من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

"حسام اتخطب"


الفطنة وحسن التصرف صفتان لا غنى عنهما إذا ما أردت ان تحمي نفسك حين تعامل الناس بمودة وتواضع، خصوصا إذا لم يكن الدكتور نعمة موجودا لإنقاذك.

الدكتور نعمة
دكتور أحمد نعمة عليه رحمة الله كان جراحا في المستشفى الذي عملت به، هو حاصل على ماجستير الجراحة العامة ولكن خبرته الطويلة كانت في العظام! رأس قسم العظام فترة رغم أنه ليس مؤهلا أكاديميا لذلك، ليس هذا هو المستغرب الأوحد في شخصية الدكتور نعمة، فقد كان عنيفا في خناقاته، لا تتوقع ما يصدر عن هذا الجسد الصغير صاحب القلب المتعب، لكنه كان قلبا طيبا كبيرا، ربما هي خلاصة تجربة طويلة من الصياعة التي ألجمها الشيب، كنت أحبه وأقدره فعلا، وظني أنه كان يحبني ويحنو علي كذلك.
ميرسي لزوقك
في يوم من الأيام جاء شاب ثلاثيني إلى العيادة الخارجية حيث كنت أمارس الطب الطبيعي والروماتيزم في المستشفى، لم يكن يشتكي من شيء إنما استأذنني أن أكتب له بعض الأدوية على بطاقة العلاج لديه حتى يصرفها من صيدلية المستشفى، أحد الحقوق التي يقتنع العاملون في الجهة الحكومية التي تخدمها هذه المستشفى أنه صار أمرا مفروغا منه، ولما كنت لا أقوم بالكشف على غيره ولا أعاني من ازدحام العيادة كغيري من زملائي في تخصصات الباطنة والجراحة والعظام فلم أمانع، وكان من المفروض أن أكتب الأدوية ذاتها التي كتبتها في بطاقة العلاج على ورقة خارجية مختومة بختم العيادة، حتى يسلمها في الصيدلية عند صرف العلاج تسهيلا للتوثيق وكتابة المنصرف، ولم يكن لدي في العيادة الخارجية ورقا مختوما، فقلت للشاب تفضل معي وذهبت إلى صالة العلاج التابعة للعيادة حيث أحضرت ورقة مختومة وبدأت أكتب الوصفة التي كتبتها في بطاقة العلاج.

كان المعتاد من أطباء المستشفى أن يرسلوا المريض ليجلب لهم ورقا مختوما من الغرف الأخرى، ولما لم أفعل ذلك فقد تأثر الشاب بتصرفي فقال بصوت ناعم:"كنت تقولي يا دكتور أجيبلك ورقة، " فقلت له أن هذا لا يصح وأنني لم أفعل شيئا زائدا، فزاد تأثره فقال: "يا لهوي يا دكتور! كده كتير، ميرسي لزوقك" حينها أدركت أن كتابتي الدواء على الورقة واقفا كان خطأ ويجب دوما أن تجعل المكتب بينك وبين المراجع حتى لا تسمح له بالاقتراب إلى الحد الذي يكاد يلامس جسمك!، اعتدلت وقلت له: "لا أبدا مفيش مشكلة" فرد الشاب: "ممكن يا دكتور أطلب منك طلب!" فأجبته بلهجة مقتضبة :"اتفضل" فقال: "ممكن آخد نمرة حضرتك علشان في ناس بتحتاج لمساعدة في المستشفى هنا ومش هنلاقي زي زوقك" فقلت له: "أكيد عارف رقم المستشفى، اتصل بالسنترال واطلب يحولك للعيادة" فقال: "يعني مش هينفع آخد نمرتك الشخصية!" فكررت: "مانا بقولك اتصل بالمستشفى وهما يحولوك" فقال لي شكرا وهو خائب الأمل، ثم ذهب وأنا أحسب أنه "مش مظبوط" وأني "كرشته".

أنا متأكد مع إني كنت شاكك 
لا أعلم ما السبب الذي جعل سيرة هذا الشاب تأتي في حديثي مع صديقي نائب الجراحة، فقلت له أنه "مش مظبوط" فقال لي صديقي: "أنا شاكك إنه ممكن يكون فعلا مش مظبوط"، فسألته لماذا فأجاب: "أصله في مرة كنت واقف بكلمه وهو بيسألني فلما كنت بجاوبه كان بيحط صباعه على صرتي!" لم أتمالك نفسي من الدهشة ولا لساني من الرد! قلت له: "بقى أنا بقولك انه مش مظبوط علشان قالي ميرسي لزوقك وإنت سايبه يلعب في صرتك وتقولي شاكك!" تركت صديقي وأغلقت الأمر إلى اليوم الذي أتاني فيه اتصال من خارج المستشفى.

حسام الزوق... اللي بيحب يخدم
جاءت زميلتي العزيزة في القسم تخبرني أن هناك اتصالا من "واحدة من بره المستشفى" وهي تقول: "اتفضل رد يا استاذ" ذهبت للرد في قاعة العلاج فكان الحوار التالي:
أنا: السلام عليكم
هي: عليكم السلام، حضرتك الدكتور حسام؟
أنا: أيوه
هي: حضرتك نايب قسم الطب الطبيعي
أنا: أيوه
هي: حضرتك الدكتور حسام اللي رفيع شوية وطويل؟
أنا: (لحظة سكوت مشوبة بقلق) أيوه اتفضلي
(عادة حينما يتم التعرف إليك بالمواصفات الجسدية فإن ذلك ينذر بأن شيئا مش مظبوطا أبدا يلوح في الأفق)
هي: حضرتك إحنا عايزين خدمة من حضرتك.... إحنا سمعنا إن حضرتك زوق وبتحب تخدم
أنا: (لحظة قلق مغطاة بالسكوت) أيوه اتفضلي عايزه أيه يعني
(أنا أخاطب نفسي: حضرتي زوق وبحب أخدم!.... نهارك إسود يا حسام إنت طلعت عليك سمعة خلاص)
هي: عايزين شوية أدوية
أنا: أوكي اتفضلي حضرتك العيادة اكشف عليكي واكتبلك العلاج المطلوب
هي: يعني حضرتك مينفعش تكتبلنا علاج؟
أنا: منا بقولك يا فندم، هاتي أورنيك علاج واتفضلي أكشف عليكي وأكتبلك العلاج المطلوب
هي:..... آه، يعني كده
أنا: تحت أمرك
وانتهت المكالمة
خرجت من قاعة العلاج إلى مكتب الأطباء حيث وجدت زميلتي تسألني: مين دي بقى يا أستاذ؟
أنا: لا، السؤال مش مين دي، السؤال هو مين ده، هو المنيل ده قال لكام واحد تاني.
زميلتي: منيل مين؟
حكيت لها القصة ففطست من الضحك، ثم قالت: خلاص يا ابني أهو غار ولا غارت
قلت لها: لا مش خلاص، الواد ده هييجي تاني
فتركتها وذهبت إلى الدكتور أحمد فحكيت له القصة فضحك هو الآخر وقال: أنا عارفهم ولاد ..... دول، لازم تكون عنيف معاهم علشان هما بيبقوا في منتهى العنف.
وأكمل الدكتور أحمد بقية حواديته عن أصنافهم، وأنا موقن أن "الواد إياه هييجي تاني"

إسكندرية... مش بس هريسة
كان من عادتي أن أحضر هريسة "أحمد حسنين" من سيدي بشر قبلي كلما ذهبت في مأمورية للإسكندرية لتوقيع الكشف على العاملين التابعين للهيئة التي تخدمها مستشفانا، وأحضر الهريسة للمستشفى في اليوم التالي لعودتي للقاهرة، حيث أتناولها مع زملائي في القسم ومن يزورنا في المكتب، ويشاء الله وأنا أبدأ فتح العلب أن تأتي لي زميلتي فتقول: "إلحق يا حسام، الواد جه زي ما قلت، أهو بيدور عليك يا أستاذ"
الحقيقة أنني لا أعلم لم أحسست بالاضطراب، فرغم أنني كنت موقنا بحدوث هذا، ورغم أن الشاب تبدو عليه إمارات الميوعة ونعومة الصوت، فإن مجرد التفكير في موقف كهذا جعلني اضطرب، فخرجت إلى مكتب الأطباء حيث الدكتور أحمد نعمة، فقلت له: "يا بيه الواد ال... جه بره وبيدور عليا"
فقال لي: "هو عايز أيه ابن ال...... ده "
ووجدت وجهه قد انقلب غاضبا، ثم أشار إلي: "اقعد هنا وأنا هربيلك أمه"
لحظات ثم وجدت الشاب يقف على باب المكتب، تجاهله الدكتور أحمد وأكمل حواره معي، ثم التفت إليه فجأة سائلا: "عايز أيه؟" ولم يمهله حتى يرد فعاد إلي بوجهه مخاطبا، ثم بعد مدة التفت إلى الشاب مرة أخى وسأله بشده: "اللي موقفك هنا؟" ولم ينتظر منه الرد حيث أشاح بوجهه مستكملا الحديث معي، ثم التفت إلى الشاب مرة ثالثة مخاطبا: "عايز أيه؟ أيه اللي جابك هنا" فأشار الشاب نصف إشارة إلي وكأنما يريد أن يقول أنه آت للدكتور حسام، فوجدت الدكتور أحمد انتفض من مكانه متجها للشاب، فسأله: "فين أورنيكك؟" ثم قبض عليه ونادى على أحد عمال المستشفى: "الواد ده جاي من غير أورنيك ومعندوش شغلانة هنا، بلغوا شغله وهاتولي ظابط المحطة،، مش عارفين نشوف شغلنا"
اقتادوا الشاب إلى الخارج وعاد إلي الدكتور أحمد وهو يقول: "بس خلصنا منه، إنت مال وشك أصفر كده ليه...!"
الحقيقة أن الدكتور أحمد اعتاد أن يقول لي مال وشك أصفر كده ليه كأنما يقول لي صباح الخير، لكنني لا أعلم حقا إن كانت هذه المرة وشي أصفر فعلا أم أنها صباح الخير بتاعته مرة أخرى!

لحظة الاحتفال
لحظات ودخل علينا زملاؤنا في القسم فحكينا لهم ما حدث، ثم جاءت الممرضة بقطع الهريسة لنأكل، ولما كان الوقت في آخر العيادة فإنه من الطبيعي أن يزورنا بعض الأصدقاء من العيادات الأخرى، قدمنا لهم بعض الهريسة اللذيذة ليشاركونا، فسأل أحدهم: "أيه المناسبة؟"، فصاح الدكتور أحمد بعلو صوته: "حسام اتخطب" ثم ازدرد باقي الهريسة وضج القسم بالضحك...

الله يرحمك يا دكتور أحمد

هناك 3 تعليقات:

Bashbosha يقول...

رحمة الله عليه

Omar Alshnawi يقول...

ربنا يرحمه ياااااارب

Dr. gasser يقول...

وشفت الواد تاني ولا ﻷ:)