من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الخميس، 8 نوفمبر، 2012

مآرب أصحاب البقالة


يستمر جهاد الأطباء لتحسين الخدمة الصحية في مصر، وسط "ملاوعات" الحكومة، ومناوشات الإعلام، وإدراك مشوش لدى الناس، وقد أخذت على عاتقي أن أبين للناس ما التبس عليهم، فهذا القدر الذي أستطيع المساهمة به من بلاد الغربة، وأترك للمجاهدين مرتدي البالطو الأبيض قدرهم من التعامل مع الحكومة... والإعلام.

أكتب إليك يا سيدي القارئ هذه الكلمات في اليوم الذي قام فيه الأطباء المضربون بتشييع جثمان الصحة إلى مثواه الأخير في جنازة رمزية، واعلم أن بيدك إنجاح الإضراب فإنعاش المنظومة الصحية، أو تبوؤ مقعدك من العزاء المنصوب عملا بالمثل الشعبي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته)، ذلك أن عدم معرفتك بمطالب الإضراب ليس بالعذر الذي يبيح لك مهاجمته، فليس منا من لا يعرف طبيبا قد يدله على الحقيقة، وبدلا من أن تهاجمهم، ستشكر هؤلاء المناضلين لاقتناص حقك.

ربما تصادف أن تذهب بفلذة كبدك محمومة إلى استقبال طوارئ مستشفى ما فتقابلك طبيبة ترفض مناظرة حالة ابنتك لأنها "في إضراب ومبنشتغلش"، أؤكد لك يا صديقي العزيز أن هذه الطبيبة إما أنها لا تعلم شروط الإضراب، أو أنها تتعمد كسر شروط الإضراب للإساءة له، وفي الحالتين نحن أولى بمراجعتها وتوقيع الجزاءات التأديبية عليها، على أن تصرفا فرديا من هذه الطبيبة لا يصح أن ينسحب أثره على قبولك للإضراب جملة وتفصيلا، فإن سوء التطبيق يجب ألا يكون مبررا لرفض المنهج.

يا لائمي في الإضراب نحن قوم حاولنا الإصلاح مرات ومرات، وجربنا طرقا عديدة، ولكن آخر الدواء الكي، واعلم أننا نواجه منظومة فساد مؤسسي ممنهج، فلا تدعمه بخذلانك لنا، فإنما نريد أن تكون المؤسسات الصحية للغرض الذي يفترض أنها أنشئت له، ولكن القائمين عليها لهم فيها مآرب أخرى، ليس من ضمنها تقديم رعاية صحية آمنة ولائقة تحترم خصوصية المريض وتفي باحتياجاته.

وكعادة أغلب مؤسسات الدولة، تعلن سنويا خسائر تشغيل مرفق السكة الحديد، ورغم ذلك، فما يصرف عليها في تزايد، ولا يوجد تحسين في الخدمة، إنما التحسين يطرأ على من يتولى المناصب القيادية، فتولي أحد قطاعات الهيئة كأنه فرصة نادرة للسفر لإحدى دول الخليج، ومستشفى الهيئة جزء من تلك المنظومة الفاسدة، التي تدار بأسلوب محل البقالة الذي تملكه عائلة "مبسوطة"، فهم لا يهتمون بتوفير احتياجات الزبون، بقدر أن يوفروا احتياجات البيت، مع بعض البرستيج الذي يمنحه المحل لأصحابه.

فبقالة السكة الحديد المعروفة بمستشفى الهيئة لا تقدم خدمة صحية محورها مريض الهيئة، وإنما هي "سبوبة" لقيادات المستشفى، وقيادات الهيئة، أتذكر كم حاولنا إدخال أدوية بعض الأمراض المزمنة كالتهاب المفاصل الروماتويد، والذي قد يتسبب في تدمير المفاصل وإعاقة دائمة، أردنا توفير هذه الأدوية بصورة دائمة للمرضى، وأن يعتمد هذا المرض ضمن قائمة الأمراض المزمنة التي تحتاج رعاية خاصة تتمثل في توفير الدواء بصرف النظر عن كلفته، والحق أننا فشلنا فشلا ذريعا، في الوقت ذاته كان يتم شراء أدوية تخسيس وكريمات تفتيح بل وشامبو للكلاب من الصيدليات الخاصة بفواتير باهظة، ليتم إرسالها إلى المهندس الكبير الذي طلبها في اتصال تلفوني بمدير المستشفى أو من يلف لفه من صبيان البقالة، وتدرج الفاتورة على حساب المستشفى!

الشرائح المعدنية التي ترفض من اللجنة الفنية لعدم مطابقتها للمواصفات كانت تورد رسميا، وتركب للمرضى المصابين بالكسر، لتنكسر داخل أجسامهم! في حادثة مفردة حصل ذلك لأحد المهندسين فتم علاجه خارج المستشفى بتكلفة 15 ألف جنيه، ولكن هذا يتكرر مع "الغلابة" ولا سند لهم، تماما كما تم التعامل مع تلك المريضة التي كانت تعاني من عدوى فطرية استدعت من الطبيب وصف علاج لها وهو "دفلوكان" وبدلا من أن يأمر نائب المدير بشراء هذا الدواء لعدم توفره في المستشفى، طلب من الطبيب المعالج أن يكتب لها دواء آخر وهو "سيفوبيد" لأن الدوائين متشابهان في العبوة الخارجية!

ربما تعتقد أن هذا الإهمال المتعمد تجاه توفير الأدوية المطلوبة هو نصيب "الغلابة" فقط، لذا أود آسفا أن أصحح لك اعتقادك، فحتى الأطباء العاملين في المستشفى من غير القيادات، لا حظ لهم من الرعاية، فهذا صديقي النائب الجراح الذي أصيب بالالتهاب الكبدي الفيروسي سي، أثناء فترة عمله، لم يجد من يعترف أنها إصابة عمل تستدعي أن يتحمل عمله تكلفة علاجه، وبعد محاولات مضنية بدأ علاجه بالانترفيرون المستورد الذي كان مخصصا للمهندسين الكبار فقط، ثم أوقفوا علاجه بعد 3 شهور بناء على توصية طبية من مديرة الطب العلاجي! ليتم صرف الانترفيرون المصري بدلا منه، بالرغم من سجل النتائج السيئة للانترفيرون المصري، فرفض صديقي العلاج وانقطع لمدة عام بعدها حاول مرة أخرى مناقشة الأمر مع مدير المستشفى ورئيس مجلس الإدارة، حيث قامت ممثلة كومبارس تشغل منصب مديرة الموارد البشرية -لا أعلم ما مؤهلاتها- بالرد على صديقي في حضور القيادات الطبية والتشكيك في أنه مصاب بالفيروس وفي المصدر الذي أصيب بالفيروس منه! ولم يستطع صرف الدواء إلا بعد مرور عامين كاملين آخرين، وإصرار الاستشاري المعالج على صرف الانترفيرون المستورد له وتهديد الاستشاري بعدم الحضور للمستشفى في حالة عدم تطبيق توصياته.

الحمد لله أن هذا التأخير لم يؤثر في حالة صديقي وأن العلاج حقق شفاء كاملا، ولك أن تتخيل حاله إن لم يستطع الحصول على العلاج؟ كيف يمكن له أن يغطي تكاليف العلاج الباهظة من جيبه الخاص بمرتب 300 جنيه؟ كيف يمكن له السفر للعمل في الخارج لتحسين دخله كي يستطيع دفع تكاليف العلاج وهو يحمل هذا الفيروس الذي يمنعه من السفر؟ إن كان هذا حال الطبيب الذي أصيب من ممارسته الطبية، فكيف يكون حال العمال "الغلابة" الذين لا يعرفون الفرق بين الدفلوكان والسيفوبيد!

يا سيدي المريض المحتمل -أدام الله عليك نعمتي الصحة والعافية- إضرابنا هذا آخر العلاج، فإن لم تدعمنا نوشك أن نتحول من أطباء يحملون أخلاق المهنة التي تمنعهم من صرف السيفوبيد بديلا للدفلوكان "ولا من شاف ولا من دري"، إلى أطباء مهاجرين في بلاد الله التي تقدر علمنا وعملنا، أو أن نتحول إلى صبيان في بقالة، يأتمرون بأمر أصحابها، وحينها لن تحصل على ما تحتاجه، بل ستحصل على ما يتوافر على الرف من بضاعة، هذا إن كانت البقالة مفتوحة!

ليست هناك تعليقات: