من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الجمعة، 25 فبراير، 2011

عض رغيفي... ولا تعض كرامتي

لا أحد ينكر أن عوامل مجتمعة أدت إلى احتقان المجتمع بالدرجة المفضية إلى انفجار الثورة، لكن يبقى امتهان الإنسان وانتهاك كرامته في صدر هذه الأسباب.


على مدى عقود عدة، كان النظام يستبيح اغتصاب جميع الحقوق الإنسانية، فمن فقر مدقع إلى تعليم سيء مرورا بالرعاية الصحية الممرضة والخدمات الأولية المتهالكة، أرغب من وجهة نظر حيادية -أو خوفا من نعتي بالتآمر- أن أسرد بعضا من إنجازات العصر المبارك، أو أن آتي بآية واحدة من حسنات ذلك العهد، لكني أفشل فشلا مهينا لم أعتد عليه أبدا، تصديق ذلك ربما سمعه كثير منكم في الحوار الحقيقي او الافتراضي بين أجنبي وعربي، حينما سأله عن أحلامه التي يريد تحقيقها فرد العربي بذكر أشياء قاطعه الأجنبي فيها منبها أنه سأله عن أحلامه لا عن حقوقه، أي أن أحلامنا في مصر وفي الوطن العربي عموما تضاءلت حتى أصبحت تمني الحصول على الحقوق الأولية.


كان المصري ولا يزال متحملا للصعاب، قادرا على التعايش مع ضيق ذات اليد، وقلة الحيلة وانقطاع أسباب الحياة، ولم يعرف عنه سرفا ولا ميلا لترف، ولربما أتيح لمن عايش المصريين في الغربة أن يرى حرصهم وعدم تبذيرهم، وهؤلاء من الطبقة المتوسطة التي اتيحت لها موارد مادية تسمح بسعة العيش، فما بالك بمن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من المصريين الكادحين في الداخل، ولهذا أكاد أجزم أن لولا عوامل أخرى أضيفت للفقر والحاجة، ماكان لهذه الثورة أن تقوم.


لا أجادلك إن قلت ان الأسباب الأخرى لاندلاع الثورة هي استشراء الفساد والمحسوبية، وانسداد منافذ التعبير أو التغيير بالطرق المؤسسية، وتزوير إرادة الشعب، والرغبة في تحويلهم إلى ممتلكات تورث، واقتصار الأمن على دائرة النظام وسحق معارضيه وانتفاء تواجده العام، بيد أني أزعم أن امتهان الناس وكرامتهم -بصورة مباشرة أو انعكاسا للأسباب الأخرى سالفة الذكر- هو ما جعل الناس تطالب بحياتها، فلا حياة لمن لا كرامة له.


قد لا استطيع أن أسوق الدليل على رأيي بأن استباحة كرامة الناس هي العامل الرئيسي في اندلاع الثورة إن لم تكن شرارتها الأولى، لكنك لن تختلف معي في أن استرداد الكرامة هو أول مكتسبات هذه الثورة، وهي السبب في التغيير الذي شهدناه بين ليلة وضحاها، فالكل يعلم أن تغيير الطباع والسلوك يحتاج إلى جهد ووقت وإصرار، يصعب توافرهم ويستحيل اجتماعهم في أغلب الأوقات، خصوصا حينما تتكلم عن سلوك شعب كامل، ولكن ما حدث في ربوع مصر كلها وفي ميدان التحرير خصوصا منذ اندلاع الثورة كان معجزة حطمت كل النظريات، فهذا الشعب الذي عرف عنه في الأجيال الأخيره أنه فوضوي وانتهازي ولا مبال واذكر ما شئت من النقائص وكن متأكدا من أن الحظ حليفك في معظم ما ستذكر، قد تحول هذا الشعب إلى مثال تستلهم منه أعظم المدنيات أخلاقها، والعجيب أن التحول انسحب على الأخلاق الفردية والمجتمعية على حد سواء، بما يدل على أن ما اعترى الشخصية المصرية -فردية كانت أم مجتمعية- لهو حادث عارض ليس من صميم تكوينها وإن ظلت بعض ملامحه ظاهرة لطول فترة الإصابة.


حين تنزع من الإنسان كرامته، فإنك تنزع منه انسانيته، وقدرته على التفريق بين الخطأ والصواب، ورفضه لارتكاب المستقبح قبل المستحسن، فتلقاه يسرق ويكذب ويتطاول ويسب ويتحرش ويتسول ويفتك بالضعيف ويأتي كل مذمة تخطر على باله، وهو ما أنف شعب التحرير فعله حين استرد كرامته.

ليست هناك تعليقات: