من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الخميس، 3 نوفمبر 2011

المدفونة


أردت أن أكتب عنها يوم توفاها الله، ولكنه أراد ألا يطوِع القلم إلا هذه الأيام المباركة، ذكرتني بها عمتي، قالت أنني يجب أن أذهب في العيد لأبنائها، فهو أول عيد يمر عليهم بعد وفاتها، طقس من طقوس القرية أو الفراعنة، تسميه (توحيشا)، ولم أرهق نفسي لأعلم معناه ولا كيف يكون القيام به.

المدفونة.....هي لقب (العرابة) أشهر القرى التي تجاور قريتنا، لن استغرب إن لم تسمع بها، ولك أن تتخيل إن كان هذا حال القرية الأشهر ، فكيف يكون حال قريتنا من التهميش والنسيان، كسائر قرى سوهاج، المحافظة الأفقر والأكثر طردا لأبنائها، وقد لقبت (العرابة المدفونة) بذلك لكثرة الآثار بها، التي صارت شؤما على أبنائها حينما منعوا من الحفر والتوسع في بيوتهم حتى لا يعتدوا على الآثار المزعومة، بينما سيارات الشرطة التي ترافق علية القوم تأتي للاستيلاء على آثار مستخرجة فعلا.

والمدفونة.....هي قريبتي التي توفيت بسرطان الدم، بعد معاناة مع المرض استمرت 4 سنوات أو أكثر، ومعاناة مع ضعف المرض وغربة أولادها تفوق آلام المرض، ومعاناة مع توفر العلاج تقتل جل الشعب يوميا، هذي المرأة ظلت تعاني قبل تشخيصها لعدم وجود مستشفيات مجهزة، تستقطب أطباء أكفاء، يقدرون على تقديم خدمة صحية هي أبسط حقوق الانسان، فهل 30 عاما لم تكف لبناء هذه المستشفيات؟ كيف نصبح في القرن الحادي والعشرين ولا زلنا نبرز أخبار إنجازات مبارك -قبل التنحي- في توصيل الماء والصرف الصحي يوميا! أتعلمون أن مصر هي واحدة من 4 دول فقط لم تكن قضت على شلل الأطفال!

والمدفونة.....هي أحلام أبناء قريبتي، الذين تغربوا لتأمين حياة سعيدة، فنسوا ما هي الحياة، فأصبح الفرد فيهم يسافر بعد حين لتدمع عينه وهو يرى ابنه وقد كبر، وبعد حين آخر يسافر إليه ابنه ليحمل معه المسئولية، فتدمع عينه وهو يرى أباه وقد شاب وضعف، وما يلبث أن يسافر عائدا وهو يحمله جثة هامدة تستقر في جبانة البلد، غريب أمر هذه الجذور التي تربطنا بالبلد، تظل ضعيفة في حياتنا فترى المغتربين من أبناء قريتي وهم ضعفاء كأنهم أموات يمشون على الأرض، فإذا ما ماتوا قويت الجذور فردتهم إلى الأرض في نفس اليوم!

والمدفونة.....هي الفترة التي عشناها أيام المخلوع، حينما عاش الأموات على الأرض، لا أحلام ولا حقوق، لا حاضر ولا مستقبل، بل ماض يذكرونه كما تذكر محاسن الميت تماما، ورغم ذلك ما نقموا على الرئيس أثناء حكمه، ويوم خلعه أقسموا أننا سنضيع من بعده، لا أعلم تحديدا ما تعريفهم للضياع إن لم يكن ما يعانونه هو الضياع، جادلت ابن قريبتي أن أمه ماتت بيد مبارك لأنه ما وفر لها العلاج، وجادلني أنه يحبه مهما كان، أدركت أن حجم جريمة مبارك لا يمكن توصيفه في أي اتهام.

هناك 4 تعليقات:

norahaty يقول...

المدفونة!كلمة
واحدة ولها أكثر
من معنى عندك
مقال مؤلم
ولكنه
حقيقى فى
كل حرف فيه

مع اصرارى يقول...

المدفونه هى الآهة التى آلمنى سماعها تصرخ فى كلماتك التى تعبر عن واقع بسيط لأمة حلمها بسيط لازالت تحلم بأن تحققه رغم شدة الإحباط.

وإن كنت قد ألهبت المواجع وأججت المشاعر وفيضت كيل الأحزان

إلا أننى أظننى سعيد بمرورى من هنا

تقبل أسمى تحياتى

Hossam Elamir يقول...

أشكرك على كلماتك الصادقة

kareem nour يقول...

رائعة كالمعتاد يا صديقي