من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الخميس، 24 أكتوبر، 2013

نوادر الأطباء 2.... (منقول)

رجل الفنتانيل لكل رجاله التخدير عندنا ف المستشفى

أحمد صبحي ... طبيب تخدير مصري ..في الثامنة والعشرون من عمره ... يرمز له بالأرقام 1916 ... انه رقم الكارت الذي يختمه يوميا في المستشفى الحكومي التي
يعمل بها

انه يجيد جميع المهارات التي يصعب على رجل واحد أن يجيدها في هذا العالم أوفي العوالم الموازية ..

أحمد يجيد تركيب الكانيولات والتيوبات والبنج النصفي والابيديورال والتحكم في مختلف أنواع أجهزة التخدير بسرعة تقترب من الاعجاز .. بالاضافة الى قدرته الفريدة في الرد على هواتف الجراحين المحمولة لانشغالهم في التعقيم , وتوجيه كشاف العمليات ببراعة على الجروح , ومناولة الخيوط للتمريض دون أن يفسد تعقيمها , الى جانب القيام بواجبته في الحفاظ على عهدة أمبولات الفنتانيل المخدرة

لقد أجمع الكل على انه يستحيل على رجل في مثل سن أحمد صبحي أن يجيد جميع هذه المهارات ويظل عقله سليما .. لذا فقد أطلقوا عليه هذا اللقب ..

لقب .. رجل الفنتانيل
___________________________________

1
الشريحة المفترسة
----------------------

(الأفندي نائب التخدير الاتصال بالعمليات)
دائما مايستيقظ احمد على نداء من هذا النوع من عامل السويتش المزعج دون أن يلتقط منه سوى أواخر الحروف
(....ئب ..... يير ... آل ... مات)
يافتاح ياعليم يارزاق ياكريم .. هكذا صبّح على السويتش ... ثم اتصل بالعمليات وهو يشعر بانتفاخ غريب في مثانته دعا ربه مخلصا كي يجد الوقت الملائم لافراغها قبل أن تأتيه حالة طارئة في هذا الوقت المريب من الليل
بضع كلمات مع التمريض ليدرك أنهم يحتاجونه ... هو بالذات ..لم يكن يملك خيارا سوى النزول للعمليات حالا ..انه قدره
لأنه الرجل ..
رجل الفنتانيل..
_______________
(استرح يا 1916 .. فلدي مهمة من اجلك)

نفض رأسه من العبارة الوهمية ليعود الى عالم الواقع وهو يجتاز باب العمليات ويدلف الى الردهة المثلجة المثيرة للقشعريرة .. لماذا يصرون على تشغيل التكييف في عز يناير ؟! .. ولماذا لايعمل التكييف صيفا ... ؟!! .. الجواب الجاهز .. لأن التكييف يتعطل من فرط التشغيل في فصول الشتاء

اتجه الى الكاونتر وهو يبذل جهدا جبارا لفتح عينيه .. حسنا هذا استشاري العظام .. ونائب العظام .. وآلات العظام ... أحدهم يلقي له بتذكرة العمليات .. يطالع التحاليل دون حماس ... الاستشاري يؤكد له أنه مريض (زي العسل) في سن
الشباب .. وسليم ..... الخ

-"احنا هنرفع شريحة صغيرة ....ربع ساعة بس"
تنهد وهو يتذكر الحسابات القديمة التي وعاها عن فارق التوقيت بين عالم الجراحين وعالم الواقع

اذا كان نائبا جديدا .. فهو لن يخبرك ارقاما لأنه أصلا لايعلم وسيتركها عائمة

اذا كان استشاري جراحة عامة اضرب الرقم في اتنين

اذا كان استشاري مسالك اضرب الرقم في ثلاثة ... واضف للناتج نصف ساعة لكاعة

اذا كان استشاري عظام ... لاتضرب شيئا وابعت هات هدومك من البيت

على كل.. الموضوع شريحة وسيرفعها نائب العظام غالبا حتى يفرغ الاستشاري من شرب كوب الشاي .. ربما ليس الموضوع بهذا السوء.. هنا سمع صوت سعال شنيع .. فدار على عقبيه بسرعة مذهلة ليطالعه وجه مريض شاب يافع في أواخر السبعينات من عمره ...نعم نعم... شاب ... لاتوجد اخطاء هنا لأن جراحي العظام كديدن الجراحين عموما يؤمنون أن الشباب شباب القلب ... وأن جيلا تربى على السمنة البلدي والفطير المشلتت خير من شباب هذه الأيام الذين تربوا على السريلاك و المربى والهامبورجر ... خير وأصح وأصبى برغم أنف التحاليل والموجات الصوتية على القلب

(انا اعلم انك لها يا 1916)

اتصل باستشاري التخدير ليعلمه بالحالة فأخبره بأن يتوكل على الله .. ثم دعا على المستشفى والجراحين ووزارة الصحة , وتامر حسني كذلك (لايدري العلاقة لكنه صار يعتبر تامر حسني من قوى الشر الطبيعية في العالم ..تماما كالزلازل والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم)

اغلق الخط واطلق تنهيدة طويلة وبدأ يتحضر للمعركة ... ثم نظر للعامل في حزم ليقول
-"جهزلنا سباينال يا(ر)"
ثم بدأ يعبث في جيوبه ليخرج منها أمبوله الأثير وتطلع له في صمت

أمبول الفنتانيل....
لهذا اثبت انه يستحق عن جدارة هذا اللقب ..
لقب ... رجل الفنتانيل
_________________

يامسهل يارب ...
هاهي ساق المريض مفتوحة على مصراعيها أمام النائب الذي احمر وجهه وتعرق من فرط الحك والتكسير ...
- " شريحة بنت ....... صحيح "

قالها نائب العظام ثم غاص في عرقه مرة أخرى محاولا استئصال تلك الشريحة الخبيثة ... نظر احمد الى ساعته في تعاسة... يالها من ليلة سوداء ... هل ستخرج تلك الشريحة في سنتها قبل ان ينتهي مفعول البنج النصفي ؟ ... ينقل مخاوفه الى النائب الذي مازال منهمكا في محاولة اغتصاب الشريحة ..فأجابه وهو يلهث بعنف :-
- " هف .. هف .... ادعيلنا بس يانجم .."

كان احمد دوما يكره هذا النائب (ك.ك) بالذات .. ويدعوه ب (كبير ظباط الموساد) .. وفي رواية أخرى.. ب (موشي دزرائيلي) ..ياساتر ... نفس الأتامة وثقل الظل ... ونفس التعصب المجنون لقسم الموساد ... طبعا مفهوم من هو الموساد

بدأت الدماء تملأ المكان فأشاح (أحمد ) بوجهه بعيدا لأنه يكره اراقة الدماء دون داع
...تنهد ثم تناول كانيولا رمادية عظيمة وبسرعة البرق أدخلها في عروق المريض وبدأ ينقل له المزيد من المحاليل بسرعة ... بعد فترة بدأ المريض يشكو من الدوار والغثيان .. طبعا لأن ضغطه ينخفض .. عقد حاجبيه في صرامة ... لابد هنا من وقفة .. ووقفة حازمة ...

يقول المريض في ملل :-
- " هوة لسة كتير يادكتور ؟!! "
هنا قرر (أحمد) ان وقت الاستنجاد باستشاري العظام قد حان ..
_________________

وأخيرا تعقم الاستشاري وتناول عدة الشغل من (ك.ك) ... وبدأ في ممارسة فن النحت في ساق المريض .. ماحكاية هذه الشريحة بالظبط ...؟
- "الشريحة كأنها بقت حتة من رجله .."
- "ويخلق مالا تعلمون ياأخي"

مرت نصف ساعة دون جدوى ... هنا بدأ (أحمد) في طلب وحدة دم للمريض رغم أنه - نكرر – يكره الدماء دون داع ... لكن الأمور تطورت بشكل غير سعيد... هل هؤلاء القوم يمزحون؟!! ... ان عملية رفع الشريحة تكاد تتحول الى عملية بتر أسفل الركبة
- "ياسواد السواد يامحاميحو "
يقولها الممرض (ح) وقد بدأت ساقيه تؤلمانه من طول الوقفة..
- " ماتنشف ياض ماتبقاش خرع "
يجاوبه (ك.ك) بغيظ وقد زاد عرقه وتوتره

بعد ربع ساعة توقف الاستشاري عن التفعيص فتوقف (ك.ك) عن النهجان ... تطلعا الى الأشعة المعلقة امامهما على الحائط قبل أن يتساءل الاستشاري :-
- " ماداهية لتكون الأشعة دي مقلوبة ياواد يا (ك)؟!"
- " باين فتحنا الرجل الغلط يافندم "

هنا أغمى على (ح) فسارعا بالاستنجاد باحدى الممرضات لتبديله ...

اخذا يتكلمان عن الصدفة العجيبة التي جعلت للمريض شريحة أخرى في الساق الغلط .. واتضح أنها كانت لعملية قديمة منذ عشر سنوات...

- " عيان بشريحتين؟!! ...هوة الراجل دة صيني ؟!"
- "أنا لو مكانه , اخلي واحدة منهم (اتصالات) ...نياهاهاهاهاهاهاه "

فتحا الساق الثانية ولم تجف دماء الأولى بعد ... وبدآ في الحفر والتنقيب حتى ظهر لمعان الشريحة ... فعاودا الطرق من جديد ... بعد ربع ساعة قال الاستشاري في قرف :-
- " ياخبر ..دي أنشف من اختها ..."
- " يادكتووووووووووووووور "

كان المريض يتوجع من احساس الحرقان الفظيع الذي يشعر به في ساقيه ... واضح ان مفعول البنج النصفي بدأ ينتهي ...
شد (أحمد) قامته ... وقرر أن وقت القرارت الحاسمة قد اتى ...يجب أن يثبت أنه يستحق لقب (رجل الفنتانيل) ...
يجب أن يفعل شيئا .. يجب
نظر للجراحين في غيظ ... وأخذ شهيقا عميقا ..

ثم بدأ في منح المريض تخديرا كليا...
_________________
مرت حوالي الساعتين قبل أن يقرر استشاري العظام .. ان العيان ليس بحاجة لرفع الشريحة .. وأن تركها في ساقه سيكون أشيك كثيرا ... والعملية ككل يمكن تبريرها أمام المريض وأهله بأنها كانت لتسليك عصب أو (ترييح ) وتر أو عمل فتحات تهوية... أو أي كلام فاضي معقول.

- " تسلم ايدك ياوحش .."

يقولها الاستشاري ل (ك.ك) وقد اعجبته خياطة الجرح الممتازة .. وعاد لتأمل الساقين من جديد ويقارنهما ببعض ..

- " كدة بقوا سوا بعض ... عفارم عليك يا (ك) "
- "تلميذ في مدرسة سعادتك يافندم "

بدأ (أحمد) في افاقة المريض وهو يدعو على الخاين وابن الحرام وجهاز الموساد بأكمله ... وعندما كح المريض وبدأ في التأوه والتفتفة .. اطمأن (احمد) بالا ...
لقد تمت تلك المهمة بنجاح ...

(أحسنت يا 1916)

لم يكن يريد شكرا من أحد .. او نيشانا ...أو تصفيقا ...
لقد اعتاد القيام بواجبه دون كلل ...ودون اعتراض ..
لأنه الرجل .. (رجل الفنتانيل)

ولأنه يريد النوم الآن ..وبشدة
_________________

كان (أحمد) في مطعم المستشفى يقشر برتقالة حمضانة دون شهية عندما أتاه (ك.ك) .. في ظهر اليوم التالي ... وضع صينية الغداء امامه وبادره قائلا :-
- " عيان الشريحة بتاع امبارح ..."
- " ايه ؟!..طلعله شريحة في رجله التالتة ؟"
- " لاياريس ... احنا فتحنا العيان الغلط أصلا "
- "يعني ايه؟"
- " بتاع امبارح دة كان المفروض يخرج.. العيان بتاعنا في السرير اللي جنبه ,هنعمله النهاردة بالليل الساعة واحدة"

ابتعد عن المائدة وصدى صوت (ك.ك) يتردد في اذنه .. لكنه لم يهتم ..

لقد اعتاد هذا القرف اليومي ..

سيوقظونه ... سيثيرون ملله ...سيطيرون النوم من عينيه ..

لكنه يجب أن يحتمل ...

لأنه ليس مجرد طبيب عادي ..

او حتى طبيب تخدير عادي ...

لقد كان الرجل ...رجل الفنتانيل
__________________________________________
_________________________________________

. لغير الأطباء أعتذر لصعوبة بعض المصطلحات
Ahmed Eid

ليست هناك تعليقات: