من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

السبت، 31 أغسطس، 2013

اليسارجي.. مقالة في "علوقية المثقف"


كتب: أحمد عبد الفتاح، وطارق عثمان

إهداء: إلى حسام أبو البخاري.. فك الله كربته وكربة هذا الوطن.

إذا كان "الثوري" نظيفًا، فلماذا تتسخ "الثورة"؟!

أحمد مطر

بداية، وبرغم بداهة ذلك، يجب التأكيد على أنَّ هذا المقال يعبر فقط عن كاتبيه، وليس عن "التيار الإسلامي" بأجمعه، كما يستسهل كثيرٌ من "المثقفين" و"الأكاديميين" محل نقدنا فيه. وكاتباه شابان إسلاميان التوجه، يكتبان من موقع مستقلٍ تمامًا عن أي تنظيم. ومن نافلة القول التأكيد على أنَّ القارئ المُتابع لابد يعلم كم النقد الذي وجهه الكاتبان للإخوان المسلمين من قبل. ومن نافلة القول أيضًا أن المقال يتحدث عن نمط نظري محدد، ظهرت تجلياته في تصرفات "بعض" المثقفين، ومواقفهم اللاأخلاقية، ولا ينطبق على "الكل"، فأملنا في رحمة الله وفطرته المغروسة في الإنسان واسع؛ بحيث يكون هذا النمط استثناء، وأن يعود أصحابه عنه عمّ قريب.

"علوقية المثقف": محاولة في تأثيل المصطلح

ربما سيستفز العنوان الرئيسي الذي وضعناه لهذا المقال حفيظة من يقرأه؛ متسائلاً: هل ضاقت العربية عليكما، للدرجة التي تضطركما لاختيار هذا الدال: "علوقية"، للتعبير عن معنى معين يجوس في عقليكما؟ من الجدير بنا أن نعترف، أننا قد لا نستطيع أن "نعقلن" استعارتنا لهذا الدال، من قاموس "الشتائم" المصرية، لنوظفه في سياق معرفي-سياسي، ومن ثم ما سنسوقه من مبررات لهذه الاستعارة، ليست بالضرورة موزونة بميزان منطقي عقلاني:

ففي كثير من الأحيان، يتعرض المرء لدرجة اندهاش عميقة، من مواقف بعض الأشخاص، بحيث لا يجد في اللغة الرسمية المحتشمة، ما يعبر تعبيراً تاماً عما يخالجه من شعور تجاه هذه المواقف، حينها تضيق اللغة، ويلجأ المرء تلقائياً إلى اللغة العادية العامية، التي لا يليق بنبيل أن يستخدم بعض مفرداتها في خطابه، ولكنها أكثر اتساعاً ورحابة، لدرجة تسمح له بالظفر على مفردة ما، يراها أهلاً لتوصيل شعوره هذا على أتم وجه، وبلا كلفة!

هذا ما حدث تحديدا لنا، عندما اندهشنا من موقف مثقفين يساريين من انقلاب 3 يوليو، الذي قام به الجنرال "السيسي"، على الرئيس "محمد مرسي" وكل ما تلاه من أحداث سياسية واجتماعية في الواقع المصري؛ حيث لم نجد في اللغة الرسمية ما يفي بالتعبير عمّ أحدثه هذا الموقف فينا من اشمئزاز، وتلقائيا لم يسعفنا إلا هذا اللفظ، فاستعرناه.

ولربما كانت مثل هذه الحالة، هي ما دفع البروفيسور "حامد ربيع" لاستخدام مصطلح "الغباء السياسي". أو دفع الشيخ "فريد الأنصاري" لاستخدام مصطلح "العهر السياسي".

وعلى أية حال، فاللفظ الذي استعرناه لن نجد له جذر عربي فصيح يحمل نفس الدلالة التي تواضعت عليها له تلك الطبقة العامية من المجال التداولي المصري، بينما له دلالات معجمية فصيحة أخرى، بعيدة جدا على دلالته التي نقصدها. وقد أسلفنا أننا سنتحرر من دلالات اللغة الرسمية، وسنعتمد الدلالة العامية للفظ، والتي يمكن مقاربتها كالآتي: "هو لفظ يتضمن حمولة دلالية غاية في السلبية؛ تتمثل في الانتقاص الحاد لسجايا الرجولة التي ينبغي أن يتحلى بها المرء".

ولنقل هذه الحمولة إلى سياق سياسي-معرفي، احتجنا لصك مصطلح "الرجولة الثقافية" كضديد لمصطلح "العلوقية الثقافية"؛ لنبين كيف أن المثقف يضع نفسه في مواقف ثقافية/سياسية، يستحق بسببها أن تُسلب عنه صفات الرجولة، بالضبط كما يضع الشخص العادي نفسه في موقف اجتماعي معين، يستحق بسببه أن يُقدح في رجولته.

ولنحدد ما نقصده ب "بالرجولة الثقافية" كالآتي: "هي الأمانة العلمية التي يلزم المثقف، وبالذات لو كان أكاديميًا، أن يتحلى بها بموجب السلطة الأخلاقية المتوفرة في كل إنسان، في اللحظة التي يقع فيها تحت سطوة غريزتين: الأولى هي: إغراء السلطة، والثانية هي: ما اصطلحنا عليه بـ"التشفي الأيديولوجي".

ومن ثمَّ يمكننا صوغ المقصود من مفهوم "العلوقية الثقافية" كالآتي: "هي تخلي المثقف عن أمانته العلمية كنتيجة لتحرره من سلطان الأخلاق المغروس في فطرته كإنسان، وذلك عندما يضعف أمام السلطة، فيكون هذا التخلي ثمنًا لرضاها. أو عندما يضعف أمام غريزة التشفي الأيديولوجي، فيكون هذا التخلي ثمنًا لإشباعها."

هذا وثمة مصطلحين، ينتميان لنفس الطبقة العامية من المجال التداولي، قد طورانهما لغرض إجرائي محض، كمساهمة في توضيح تجليات وتمظهرات "العلوقية الثقافية" لدي مثقفي اليسار في هذا الظرف السياسي-الثقافي الراهن: الأول: "الموالسة النظرية"، والثاني هو: "التعريص النظري".

وسنستخدم المصطلح الأول: "الموالسة النظرية" في التعبير عن محاولة التنظير التي قدمها المثقفون محل نقدنا، لما حدث في الفترة من 30 يونيو ل 3 يوليو؛ إذ صرفوا جهدهم في إثبات أن ما يجرى هو: "موجة جديدة من ثورة يناير". بينما سنستعمل المصطلح الثاني:" التعريص النظري" في التعبير عن سكوت مثقفينا المطبق عن رد الفعل الشعبي الهائل على الإنقلاب على مدى ما يقرب من شهرين، وعدم إعتباره هو الآخر "موجة ثورية جديدة" كما تم التنظير لما حدث في 30 يونيو! هذاوتخصيصنا كل مصطلح للدلالة على أحد المعنيين، هو مجرد تخصيص إجرائي.

ولعل الظرف السياسي الراهن يعتبر حالة نموذجية تبرر لنا استخدام هذه العدّة المفاهيمية "الدنيا" -إن جاز التعبير طبعاً- في تفسير موقف مثقفي اليسار خاصة، والمثقفين العلمانيين عامة من انقلاب "السيسي"، وما تلاه من عواقب؛ حيث مثل سقوطاً في كلا الاختبارين: إغراء السلطة والتشفي الأيديولوجي، مما يعني أن ثمة خللا كبيرا قد وقع في "رجولتهم الثقافية" (لعل الاختبار الثاني: "التشفي الأيديولوجي" هو الأكثر تعبيرا عن هذا الخلل الحاصل في "الرجولة الثقافية" عند مثقفي ما يسمَي باليسار الديمقراطي)

إذن مقاربتنا هنا وللمفارقة مقاربة أخلاقية بامتياز؛ وذلك لأن موقف نخبة اليسار من الانقلاب، لا يمكن بحال أن نخرجّه

تخريجاً سياسيا أو أيديولوجياً، وإنما هو تمظهر صريح لسقوط سجايا رجولتهم الثقافية في الحضيض!!

عن أي يسار نتحدث؟ أو هل ثمة يسار مصري أصلا؟

لن ننشغل في مقالتنا هذه بدراسة الأسس النظرية التي يقوم عليها "اليسار الديمقراطي" أو "اليسار" عامة في مصر. لسببين: الأول: لأننا لا نقدم هنا ورقة بحثية تناقش أكاديميا طبيعة الأيديولوجيا اليسارية في مصر. والثاني: أن أغلب من يسمون أنفسهم باليساريين قد أسقطوا عن أنفسهم (بموقفهم من الانقلاب وما تلاه) أي احترام يسمح بمناقشتهم بطريقة علمية حرة. ولكن لا بأس من تقديم تعريفٍ إجرائيٍ لــ"اليسار الديمقراطي" كالآتي: "هو شبكة من الأكاديميين العاملين في الجامعات الأجنبية في مصر (الجامعة الأمريكية تحديدًا) والحقوقيين العاملين في منظمات ممولة أمريكيًا، ومجموعة من الصحفيين والكتاب العاملين في جرائد تخصصت في الكذب على الإسلاميين وتشويه صورتهم عمدًا، صحف لا تنفي تمويلها من قِبل رجال أعمال على علاقات اقتصادية وثيقة بإسرائيل. وبعض الأكاديميين والباحثين العاملين في منظمات تدعم إتجاهات "التدين الجديد المعلمن" المدعومة خليجيًا."

وهذا التعريف يكشف بالفعل عن مدى المفارقة التي يعيش فيها اليسار المصري؛ حيث تجد كل هؤلاء لهم ارتباطات "وجودية" بمؤسسات رأسمالية، مما يتنافى تماما مع منطلقات اليسار التي تؤسس لعداوة الرأسمالية والانشغال في المقابل بالشعب المطحون. فتخيل: أنا أعمل بالجامعة "الأمريكية"، وأقبض راتبي ب"الدولار" وفي نفس الوقت أتحدث باسم اليسار، وأعبر عن البروليتاريا!

كيف تعرف المثقف "العِلق"؟ أو ثورة 30 يونيو التي لم تقع

صبيحة الخامس عشر من يوليو الماضي نشر أحدهم مقالة بدأها بالتقريرات الأيديولوجية التالية:

"نستطيع أن نقول إن ما يحدث في مصر، منذ الحراك الشعبي الواسع في 30 يونيو ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسي، يشكل بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة. وذلك بعد عامين ونصف من التشويش والإرباك المتعمد، الذي أحدثه المسار السياسي الكارثي بهندسة المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين منذ 11 فبراير 2011. وجاء ذلك بهدف إجهاض الثورة وما تحمله من وعد بتحولات جذرية في بنية السياسة المصرية. ثورة يناير منذ بدايتها كانت ضد الاستبداد، والسلطوية الدولية، والقهر البوليسي، وانتهاك حقوق الإنسان. وكانت ضد اقتصاد سياسي لا تنموي قائم على رأسمالية المحاسيب، والريع، وسوء توزيع الدخل، والفساد، والظلم الاجتماعي."

ولفحص هذه التقريرات ينبغي التأكيد أولاً على التالي:

إسلاميًا حينما يكون هناك وضع كالذي فيه مصر الأن فإن سلوك المسلم لا يخرج عن ثلاثة:

أ- معرفة الحق والدعوة إليه والإنضمام له بقوة.

ب- اختلاط الأمر عليه ومن ثمَّ الإنضمام للباطل بتأويل سائغ

ج- اختلاط الأمر عليه تمامًا فلا يعرف حقًا من باطل، فيعتزل ما يعتبره فتنة، سائلاً الله النجاة منها.

ويتأتي هذا في إطار رغبة الإسلام في أن يكون للمسلم دومًا موقفا حركيا مما يحدث حوله، ثوري أو إصلاحي، حسب إجتهاده في فهم النص وفهم الواقع مع إمتلاكه لشرائط وأدوات هذا الفهم والإجتهاد.

أما المثقف العلماني الحديث، فله موقفٌ أخر، هذا الموقف ينبع من كونه يرى نفسه وريثًا لدور "آباء الكنيسة". يقف المثقف -العلماني فوق التاريخ، وليس داخله كبقية البشر- على صخرة أيديولوجيته التي يرى فيها "صخرة الخلاص" يدعو الناس إليه، راغبًا في التحكم الكامل بهم، ولا ريب، فهو مبعوث العناية الإلهية. ويترتب على ذلك أن يدعي المثقف العلماني (اليساري) الحديث لنفسه حقوقًا مطلقة في تعريف ماهية "الثورة"، "الشعب"، "العدالة الاجتماعية"، "الحريات". بغض النظر عن مدى قبول أو حتى تفهم "الأتباع/شعب كنيسته الميتافيزيقي المتخيل" لمدلولات هذه المصطلحات كما في رأسه. وفي حال انصراف الناس عنه، كنتيجة لعدم الفهم، أو لرفض مدلولاته لهذه المصطلحات، مع بقائهم في حال "الثورة" على الظلم والطغيان، انصرف عنهم، ووظف نفسه لصالح السلطة مبررًا ذبحهم، وفي هذا انتقامًا لهوى نفسه من عدم إتباعهم إياه. وهذا هو جوهر نظرية "علوقية المثقف."

إذن يمكن القول أنَّ "العلوقية" هي، من الناحية النظرية البحتة، جوهر أصيل لأي مثقف علماني حديث، نتيجة لأسباب لا مجال لسردها متعلقة بطبيعة "المعرفة الصورية العلمانية"، وكنا نتصور أن عامل "الفطرة" ومفاهيم "الحق" و "الباطل" المغروسة فينا قد تخفف من غلواء هذه "العلوقية"، لكن اختلاط هذه "العلوقية" بنفسية إنسان لا يخفي الشماتة والتشفي الأيديولوجيين تضيئها وتظهرها وتضفي عليها لمعانًا يخطف أنظار أي متابع محايد!

في ضوء ما سبق يمكننا تفحص هذا الكم من تقريرات التشفي الأيديولوجي غير المستندة على أي معرفة علمية منضبطة المذكورة أعلاه كالآتي:

يقول مثقفنا "اليسارجي" الهمام: "الحراك الشعبي الواسع في 30 يونيو ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسي، يشكل بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة"

أما إنكار أنه حدث "حراك شعبي واسع" (من الناحية العددية) في الفترة من 30 يونيو، إلى 3 يوليو، فإن هذا ليس من الإنصاف. لكن تفحص هذا "الحراك الشعبي الواسع" بعد شهرين من وقوعه يؤكد تمامًا أنه كان من نوعية "الحراكات الشعبية المدبرة"، بالنظر إلى تحركات الدولة العميقة، والقصف الإعلامي العنيف. مع الإعتراف بالأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها إدارة الرئيس مرسي. ولنا فيما حدث مع مصدق في إيران وشافيز في فنزويلا العبرة والعظة.

يمكن اعتبار ما حدث في الفترة من 30 يونيو إلى 3 يوليو حراكًا شعبيًا حقيقيًا إذا تمت الإجابة على الأسئلة التالية:

1- ماهي الجهة الحقيقية المحايدة التي قررت أن هناك 22 مليون مواطن مصري وقعوا على استمارات حركة تمرد كما يُشاع إعلاميًا؟

2- ماهي الجهة الحقيقية المحايدة التي قررت أن هناك 33 مليون مواطن مصري نزلوا الشارع للمطالبة برحيل الرئيس مرسي كما يُشاع إعلاميًا؟

3- هل يتصور أن الجيش الذي ظل طوال 18 يومًا من أيام الثورة الأولى بين مبارك والثوار، ثم ظل عامًا ونصف بعدها يقتل في الناس، لم يتحمل بقاء شعبه في الشارع لمدة عدة ساعات فقط، فأخرج بيانه؟

4- هل هناك أية ثورة في التاريخ تمت بدون نزول أي قطرة دم واحدة من "الثوار"؟

(طبعًا في حالة "ثورة 30 يونيو المجيدة" يمكن القول أن الاستثناء الوحيد كان دماء الفتيات المسكينات اللاتي تم الاعتداء عليهن في الميدان أيام 30 يونيو و 1 يوليو!!)

5- هل هناك "ثورة" في التاريخ تكون موجودة في الشارع تحت حماية أجهزة القمع الرئيسية في الدولة "الشرطة"، و "الجيش"؟

الأن وبعد شهر ونيف من هذا "الحراك الشعبي الواسع"، وتَكَشُّفِ علاقات الكثير من قيادات هذه الحركة المشبوهة "تمرد"، بأطراف داخلية وخارجية ظلت على عداء واضح مع ثورة 25 يناير، يمكننا تفهم طبيعة هذا "الحراك الشعبي الواسع".

أما القول بأن ما حدث كان: "بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة" فإن هذا يعبر عن الفشل النظري الأصيل الذي يعتري كافة منظري "اليسار" في مصر.

ولتسويغ هذا "التهريج"، يلجأ "اليسارجي" للعبة جدلية قديمة جدًا، مغرقة في رومانسية المادية الجدلية العتيقة، تقضي قواعدها بالتالي:

سيقضي العسكر على الإخوان ثم الإسلاميين، و"سنوالس" نحن – كيسارجية نحترم النظرية- على ذلك، لكن الجيش لا تمكنه طبقيته، وارتباطه بمصالح الإمبريالية العالمية من تأسيس نظام حكم في مصر يضمن "الحريات"، و "العدالة الإجتماعية"، والتحليل ذاته يقضي بأن الجيش سيقيم نظامًا فاشيًا أقرب إلى النيوليبرالية يمنح حرية العمل السياسي والإقتصادي لطبقة معينة، ويحظرها على بقية الطبقات، وسيؤدي هذا بالشعب الجائع (الذي يؤدي دور كلب بافلوف في هذه النظرية) إلى الثورة على العسكر، وسيأتي إلينا – على سبيل المكافأة- ليطلب منا – كيسارجية نحترم النظرية – أن نحكمه ونطبق عليه مفاهيم(نا) عن "الحريات" و "العدالة الاجتماعية".

وفي خضم هذا كله سنقبل – كيسارجية نحترم النظرية – قدرًا عظيمًا من التنازلات الأخلاقية والإنسانية، وسنسوغ للعسكر مذابحه ضد "الشعب" عمومًا والإسلاميين منه خصوصًا، (لن ننسى إصدار بيانات تطالب بلجان تحقيق عاجلة تسوي بين الطرفين ذرًا للرماد في العيون)، وسنقبل إغلاق معبر غزة، وسنقبل ترحيل اللاجئين السوريين عن مصر بعد أن كانت اختيارهم الأول. كل هذا في سبيل التحقق المستحيل للجدلية النظرية على أرض الواقع، ولا تغررك "بيانات الشجب والإدانة"، فليتحمل كل طرف النتيجة الأخلاقية لتحليلاته.

ومقتضى هذا التهريج أن يسقط اليسارجي في فاشية طاغية؛ تبرر قتل "الشعب" وإبادته، ويا للمفارقة إذ المفترض أن يكون هو حاميه والمدافع عنه ضد السلطة!

"العلوقية مسئولية": موقع المثقف العِلق

تعالوا لننظر أين يتخذ مثقفنا موقعه في ساحة المشهد الجاري:

1-عندما نجد سيدة من "هوانم" جاردن سيتي، وغيرها من أحياء المحروسة الراقية (مادياً)، تكاد تبكي فرحاً في اتصال هاتفي في برنامج "توك شو"؛ لأن ثورة 30 يونيو المجيدة قد نجحت في تحرير الوطن من نير "ديكتاتورية" المرشد والرئيس مرسي= فلا يليق بنا أن نموت عجباً من هكذا سلوك؛ إذ قد يجمل بنا أن نعذر من يتعرض عقله ليل نهار لعملية "تزييف وعي" لم يكن يخطر ببال "ماركس" أن تحدث يومًا ما في أعتى النظم الرأسمالية.

أو عندما نجد ممثلات "سوق المتعة" و"الباطنية"، يخرجن برفقة "أوبرا وينفري" الشرق الأوسط – زعموا- (مع الاعتذار لكل النساء السود على وجه الأرض وليست أوبرا وحدها)، كيما يشكرن الجنرال على ما أسداه إليهم من فضل؛ إذ أزاح عن "صدورهن" عبء أصحاب "قال الله وقال الرسول"= فقد يكون هذا تصرفا في السياق؛ إذ من سيسخط على أهل الديانة إذن، لو رضي عنهم تلكم "النسوة" (مع الاعتذار لكل بنات حواء)؟

ولكن عندما نجد نخبة "اليسار الديمقراطي"، يتراقصون طرباً في صفحات الــ"فيسبوك" الخاصة بهم، على أشلاء أول منتج ديمقراطي في مصر، بعدما أتى "الجنرال" على بنيانه من القواعد = فهذه مفارقة تستلزم منا أن نتوقف عندها ملياً! (إذ يسمون أنفسهم بالديمقراطيين)

ولكن مهلا فليس مجرد "الرقص" ما أدهشنا ودفعنا لممارسة النقد، وإنما: أن يجند أولئك أقلامهن في خدمة الجنرال (ربما نوستالجيا لأيام الخدمة العسكرية)، لتسويغ انقلابه؛ بانتهاك حرمة الأمانة العلمية، وممارسة عملية "موالسة نظرية"؛ تقرر أن ما جرى في 30 يونيو ثورة كاملة الأركان، وليس له علاقة من قريب أو من بعيد بالانقلاب، في حين أن العالم من أقصاه إلى أقصاه يتعامل مع ما جرى على أنه انقلاب. إنه سلوك كهذا كفيل بدفع "حنة أرندت" لإعادة كتابة نصها "في الثورة" من جديد ليتلاءم مع رؤية فرسان اليسار الديمقراطي للثورة! 

وما نقصده بـ "موقع المثقف" هو موقع المحلل من الأحداث، وقد قررنا موقف "المثقف النظري العلماني الحديث" من العالم حين قلنا أنه وريث "آباء الكنيسة" القدامى، لكن ما نقصده هنا هو مكانه داخل شبكات انتاج المعرفة وعلاقته بسلطاتها، ولننظر هنا إلى كاتب المقال المُشار إلى مقدمته أعلاه، وهو أستاذ "يساري" بالجامعة الأمريكية في القاهرة. و لا ندري كيف بشخص (ليس أمريكيًا ومن سكان "العالم الثالث") يعمل في الجامعة "الأمريكية"، أمريكا ممثل الرأسمالية في العالم وحامي حماها، ويقبض منها راتبه الشهري ب"الدولار"، ينصب نفسه "راعياً" لليسار المصري! بأي حق يتحدث عن "البروليتاريا" المسحوقة، لا أدري كيف سيكون شعور "غرامشي" لو عاين هذا النمط من مثقفي اليسار "اللاعضويين"؟

تجد آخر يحاول جاهداً أن يصور من خرج في 30 يونيو بوصفهم "البروليتاريا" الثائرة على "فاشية" الإخوان. وأنا لا أدري الحقيقة متى صار كل من: الممثلات والراقصات، وقاطني حي المهندسين والزمالك، مدرجين على قوائم المسحوقين في المجتمع وحاملي روح الطبقة العاملة؟! أية مفارقة هذه؟ وكيف لنا أن نتورط في سجال أكاديمي مع مثل هذا "الهوس" الماركسي البائد، بعدما قلبه هؤلاء رأسًا على عقب؟ فلا أتخيل حقيقة شعور"ماركس"، ونحن نعرفه على "البروليتاريا" المصرية الجديدة، التي ينقصها كل شيء تقريبا سوى الثراء ورفاهة العيش؟!

وقِسْ على هذا بقية شبكاتهم العاملة في "منظمات حقوق الإنسان" المدعومة غربيًا عمومًا وأمريكيًا بالذات، ومنظمات "التدين الجديد المعلمن" المدعومة خليجيًا.

هذه هي شبكات السلطة التي نتنتج معرفةً على هذا القدر من البؤس والحقارة. ويمكننا أن نربط هذا الموقع العملي، بالموقع النظري الذي قررناه للمثقف الحديث كوريث لآباء الكنيسة حينما نتحدث عن تعريفاتهم "للشعب" و "الحريات"، و "العدالة الاجتماعية". فهي كلها جزء من "صخرة الخلاص" التي يقفون عليها والطوبيا الأرضية التي يملكون مفاتيحها، مقدسات صنمية لا وحي لها ولا تعريف إلا ذواتهم المتضخمة، ولا يبذلون أي جهد حتى في محاولة نشرها بين الناس. (كيف وهم يقبضون بالدولار) ولذلك يخترع "اليسارجي" جدلية نظرية كالمذكورة أعلاه، تدفعه دفعًا لدعم الجيش، أملاً في أن يتعلم "الشعب"/ "شعبه الميتافيزيقي المتخيل" ألا خلاص إلا عند "اليسارجي".

2-ومن دلائل أهمية معرفة موقع "المثقف العِلق" داخل شبكات السلطة المنتجة للمعرفة، ذلك البيان البائس الذي أصدروه وطلبوا جمع التوقيعات عليه، وسمي "بيان استكمال الثورة"، ونضيف نحن عليه "بيان استكمال الثورة على حِجر العسكر"، وهو بيان "ثوري" بائس يطالب الرئيس المؤقت باستكمال خارطة الطريق وعمل الانتخابات، والتوقف عن قمع الإسلاميين. هذا البيان هو أقصى علاج أخلاقي لضمائر فقدت نخوتها، وعقول فقدت شرف العلم. ويمكن اختصار أسباب هذا البيان في أمرين:

أولاً: أن هذه المجموعة بنت مجدها الشخصي على نقد الإخوان، ولا يمكنها في أي لحظة من اللحظات تصور أن الإخوان ربما يكونون أقرب إلى الحق، لكن الإخوان يقتلون الأن في الشوارع، وهذا يضغط – نظريًا – على الضمائر فكيف نحل هذه الأزمة الأخلاقية؟ نصدر هذا البيان.

ثانيًا: أن موقعهم الطبقي، وشبكات علاقاتهم، لا تتيح لهم شيئًا أكبر من ذلك، وللسخرية ففاشيتهم المذكورة أعلاه فاشية نظرية لا يملكون أي سبب من أسباب القوة لتحقيقها، ولم يطلبها منهم أحد، بل يبذلونها مجانية في سبيل دحر الإسلاميين، وتحقيق عبادة صنم الجدلية على أرض الواقع.

3-ويمكنك في نفس الإطار فهم إصرارهم على قضية "الدستور أولاً"، فالدستور أولاً بدون أي انتخابات للجنة وضع الدستور، قد تؤدي إلى فوز "الإسلاميين" بأغلبية مقاعدها، تعني ببساطة أن يُكتب الدستور بناءً على توازنات القوى الموجودة حاليًا والتي هي كلها في يد العسكر، ولا يملك "اليسارجي" أية قوة عملية لإجبار العسكر على أي شئ، لكن هذا هو الحال!! وبالتالي يمكن "للشعب" بالنسبة "لليسارجي"، أن يذهب لصناديق الإقتراع لإختيار ممثليه داخل النظام، لكن ليس من حقه أصلاً إختيار "مصممي النظام". فهذا خاضع عمليًا لواقع القوة على الأرض، ونظريًا للجدلية العتيقة التي يقرر اليسارجي خياراته الأخلاقية تبعًا لمقتضياتها.

وجوهر الفرق بين أي رافض للإنقلاب، وبين أي يسارجي ثورجي، هي هذه المسألة تحديدًا؛ موقع المثقف. فبينما يرى الرافض للإنقلاب أن الإنقلاب يمسه شخصيًا، فينهمك في مقاومته. لا يرى المثقف الثورجي الذي يمارس "الثورة" كوهم نظري أن الإنقلاب يمثل أي تهديد لوضعه الإجتماعي أو لسلطته "كمثقف" والرافض للإنقلاب يعول على شئ أساسي: حق الناس في اختيار حكامها. حقهم في التجربة والخطأ والتطور والغربلة. حقهم في عملية سياسية تتطور من خلال تطور وعيهم ونضج حركتهم على الأرض. لا يصمم نظام سياسي واقتصادي داخل رأسه (صخرة الخلاص) حتى ولو تحت اسم العدالة الاجتماعية أو الحريات ثم يحاول فرضه على الناس أو تكون "ثورة فاشلة".

ما يراه "الموالِس"، وما لا يراه "المعرص":

"الموالِس"، و "المعرص" هنا نفس الشخص، نفس المثقف النظري "العِلق" الذي تحكمه شهوة "التشفي الأيديولوجي" فيوالس على ماحدث في 3 يوليو، فلا يصفه بالإنقلاب العسكري، أو يصفه بالإنقلاب العسكري "الضروري"، لاستعادة مسار "الثورة"

أما "المعرص" فهو الذي يمارس عملية "التعريص النظري" على ملايين الجماهير المتنوعة التي تخرج يوميًا لرفض الإنقلاب العسكري، ولا يجيب عن أسئلة مهمة من نوعية:

- هل كل هذه الجماهير خاضعة لـ "طائفة الإخوان"؟

-هل يخرجون لرشوتهم بالزيت والسكر؟

-ألا تعد هذه الجماهير التي تخرج للتظاهر السلمي في سيناء والصعيد ومطروح أكثر تنوعًا، وتمثل فتحًا للمجال العام أمام هذه الأصوات المنسية؟

-ألا يعد خروج هذه الجماهير، أمرًا جيدًا يستحق العمل عليه وتطويره، أم أنهم حينما لم يخرجوا لحساب ثورت(نا) فلا قيمة لهم؟

طبعا هذه أسئلة "لا مفكر فيها" بتعبير "أركون"، لن يجرؤ مثقفنا على تقديم أجوبة عليها، فقط يكتفي بالموالسة والتعريص!

وفي هذا السياق يجدر بنا أن نشير للنقطة التالية:

القبلية والإنتماءات العنصرية:

لا تخضع الإنتماءات والتحيز للحق في الإسلام لنماذج نظرية مسبقة، تحدد على أساسها الانتماءات لكيانات "اسمانية" متخيلة من قبيل "الشعب"، و "الطبقة العاملة"، ولا حتى أصنام نظرية من قبيل "العقل"، أو "التنوير" وخلافه.

يخضع المسلم فاعليته الحركية ذات الأسس الأخلاقية في هذا العالم، للوحي وفقط، ولا يُغَلِّب نماذجه النظرية، ومعرفته التحليلية، على الأمر الإلهي بالحركة، ويعلم المسلم أن الإختيار نعمة قد تتيحها له المشيئة الإلهية، وقد لا تتيحها من باب: "ليبلوكم".

وعلى هذا فإن المسلم لا ينعم -ولله الحمد- بالحرية النظرية التي ينعم بها المثقف النظري "العِلق"، لا يستطيع المسلم الهرب من مسئوليته تجاه الواقع المطالب بإصلاحه، وبالتالي فإنه يوظف معرفته النظرية، لصالح اختياره الأخلاقي، وليس العكس، كما يفعل "اليسارجي"، أو من سعى سعيه. ويرى المسلم أن إخضاع الأخلاق للنماذج النظرية، هو شكل من أشكال "عبادة الذات"، ذلك أن هذه النماذج النظرية لا شرعية لها في نظر أصحابها إلا لكونها خاضعة لما يظنونه "هم" أسس العلم الصحيح. وفي هذا يكمن أساس المقارنة بين الإسلاميين الذين كانوا يكيلون الإنتقادات يوميًا لمسلك الإخوان المسلمين في فترة رئاسة "مرسي"، وما قبلها، ثم انضموا إلى معسكرهم بعد انقلاب 3 يوليو، فقط لأن هذا المعسكر أكثر أخلاقية من معسكر خصومهم، ولأنهم لم يقبلوا أن يكونوا في معسكر يقبل، ولو نظريًا، بقتل وسحل واعتقال هذا القدر من المظلومين.

أما غيرنا مما يدعي وصلاً بصنم "الشعب"، الذي لا نعرف ماهو بالضبط، بعد أن اختار الناس خيارًا واحدًا بنسب مختلفة في خمس استحقاقات انتخابية، فلا يحق له أبدًا أن يتحدث عن "قبلية الإسلاميين"، القبلية هي هوية متخيلة لشعب متخيل ذو قصة تاريخية تضم أجزاءً حقيقية، وعناصر متخيلة، وإلى هذا تحديدًا ينتمي اليسارجي القبلي. فليكف إذن عن رمي الناس بما هو غارق فيه حتى أنصاف آذانه، حتى صدق فيه قول العرب: "رمتنا بدائها وانسلت"!

المثقف والسلطة؛ مسار اليسارجي البائس

أسطورة "الشاب الثوري النقي" المطحون بين الإسلاميين والسلطة هي امتداد لأسطورة "اليساري الثوري النقي" المدافع عن حقوق الفقراء المطحونين بين الإسلاميين "المتطرفين" والسلطة التي شاهدناها في روايات وأفلام يساريين الستينات والسبعينات والثمانينات، ومحدثي اليسار حاليًا. وموقف "الثورجي المحايد" بين "العسكر " و "الإخوان" حاليًا هو في جوهره امتداد لموقف هذا الجيل البائس من العالم: إما ثورة على "المزاج" وشعب يعترف بمفاهيمنا كيسارجية عن "الحريات" و "العدالة الإجتماعية". وإما أن نيأس من العالم، و ننضم بالكامل للسلطة التي تقهر الشعب وتقهرنا وتقهر الإسلاميين ونقبل مسرورين استغلالها لنا في تشويه خصومنا الأيديولوجيين!!

ولنتعمق أكثر ونتساءل:

ما الدافع الأساس وراء كل هذه المفارقات؟

الأمر يكمن ببساطة في هذا المصطلح: "التشفي الأيديولوجي": أبسط وأصدق تعريف يمكن أن نقدمه لكل الأيديولوجيات المغايرة للإسلام السياسي هو: " أنها ليست إسلامية"، وبلغة منطقية، إنه تعريف بالسلب، أي تحديد الشيء بما ليس هو عليه. وسبب ذلك ببساطة أن هذه الأيديولوجيات، لا يملك أصحابها بنية نظرية وبنية ممارسية( تتسم بالواقعية ) تنتظم في خطاب، يعبر عن ماهيتها.

ومن هنا الثابت الجوهري والوحيد عند هؤلاء هو كونهم: "anti Islamism" ولا أكثر. وقد جاء انقلاب العسكر على حكومة الإخوان الشرعية بمثابة دواء عالج كرب الفترة الممتدة من ثورة يناير وحتى الانقلاب، والمتمثل في بزوغ العدو اللدود، العدو الأيديولوجي: "الإسلام السياسي".ومن ثم أيد أصحابنا الانقلاب وباركوه، وليس هذا ما أدهشنا، وإنما صلب مشكلتنا في عملية التزييف العلمي التي مارسوها، كيما يبرروا الانقلاب ويجوّزوا ذبح وإهانة جزء من الشعب (وهو بلا شك معبر عن هذا الشعب أبلغ من تعبير أصحابنا)، لا لشيء إلا لكونه إسلامي المنزع والغاية.

إن هذه الممارسات التي تفصح عن مفارقات نخبة اليسار، لا تكفي فيها اللغة الرسمية للتنديد بها، وإنما هي ممارسات تضطرنا للغة العامية الدنيا، لنجد فيها ما يعبر عنها تمام التعبير، إنها ببساطة: "علوقية مثقفين"!!

والله أعلم.


أما اليسار ففي العسر .

إلا ... الذين يماشون .

إلا الذين يعيشون يحشون بالصحف المشتراة العيون . .

فيعيشون

إلا الذين يشون ...

وإلا الذين يوشُّون ياقات قمصانهم برباط السكوت !

تعاليت ... ماذا يهمك ممن يذمك ؟

اليوم يومك

يرقى السجين إلى سدة العرش . .

والعرش يصبح سجنا جديدا ً. .

أمل دنقل

ليست هناك تعليقات: