طاقته من اختناقات المرور وصعوبة المواصلات وغلاء المعيشة وتدهور الصحة والتعليم والقصور الأمني، فلا يكاد يملك من الوقت أو الجهد ما يمكنه من الالتفات للشأن العام، أي أن النظام السابق طبق علينا سياسة (الفرهدة) وهو مصطلح سمعته من صديق سافر إلى المغرب، وأراد أن يصف لي طريقة بعض من صاحبوه في تلك الزيارة في استمتاعهم فقال: (سياحة الفرهدة)، وهو يعني نزول من صاحبوه للمشي (دون هدف) حتى ينقطع نفسهم، ثم يعودون إلى الفندق، هكذا طيلة فترة مكوثهم في جميع المدن التي زاروها، وهو ما ينطبق تماما على السياسة التي ساسنا بها النظام السابق، غياب الهدف وانقطاع النفس.


الآن وقد علمت حالنا أيام النظام السابق اسمح لي أن أطلعك على حالنا بعد الثورة، فقد نجحنا في إزالة (نظام التشغيل) القديم الذي أصيب بكل (الفيروسات والدود) وأصبح يستهلك جميع (الموارد) إلى الدرجة التي اوقفت (الأداء والانتاج) ونحن الآن بصدد وضع (نظام جديد) قد يتطلب تغيرا في بعض  (المكونات المادية ) بما يستطيع تشغيل النظام الجديد، الأمر ليس بهذه البساطة، فما حدث مع الناس هو (إعادة الوضع الافتراضي) لبدء الخليقة، النقاء والطهارة وسمو الأخلاق، ثم ظهور التشاحن والاختلاف، ثم سيادة القوة وشريعة الغاب، هذا ما وصلنا إليه حتى الآن، أي أن ما حدث تسلسل منطقي وليس ارتداد عما بدأت به الثورة، ويبقى أمامنا تاريخ البشرية كلها حتى ننتقل من لحظة قتل هابيل لأخيه قابيل وهي ما نقف عندها الآن، إلى الدولة المدنية الحديثة.


هو طريق طويل يلخص تاريخ البشرية، يحتاج إلى العزيمة التي طالما افتقدناها، حتى لا نقع ضحية (الفرهدة).

ليست هناك تعليقات: