من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

السبت، 12 مارس، 2011

مصر ليس وطنًا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا

غيابنا عن أرض الوطن ليس قدحا في وطنيتنا، ولا ينتقص من معرفتنا بأوضاع مصر وما يدور في ربوعها.

نصحني صديق احترم رأيه أن تكون كتاباتي في الرد على منتقدي البرادعي دون ذكر اسمه كي ما يتسنى لمعارضيه أن يقرأوا ما اكتب، ورغم ما في هذا الرأي من وجاهة إلا أنني سأظل أذكر اسم البرادعي صراحة لسببين، أولهما أنني لا أروج لانتخابه ولا لفكره بل أرد التهم المفتراة عليه بما يسمح بإعطائه الفرصة مثل غيره لتقديم نفسه وبرنامجه، والسبب الآخر أن التلميح دون التصريح في الرد على هذه التهم لا يسمن ولا يغني من جوع مع سطحية هذه التهم والتي بالضرورة تعكس سطحية عقل من يرددها، وبالتالي لن يستطيع الربط بين عمومية المقال الذي يقرأه وخصوصية الاتهام الذي يردده.

كنت قد أشرت في مقال سابق إلى اتهام بعض الناس لي أنني انسلخت من مصريتي كوني قد ولدت خارج مصر، رغم أن سنوات الغربة تلك قوت حنينا وارتباطا بالوطن، كما يقوي بعد الماء في جوف الأرض جذور الشجر المتلهف للتروية فتكون جذورا ضاربة لا يمكن اقتلاعها، ولا أريد العودة مرة أخرى للحديث عن هذا الأمر، لولا تشابها ألمحه بين هذا الاتهام وذلك الذي نال البرادعي بأنه لا يصلح للرئاسة لطول غيابه عن مصر وعدم إلمامه بما يحدث فيها، لذا سأحاول أن أكون موضوعيا في الرد وأرجو منك أن تكون موضوعيا في الحكم:
  • ليست العبرة في المعرفة بالحضور الجسماني بقدر الرغبة في التحري والإلمام فكلنا نعلم أن النظام البائد كان حاضرا طوال الوقت في مصر، ولكنه غائب على الدوام حين تقيس مقدار معرفته بأحوال الناس، ذلك أن الحضور الجسماني يقف عند حدود المكان والزمان، فأنت لا تدرك مثلا ما يدور في الغرفة المغلقة التي بجوارك، ولو لازمت بابها طول عمرك، مالم يتسنى لك توفير أداة تسمح لك بمتابعة ما يحدث داخلها، ومع اتساع رقعة البلاد واختلاف ظروف العباد، احتاج الحاكم لأدوات مختلفة تصله بكل ما يحدث، وهذه الأدوات هي بطانة الحاكم ووزراؤه، ووسائل الإعلام ونواب الشعب، فإن أنت أصلحت الوسائل ضمنت سلامة وصول الخبر، ويتبقى سلامة نية الحاكم في التعامل مع الخبر، وفي هذه يستوي من عاش طول عمره داخل البلاد أو من قضى جزءا منها في الخارج.
  • لو أننا رجعنا لتاريخ البرادعي لوجدنا أنه عاش من عمره في مصر الجزء الكبير، وأنه تدرج في وزارة الخارجية، وأنه ما غادر مصر للاستقرار خارجها إلا عام 1980، أي أنه عاش ما يقرب من 32 عاما في مصر، وهو عمر أزعم أنه كاف لعرك مشاكل الحياة ومعرفة عقدها، وأنه ما غادر مصر ناقما عليها ولا مفارقا كارها، وإنما للالتحاق بالعمل في هيئة دولية ثم وكالة الطاقة الذرية، وهو ما سمح له بمعايشة المجتمعات الديمقراطية، وممارسة العمل الجماعي، والإيمان بإعلاء قيم العمل والمؤسسات، واحترام ثقافة الاختلاف وتقبل الآخر، وكلها فضائل نحن أحوج إليها الآن من أي وقت مضى، فإن جاز لنا أن نختار من داخل مصر من يعرفها نظريا، فالأولى أن نعطي فرصة لمن خبرها ممارسة، ألست تذهب إلى الطبيب الأمهر ممارسة وتتحاشى الأعلى أكاديميا دون ممارسة!
  • في تاريخنا الإسلامي وتاريخ الإنسانية جمعاء أمثلة كثر تحكي نجاحات ولاة وحكام أرسلوا من رئيس الدولة أو الخليفة، لتسيير أمور الرعية في أمصار وولايات لم يدخلوها قبل لحظة تعيينهم أبدا، ورغم ذلك لم يمنعهم عدم معرفتهم المسبقة بالبلاد التي يديرونها من قدرتهم على إداراتها بكفاءة مشهودة.
  • القول بأن معرفة الحاكم بما يدور في بلده يستلزم أن يكون فردا لامس كل مشاكلها بنفسه لهو قول يبعث على الضحك والتعجب، واتحدى أن يأتي القائلون بأشخاص ينطبق عليهم هذا الوصف، فمن يصلح للرئاسة من الذين يقطنون العشوائيات وركبوا المواصلات العامة وأفطروا على عربة الفول ولم يجدوا ما يدفعونه لاستكمال تعليمهم؟! وهل كان عمر بن عبد العزيز وغاندي ومصطفى كامل وسعد زغلول ومكرم عبيد من الطبقة المعدمة؟! وهل عاش بعضهم طوال عمره في بلده؟!
لا أجد ما اختم به مقالي أفضل من الحكمة في قول الوطني مكرم عبيد، فليس مصر وطنا يلزم أن نعيش فيه لنعرف أزماته، بل وطن يعيش فينا مادام في القلب نبض حتى وإن غربتنا الأيام

ليست هناك تعليقات: