من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com

الاثنين، 13 فبراير 2012

بدون إضافات


أنا لست رأسماليا، لا بالفكر ولا بالفعل، فالحمد لله ميزانية الشهر لا تتحمل طلب وجبة ماكدونالدز حجم كبير زائدة عن المخطط، ولكنني أهوى التأمل، في صورة الساندوتش، وفي حال الدنيا، وقد رأيت أن إدارة القطاع الخاص أنجح من إدارة القطاع العام، ولذلك فأنا من داعمي الخصخصة، على ألا تكون بطعم الخصخصة المصرية.

(فالخصخصة) عندنا تبدأ بفكرة، ثم تصبح (تخصيصا) على غرار قرعة الجزار على أكوام اللحم في سوق الجمعة، ثم تنتهي (تخسيسا) للعمالة والمكاسب، أو (تحسيسا) بين (الكبار)، وتظل السرية في كل المراحل، فنحن لا نحضر اختيار القرعة، ولا يسمح لنا بمشاهدة لقطات التحسيس.

ولتعرف الفرق بين القطاع الخاص والعام انظر لمحل السرية، ففي القطاع العام السرية في (الإجراءات)، وفي القطاع الخاص السرية في (المكونات)، وأنا اقترح أن نبدأ تجربة التحول في القطاع (الخدمي)، بدلا من البدء في القطاع (الغنمي)، ولو فشلت التجربة (فمحدش يلومني ولا يعتب عليا)، فأنا مواطن مصري استحق المساهمة باقتراح فاشل من جملة اقتراحاتنا الفاشلة، ونحن في بلد تجريب مقترح فيها أسهل من تجريب طبق.

ولأن عشقي لماكدونالدز يتجاوز مكوناته السرية، فأنا اقترح أن يسند إليه قطاع الإسعاف والمطافي، فقد فقدنا في يومين عملاقين هما إبراهيم الفقي وجلال عامر، والقاسم المشترك في الفاجعتين هو تأخر وصول الخدمة، ففقدنا الأول محروقا من (الخارج)، وفقدنا الآخر محروقا من (الداخل)، ولو أنهما اتصلا بماكدونالدز أسرع ديليفري في مصر لكان الاتصال أفيد.

ولأننا سئمنا شعارات الداخلية التي احتارت في وضع شعار لمكونات الوطن (الشعب والشرطة والقانون) فلنتخذ شعار ماكدونالدز لمكونات الساندوتش، (أنا أحبه)، على أن يظل تطبيقه على الجميع متساويا، شاهدا أو متهما أو مذنبا، ساعتها سينقل الكل بالإسعاف الطائر مثل المخلوع، أو بالديليفري الطائر مثل ماكدونالدز، ويكون الحساب بعد استلام الخدمة، بدون إضافات.

الأحد، 12 فبراير 2012

نحن لا نزرع التوليب


مصر هبة النيل، ومع ذلك لا نحترمه، فقد حولناه إلى أكبر ماسورة صرف صحي وصناعي في التاريخ المكتوب، ولا يسعني أن أقول تاريخ البشرية، فنحن الأقدم لكننا على هامش البشرية، وقديما رسم الفراعنة آلهتهم على شكل حيوانات، والآن صار من يحكمنا حيوانات، ولا أدري لماذا تهاجمنا بريجيت باردو بسبب انتهاك حقوق الحيوان! فعلى حد علمي وزارة الداخلية لا دخل لها بالحيوان، وعلى حد علمي أيضا ما زال القرد رئيسا للجمهورية.

ولأننا بلد ميزانها (مقلوب) يموت عمنا جلال عامر بعد عملية (قلب مفتوح)، رغم أنه عاش طول عمره (قلبه مفتوح)، ويظل القرد يتنطط في السجن (فرع المركز العالمي)، والتشخيص أنه (لغط) في (القلب)، أما الحقيقة فهو (غلط) في (قلب) الحكم وهو العدل، و(غلط) في (قلب) النظام بالثورة، ولا اعتراض على قضاء الله، ولكني اعترض على فرق الخدمة بين مستشفيات الشعب والمركز العالمي، رغم أن الخدمتين على نفقة الدولة؛ 
 ولا ألوم أطباء المركز، فالعبد لله كان على بعد خطوة من التجنيد رغم أنني أعاني من ثقب في (القلب)، ولم استبعد إلا لالتواء الساقين! وكأنني داخل كشف طبي للالتحاق بنادي برشلونة! وفي النادي يستبدل اللاعب التعبان بالفلوس، وفي المستشفى تستبدل الشرايين التعبانه بالفلوس، وفي الثورة لا استبدلنا الحاكم ولا استرددنا الفلوس.

ولأن "زهرة «التوليب» العاطرة لا ترتوى إلا بدم الشهداء لكن أشواك «الصبار» الجافة لا تشرب إلا دم الحكام" كما قال عمنا جلال عامر، كان حرص النظام على تلويث النيل، حتى تظل مساحة مصر صحراء قاحلة، يرتع فيها الحكام، وتظل مساحة ال5% للتظاهر والاستشهاد وتروية التوليب، وبعد الثورة استبشرنا خيرا بمبادرة تحسين العلاقة مع دول المنبع، كما استبشرنا خيرا بمبادرة استرداد الأموال، والإثنان شعبيتان، والإثنان الآن محلك سر، ليس (لتقصير) الشعب ولكن (لتطاول) الفساد، فالنظام لا يريد للأموال أن تعود، ولا يريد للنيل أن يجري، والحكام عندنا يشربون (المياه المعدنية المعبأة)، والشعب يشرب (المياه المعبأة بالفضلات المعدنية) والعضوية، وزيادة الخير خيرين.

وهوس المخلوع بالحضارة الفرعونية لم يتعد تقمصه للحيوانات التي كانت آلهة، فبدأ نسرا شق السما، ثم حمارا يأكل كويس وصحته كويسه، ثم قردا يتنطط، ولا يزال هناك من يتهمنا بإساءة معاملة الحيوانات؛ ولا يزال الموت ينتقي، رحمة الله عليك يا عمنا، أحببته حيا، والآن أنا متيم به، يموت هو فيكشف عني الغطاء، الآن أرى في كتاباته مالم أكن أرى، ما الموت أخشى، ولكنني أخشى أن أظل لأعيش بين من لفظهم حتى الموت، من القردة والحمير.

الاثنين، 6 فبراير 2012

مسئولون بفقر الدم



قديما قالوا: (اللي عنده دم أحسن من اللي عنده عزبه)، ففي الوقت الذي يصف رئيس الفيفا أحداث بورسعيد الخاصة بمباراة الأهلي والمصري باليوم الأسود لكرة القدم، ويضيف أن الأحداث كانت كارثية تفوق الخيال ويجب ألا تحدث أبدا، نجد سيادة المشير يصفها أنها حوادث يمكن أن تحصل في أي مكان بالعالم! فهل سيادة المشير أعلم بالشئون الكروية من رئيس الفيفا؟ وكيف يكون رئيس الفيفا أقدر على تقدير المخاطر واحتياجات التأمين من أصحاب الرتب العسكرية!

لم يكن هذا التصريح هو الشذوذ الوحيد عن المنطق والعرف والإنسانية، فمنذ الأمس تدور معارك طاحنة في شوارع وسط البلد، وقنواتنا تنقل هدوء ميدان التحرير، وحين تنشغل الوكالات العالمية ب(قنابل) الغاز المقذوفة، يناقش برلماننا (أنابيب) الغاز المخطوفة، فهل كان إعلان وفاة مفجر (خطوط) الغاز كذبة؟ ولو كان صحيحا فمن فجره للمرة الحادية عشرة؟ أم أن الخط انفجر حدادا على مفجره؟ مثلما يقف برشلونة وبايرن ميونخ وليفربول حدادا على أرواح ضحايا مذبحة بورسعيد، بينما محمد زيدان احتفل بأهدافه!


في بلدنا الحاكم أهم من المحكوم، فالمشير يذهب لاستقبال لاعبي الأهلي، ولا يستقبل جماهير الأهلي، فالجماهير يمكن تعويضها، مثلما يمكن تعويض الشعب، ولهذا لا نجد مستشفيات نعالج فيها مصابي الثورة، بينما (نطور) مستشفى السجن بمليون جنيه لاستقبال رئيس مخلوع! حتى المرض له عاده وممتاز، والحاكم يلعب في دوري الأضواء، أما الشعب فيلعب في دوري الحرافيش.

واستمرارا لفقر الدم، لا يستقيل اتحاد الكرة لدم الضحايا، إنما يستقيل خشية تجميد نشاط الكرة، فالفيفا أقوى منظمة، وأقوى دولة، وقديما طردتنا من كأس العالم بطوبة زيمبابوي، فهل نقدم لها شكوى لطرد المجلس العسكري بسبب سبعين ضحية؟ ولأن الفيفا تشجع على (اللعب النظيف) فهي تحمي اللاعبين والجمهور والحكم، أما المجلس فيشجع على (الرد العنيف) فلا يحمي إلا صناعة مكافحة الشغب، والداخلية تبني جدرانا عازلة (لوقف الاشتباك)، ثم تنطلق خارجها (لاستمرار الاحتكاك)، وجغرافيا الجدار العازل في فلسطين، والداخلية ليست في باب اللوق.

وما زلنا نعاني من عسكرة الدولة، فلم يكفهم أن يحكموا، بل حولوا التحرير لثكنة عسكرية، وحولوا المصانع لانتاج المكرونة والحلة والبوتاجاز، ولم يتحولوا إلى مدنيين، فكانوا كالغراب الذي قلد مشية الحمامة، ولا يستقيم رمز السلام مع قمع السلاح، لذلك فقسهم الألتراس فغنى لهم (يا غراب ومعشش جوه بيتنا، بتدمر ليه متعة حياتنا)، والشيء الوحيد الذي قد يفيدنا نحن المدنيين من العسكريين، أن نسرق تكنولوجيا الإشعال الذاتي من بوتاجازات المصانع الحربية لنضعها في خطوط الغاز طالما أصروا على توصيله لمن يتهموننا بالعمالة لهم، فعلا (اللي عنده دم أحسن من اللي عنده رتبة).

الجمعة، 3 فبراير 2012

استدعاء


برجاء الضغط على الرابط التالي لقراءة تدوينة (لم يصبه الدور) أولا، فهما مرتبطتان. 


ضجيج عال، لا يستطيع تبين مصدره ولا معناه، وحرقة شديدة في العينين والأنف والصدر، بالكاد يستطيع البدء في الشهيق، ثم يتوقف من فرط الألم والرغبة في السعال.

يحاول أن يتغلب على ألمه بالانشغال عنه، يبدأ في تذكر الأحداث التي مرت من ليل أمس إلى الآن، يتحدث بعض الناس أمامه عن أعمال شغب في مباراة الأهلي والمصري، لم يكن يعلم أن الأهلي يلعب مباراة في بورسعيد الآن فقد هجر الكرة إلى الأبد، ما شده في الحوار أن الأحداث تفوق وصف شغب الملاعب المعتاد، فالناس تتحدث عن قتلى بالعشرات، وغياب للأمن تماما!

يأتيه طبيب المستشفى الميداني، يعاين الإصابة التي لحقت به جراء اصطدام قنبلة غاز بجانبه الأيمن قبل أن تسقط بجواره ويضطر لالتقاطها وارجاعها لمن قذفوها، هذه الثواني المعدودة كانت كافية لغزو الغاز المتدفق لعينيه وجهازه التنفسي، ليسقط غائبا عن الوعي جزئيا ويحمله شخصان إلى المستشفى الميداني، الآن يطمئنه الطبيب أنها كدمة سطحية، وأن أنفاسه ستتحسن بعد أخذه جلسة على الجهاز المزود بمحلول موسع للشعب، وأعطاه حقنة كورتيزون، ثم تركه يكمل الجلسة، أما هو فبدأ يستكمل استرجاع أحداث ما بعد المباراة.

تأكد مما سمعه من أخبار وتحليلات أن ما حدث مكيدة دبرها الأمن، لا يهمه معرفة الدافع ولا المكسب الذي يريدانه العسكر والداخلية، ما يهمه أن جثامين أكثر من سبعين ضحية ستصل إلى محطة مصر، وحيثما وجدت أسر الضحايا وجب عليه الوجود، طلبا للبركة أو الغفران لعجزه عن نصرتهم، لم يشغل باله لفهم أسباب أفعاله، فقد أصبح منساقا منذ أن أشار له صاحب الوجه المريح باتباعه، وها هو وسط الجموع يستقبل الضحايا، ويودع من سيلحقون بهم قريبا، فقد رأى صاحب الوجه المريح على وجوه عدد من أصدقاء الضحايا، هل حان دوره؟ يذهب ليرى انعكاس صورته على زجاج أحد الأبواب، فيصيبه الإحباط عندما يرى وجهه بدلا عن الوجه المريح، يوقن أن دوره لم يأت بعد، وأن قدره أن يرى دماء غيره تسيل غدا في مسيرات المتظاهرين.

(عامل أيه دلوقتي؟ كويس؟) يفتح عينيه المحترقتين من أثر الغاز على صوت الطبيب الذي يطمئن عليه، يهز رأسه بالإيجاب، يستمع الطبيب لصوت أنفاسه التي تدخل وتخرج من صدره بصفير مزعج ثم يقول:(لسه شويه، صدرك تعبان، إنت تخلص الجلسه وبعدها تروح على طول، مش عايزين نخسرك النهاردة) يبتسم قليلا وهو يغمض عينيه، فهو يعلم أنه لن ينفذ نصيحة الطبيب، مثلما يعلم أنه لن يصاب بأذى، فدوره لم يحن.

(ولاد الكلب بيضربوا خرطوش جامد، وفي واحد عينه اتصفت) صرخ بها أحدهم خارج المستشفى الميداني، صوته كان واضحا من بين كل الضجيج الذي يلف حوله وكأنما هذا الكلام موجه له، نزع كمامة الجلسة التي يتعاطاها وخرج متجها إلى منطقة المواجهة، ما زال أثر الغاز يهيج عينيه فلا يستطيع فتحهما تماما، يمشي متحاملا على ألمه متفاديا بقايا الحجارة وتجمعات الماء على الأرض، هذا المنظر لم يعتده في مصر إلا بعد تولي العسكر للحكم، فحول مصر إلى ساحات قتال، يقترب من خط المواجهة فيزيد تدفق الهرمونات في دمه، ويقل إحساسه بالألم، للحظة أحس أنه استعاد عافيته، ويمد خطوته ليمر فوق تجمع الماء مسرعا نحو إنقاذ زملائه، بعد عدة خطوات يتوقف فجأة، ويعود مسرعا إلى تجمع الماء، ينظر إلى صورته المنعكسة على سطح الماء، لا يدري لماذا خيل إليه أنه رأى صاحب الوجه المريح، يرفع عينيه إلى مصدر الصوت الذي أتاه محذرا، كان الوجه الذي تمنى دوما أن يراه على انعكاس صورته، نفس الوجه الذي ألفه في كل المظاهرات والاعتصامات التي انتهت بضحايا، نفس الوجه الذي لم يكلمه طوال عام منذ أن طمأنه أنه لن يصيبه سوء، الآن فقط يراه صارخا(حاسب...هيضربوا تاني)، حرقة شديدة يحسها في منتصف صدره من الخلف، يسقط على ركبتيه، ثم يسقط على وجهه وهو متألم.

كم من الوقت مضى بعد سقوطه، لا يعلم، فجأة أصبح يرى من حوله بوضوح، ويسمع أصواتهم جميعا بوضوح، إنهم يحاولون إسعافه، فجأة أصبح يتذكر حياته التي عجز عن تذكرها منذ جمعة الغضب، يتذكرها كما يراها النائم في الحلم، يراها واضحة بكل تفاصيلها، كأنما يعيشها مرة أخرى، أول يوم في المدرسة، أول علقة من والده بعد أن لعب الكرة في الشارع حافيا، فرحة أمه به يوم نجح بمجموع كبير في الإعدادية وكاد الأعادي، صدمتها يوم أن علمت أنه ضبط في المدرسة يدخن السجائر، اسوداد الدنيا في عينيه يوم وفاة والده، أوامر أمه أن يحلق لحيته ويبتعد عن (الجماعة بتوع المسجد)، عزاء جاره الذي ذهب للعمرة ولم يكن يعرف السباحة، احتفالات إحراز كأس الأمم في عباس العقاد، رجاء أمه أن يقر عينها بحفيد قبل أن تموت، خناقات أختيه مع زوجيهما وأولادهما، إحساسه أنه كمالة عدد في بلد العدد فيها موضع انتقاد، صلاته يوم جمعة الغضب، معاناته طول عام أنه لم ينل شرف الإصابة أو الاستشهاد، خيبة أمله في من يتكلمون باسم الشعب من التيارات والأحزاب، إيمانه أن حرية هذا الوطن تكتب بدماء الشهداء، الآن يرى وجوه كل من ماتوا أمامه، مازال من يحاولون إسعافه يبذلون كل الجهد، الآن أصبح يسمع نقاشات لجان البرلمان، ويسمع خفقان قلب أمه قلقا على نزوله، ويسمع صوت حذاء عسكري يصطدم بالأرض مؤديا التحية متبوعا بجملة (تمام يا فندم...كله تمام).

(خلاص مفيش فايدة ما تحاولوش...دوري جه خلاص) قالها أكثر من مرة لمن يسعفونه ولكن صوته لم يخرج، ما عاد يحس بألم، أيقن أن دوره قد حان ليصبح رقما في قائمة الشهداء التي لا نهاية لها، وأن وجهه سيصبح مألوفا لمن حذره قبل إصابته القاتلة، سيظل يتمثل في أوجه الشهداء الذين سيراهم من حذره حتى يحين دروه، تماما كما كان صاحب الوجه المريح يتمثل أمامه في أوجه من شهد قتلهم، ابتسم مسلما روحه، أخيرا تم استدعاؤه.

الجمعة، 27 يناير 2012

لم يصبه الدور


لم يعد مثلما كان، أصبح أرق قلبا وأقرب دمعا، أصبح أكثر اهتماما بحال غيره، أصبح أكثر إصرارا على الوصول لحلمه، لكنه دوما يحدث نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

هو صاحب ذاكرة يحسده الناس عليها، غير أنه لا يستطيع الآن استرجاع أية ذكريات حدثت في حياته قبل قيام الثورة، بالتأكيد ليس فقدانا للذاكرة، فما زال يعرف الناس والأماكن التي عرفها دوما، وما زال يمارس عمله كما اعتاد في السابق، صحيح أنه أصبح يتلقى تأنيبا من صاحب العمل على عكس ما كان عليه الحال قبل الثورة، رغم أنه ما قصر يوما في عمله، عزاؤه الوحيد أن من يؤنبه يلعن الثورة ويسب الثوار ويترحم على أيام المخلوع، وهو ما أراح صاحبنا أنه محسوب على هؤلاء، ويالها من تهمة محمودة؛ ورغم قدرته المشهود لها على التذكر وسرد الأحداث، فما زال شريط حياته يتوقف عند الثامن والعشرين من يناير السابق كلما أراد أن يسرد قصة حياته.

تغيرت اهتماماته، هو الذي لم يفلت مباراة دون مشاهدتها أو الاستماع إليها فوجىء أن كأس الأمم الإفريقية قد بدأت، وأن مصر لم تتأهل لها، وهو الذي ما اهتم يوما بالعمل العام أصبح لا يخرج إلى الشارع إلا لحضور مسيرة أو القيام بالتظاهر أو زيارة مصاب من مصابي الثورة، ثم يعود إلى البيت محملا بمشاعر الغضب ممن اعتدى على المسيرة أو فض المظاهرة أو تسبب في إصابة هذا الشاب العائل لأمه وإخوته اليتامى، ومازال يهدده حتى ينسى إصابته بدلا من تعويضه على ما أصابه.

مازال أصدقاؤه القدامى يحادثونه عبر الهاتف من حين إلى حين، يطلبون منه الخروج معهم لمشاهدة فيلم، أو السفر لقضاء يوم في مارينا، وهو يرد بالرفض متعللا بانشغاله، ويعجب أنهم يؤكدون أنه كان دوما صاحب هذه الدعوات! ثم يعود ليقول ربما، فأنا لا أذكر شيئا من حياتي السابقة.

لا يذكر شيئا يسبق جمعة الغضب إلا لمحات عن أخبار ومشاهد لثورة تونس، وأخرى أكثر كثافة ووضوحا ليوم الخامس والعشرين من يناير وما تبعه في اليومين التاليين حتى جمعة الغضب، وقتها كان مشاهدا عاديا، ربما مشاركته تنحصر في دعوة لمن يطالبه بالنزول بقوله: (ربنا معاكم)، يتذكر جيدا هذا الوجه المريح الذي صلى بجواره الجمعة، ثم خرج وبدأ الهتاف، وأشار له قائلا: (تعالى معانا، مش هيجرالك حاجة صدقني)، لا يعلم لماذا صدقه، ولا يعلم كيف أثر فيه فسار وراءه في المسيرة إلى ميدان التحرير، ولا يعلم كيف نجا من القتل حين سقط من حوله برصاص الشرطة التي أرادت وقف المسيرة وإسكات الهتاف الذي ينطلق من صاحب الوجه المريح، ولا يعلم لم انتابه الفزع ساعتها وهرب إلى ما يحتمي به، الذي يعلمه جيدا أن صاحب الوجه المريح صدق حين قال له:(مش هيجرالك حاجة)، وقد كان، ومن وقتها ما زال يسأل نفسه: لماذا أنا دونا عن الباقين؟

يتذكر جيدا كل تفاصيل الأحداث التي عاشها منذ جمعة الغضب، يتذكرها بسرعة تفوق سرعة لسانه في التعبير عنها، يتذكرها بدقة تفوق قدرة الكلمات على وصفها، يتذكر أنه أصبح يرى صاحب الوجه المريح أمامه في أحداث موقعة الجمل، وماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، يراه رافعا لافتة، أو زاعقا بهتاف، أو حاملا لقنبلة غاز يبعدها عن المتظاهرين، أو حاملا لمصاب يقربه من المسعفين، ثم لا يلبث أن يسقط أمامه شهيدا، بنفس البسمة التي ابتسمها في جمعة الغضب.

أصبح يحن للذهاب إلى الأماكن التي يتذكر تفاصيلها المبكية، ما زال يرى الدماء مكانها رغم مرور الشهور على إزالتها، ما زال يشم رائحة الغاز الذي ملأ الهواء، ما زال يتعجب كيف لم يصب بمكروه طوال هذه الأحداث رغم تركه الحرص ومخاصمته الخوف، حتى رئتيه اللتين ظن أن الغاز أتلفهما أصبح يشك في ذلك، فقد كان مصابا بالربو طول عمره، ولم يطرأ عليه جديد.

لقد أيقن أن عظمة هذا الوطن أشرف من أن يحققها من يحتمي بالبدلة العسكرية، طامعا في السلطة أو الامتيازات المادية، متجبرا على العزل، منتهكا حرمة النساء، قد أيقن أن حرية هذا الوطن تكتب بدماء الأحرار لا بأوامر أصحاب الرتب المتصابين، يتمنى أن يرى ما طالب به الشهداء يتحقق، ويلوم نفسه أنه ما يزال حتى الآن دونا عن الباقين حيا لم يستشهد، معافا لم يصب، هل هو أقل من أن ينال شرف الشهادة أو الإصابة؟ أم أنه للآن لم يصبه الدور؟ يحاول أن يهرب من التوصل للحقيقة متمنيا ألا يرى صاحب الوجه المريح مرة أخرى إلا في صورته المنعكسة في المرآة، ساعتها سيوقن أن دوره قد حان.



اقرأ الجزء الثاني من القصة (استدعاء).

السبت، 21 يناير 2012

ينصر دينك يا استاذ نفيسه


يقول الشاعر: يقضى على المرء في أيام محنته....حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن، وهو ما ينطبق على جزء كبير مما اضطر لقراءته هذه الأيام، من مقالات و أخبار تسوق آراء واتهامات على عكس معتقداتي، غير أنني أقرأها من باب فهم الآخر، أو إدراكا لفضل الله على الإنسان، أو على سبيل التفكه والتندر، أو تحقيقا لهؤلاء جميعا كما حدث مع مقال أ. علي سالم.

حدث أن أشار الكاتب والصحفي أ. محمد فتحي إلى مقال أ. علي سالم (هذا هو الرئيس الجديد) طالبا رأي متابعيه على تويتر فيه، ربما استكمالا لحملة فتحي التي يشنها على الفريق أحمد شفيق، فرددت بانطباعين أو ثلاثة عما استخلصته من المقال، غير أنه قد عن لي أن اقرأه مرات أخرى بعمق أكبر، وأن أكتب تحليلا عما حواه من تراكيب لغوية، أو أهداف معنوية، وقد يكون تحليلي أعمق من السطحية الظاهرة في المقال، أو أنني أحمله ما لا يحتمل، ولكنها تظل محاولة لتنشيط قدراتي التحليلية والنقدية اللاذعة.

يفتتح أ. علي سالم مقاله بدعوته أتباعه ومعارضيه على السواء، مثقفين وبسطاء، أن يساندوا شفيق ويدعموه ويطالبوا غيرهم بذلك، لأن أ. علي سالم يثق به ولذلك ثقوا أنتم به! أفهم أن تبدأ مقالك بهذه الدعوة إن كنت تخاطب أتباعك أو البسطاء، أما أن تتوجه بخطابك لمعارضيك والمثقفين أيضا فالأولى أن تسوق مبررات دعوتك، أدلة كون شفيق مؤهلا للرئاسة، ثم تنهي مقالك بهذه الدعوة الفجة، حينها قد نزدردها على مضض.

ثم يثني أ. على سالم بقوله (لم أعرفه عن قرب، ولم يحدث أن كانت لى به صلة)، هو أراد أن ينفي عنه شبهة المحاباة عن طريق سابق المعرفة، فألزم نفسه خطيئة قول الزور بسبب اثبات الجهل بمن يشهد له، ثم أراد ذكر الوسيلة التي مكنته من الوصول إلى القناعة التي لا تقبل التردد أو الالتباس، وتجعله يطالب غيره بالثقة في شفيق، فقال (غير أنى تفرغت لأكثر من ساعتين لدراسته وهو يتكلم فى البرنامج الذى يقدمه عمرو أديب،) وهو أكثر أجزاء المقال طرافة، فإن اللقاء المذكور قد استغرق أكثر من ساعة وعشرة دقائق، فهل يكفيه خمسون دقيقة لدراسة اللقاء؟! إن كتابة مقالي هذا في الرد على ما جاء بمقال سالم من مغالطات واضحة ليستغرق أكثر من ذلك، ثم إن المحاور عمرو أديب ليس من المحسوبين على الثورة ولا الإعلاميين المحايدين، فكيف يكون نتيجة لقاء موجه كهذا سببا لإقناعك بكفاءة شخص لم تكن تعلم عنه شيئا، بل إن من المفارقة العجيبة أن يكون عمرو أديب نفسه غير قادر على فهم الكثير من ردود شفيق في اللقاء، وهذا إما بسبب عدم وضوح الإجابة أو كون الإجابة لا ترد على السؤال المطروح، فكيف فهمت سيادة الفريق؟!

ويستكمل أ. علي سالم أن شفيق من النوع الذي (لا توجد مساحة بين ما يفكر فيه وما يعلنه) وهو شيء يفتقر للتحديد والمطابقة، فأما ما يخص التحديد فالمستحب ألا تكون هناك مساحة بين ما تعرفه من حقائق وما تعلنه، وليس بين ما تفكر فيه وما تعلنه ففي الحالة الأولى تسمى صدقا وشفافية، أما الثانية تسمى تسرعا وسذاجة، غير أن الحالتين لا تطابقان ردود شفيق، فقد كانت هناك دوما فترة من السكوت التي تعقب كل سؤال من عمرو أديب، وتسبق رد شفيق.

ثم يذكر أ. علي سالم وصفا جديدا وهو (عاطفة اعتبار الذات بداخله هى أقوى العواطف)، ولا أدري له معنى سوى الاعتداد بالنفس، وإن صح ذلك فأين كان اعتداده بنفسه حينما حدثت موقعة الجمل ولم يكن يعلم بها شيئا؟ ما موقفه منها؟ ثم يقول أن الدنيا (ليست محلا للسعادة بل للإنجاز)! منذ متى أصبح الإنجاز مقابلا للسعادة؟! وهل يفترض أننا حينما ننجز ألا نشعر بالسعادة؟! أم أن الكاتب يتكلم عن إنجازات الدول الشيوعية التي لا يرتبط إنجاز الدولة فيها مع سعادة الفرد؟! ثم يصف الكاتب شفيق بأنه (حالم ككل القادرين على التعامل مع الواقع وتحويله إلى إنجاز يكسب البشر المزيد من الرفاهية) والحق أن الكاتب بحاجة ماسة لمراجعة تعاريف المفردات التي يستخدمها، كيف يكون من يتعامل مع الواقع حالما؟ أم أنه يقصد مديرا صاحب رؤية وهو الشخص القادر على التعامل مع الواقع لتحويل الحلم إلى إنجاز؟! التمس له العذر في هذه النقطة لأنه لا خبرة له بعلم الإدارة والتخطيط.

في الفقرة التالية عجزت عن استخلاص الرابط بين الديكتاتورية وبين الفكرة والعمل واستبدال العمل بالكلمات وأخيرا ما يسمى في القاموس العام الأكاذيب! ثم تليها فقرة أخرى يذكر فيها أن اليأس قد أصابه من أن تكون مصر قد خلت من شخص (نيران الأمل بين جوانحه ما زالت مشتعلة)، ولم ينتبه الكاتب أن كلمة نيران لا تأتي في سياق الحديث عن الخير والبناء والحسن، وإنما في وصف الشر والهدم والانتقام، وكان الأولى به استخدام جذوة أو نور الأمل؛ كما قال الكاتب أن اليأس دفعه في الأيام الأخيرة إلى (التفكير بيأس) في مستقبل مصر القريب والبعيد، فهو كمن فسر الماء بالماء، جاهلا أن اليأس لا يدفع إلى التفكير في شيء يتعدى الأفكار السلبية التى مركزها الذات؛ وأخيرا يختم الفقرة بأنه عندما استمع لشفيق فإنه أصيب (بعدوى الأمل من جديد) مرة أخرى يستخدم لفظ العدوى وهو لفظ ذو مدلول سيء في مقام وصف شيء جيد.

ثم يختم الكاتب المقال بطلب موجه للمرشحين أن يتنازلوا لشفيق ثم ينضموا له في حملته الانتخابية، ولا أعلم ما جدوى حملة شفيق بعد تنازل باقي المرشحين، بل ويدعوهم للمجد (الذى يحصل عليه الإنسان عندما ينتصر على نفسه وعلى رغبته الحارقة غير المبررة وغير العادلة فى أن يكون رئيسا) وكأنما أراد أن يقول العين ما تعلاش على الحاجب، مستثنيا رغبة شفيق في أن يكون رئيسا من هذه الدناءة التي وصم بها غيره من المرشحين، ولاحظ أنه كرر الحلف بالله مرتين كأن هذا القسم يكسب كلامه الصدق والواقعية، مثلما كرر كلمة الدكتور أحمد شفيق بدلا من الفريق أحمد شفيق مرتين، كي يكسب مرشحه صفة المدنية، ويزيل عنه شبهة دعم الجيش له.

قد قاومت نفسي حتى أكمل قراءة المقال أكثر من مرة دون أن يتمثل أمامي الاستاذ خليفة المحامي في مسرحية (شاهد مشفش حاجة)، فالكاتب حاول اثبات جدارة شفيق على طريقة الاستاذ خليفة عندما حاول اثبات براءة موكله، فكان خلاصة المقال أنه يدعونا لانتخابه بعد أن استحلفنا بالله أن ننظر إلى هذا الملاك الطاهر! أن ننظر إلى هذا الحمل الوديع! أن ننظر إلى جبهته العريضة الناصعة البياض التي وإن دلت فإنما تدل على صفاء قلبه ونقاء سريرته! لم يقدم الكاتب دليلا على جدارة شفيق سوى هذه المرافعة الأدبية، لم يقل لنا ما علاقة شفيق بموقعة الجمل؟ وما دوره في هروب رؤوس الأموال وأصحاب رؤوس الأموال؟ وكيف سمح بإتلاف الأدلة وحمى أمن الدولة؟ لم يقل لنا ما حقيقة قصته مع الطيار علي مراد؟ ولا كيف يتم إغراء طياري مصر للطيران للعمل في الشركات الأخرى؟ لم يقل لنا من أين أتى بالأموال التي أنشأ بها المطار الجديد؟ وهل نحن فعلا نحتاج لهذا المطار؟ هل يعلم الكاتب أن مطار فرانكفورت الذي يعد ثالث أكبر المطارات الأوروبية نقلا للركاب وتاسعها عالميا لا يزيد سوى مدرج هبوط واحد عن مطار القاهرة رغم أنه ينقل أكثر من أربعة أضعاف مسافري مطار القاهرة؟ ولو سلمنا بالقول أن تطورا حققته مصر للطيران في عهد شفيق، رغم أنها تحتل المرتبة التاسعة في قائمة أسوأ شركات الطيران كشركة الطيران الوطنية الوحيدة وبجاورها شركات نقل جوي للبضائع، حتى وإن سلمنا بهذا التطور فإن النجاح لا يقاس بالتحسن الذي يطرأ، بل يقاس بالنسبة المحققة من سقف التطور الذي يمكن تحقيقه نظريا عند توفر نفس الظروف والموارد.

لقد ادعى الكاتب أن شفيق كان صدفة لم تنتمي للنظام السابق لأنه الجزيرة النظيفة في بحيرة الوحل، والحق أنه لو كان نظيفا لاختار الابتعاد، ولم يظل الخيار الأخير للمخلوع لإنقاذ النظام، ولا اعتقد أن رفض شفيق الابتعاد كان خوفا من أن يبيت في الشارع لأن كل الشقق كان تحتها رقاصات، فقد كان من النوع الحلوف، وينصر دينك يا استاذ نفيسه.


الجمعة، 13 يناير 2012

في توصيف القوم الآسفين



كنت قد كتبت مقالين في الرد على لميس جابر وأمثالها وهما (فهل أنتم منتهون؟!) و(أحفاد أعرض عن هذا!)، وقد تزامن ذلك مع إضافتي لأحد مجموعات (إحنا آسفين يا ريس) بواسطة أحد الأصدقاء، فوجدتها فرصة لكي أرى طريقة تفكيرهم واتجاه آرائهم عن قرب، خاصة وأنني خلصت في المقالين السالفين إلى أن أحد أكثر جرائم المخلوع سوءا وتدميرا هو تشويه الإدراك لدى الناس، ولا مجال هنا لإعادة ما كتبت، ولكنني أزعم أن تشخيصي لسبب الاعتلال لدى هؤلاء واستخدامي للفظ الإدراك المشوه هو اجتهاد شخصي لم اعتمد فيه على علم موثق مبني على الأدلة والبراهين، غير أن حرصي على اتباع العلم واحترامه جعلني ابحث عما يدعم تشخيصي، وهو ما أوصلني لفيديو للدكتورة منال عمر يصنف نمو التكوين المعرفي والأخلاقي لدى الناس، وآخر يحلل أسباب مهاجمة البعض للضحية عوضا عن الدفاع عنها ونقد الجاني، وأحمد الله أن ما خلصت إليه كان له أساس علمي موثق.

تقول الدكتورة منال عمر أن جماعة (إحنا آسفين يا ريس) تعاني من تدهور في التكوين المعرفي لدرجة السذاجة المعرفية، فهم يؤمنون أن من قام بفعل حسن فذلك يجعله رجلا جيدا إجمالا، كما أنهم يثقون في المؤسسة العسكرية رغم انتفاء مسببي الثقة وهما التكامل (واضحة المعالم) وامكانية توقع أفعالها، وأن تدهور التكوين المعرفي الذي يعانون منه أدى لتدهور النمو الأخلاقي لديهم، فهم يحتلون قاع سلم النمو الأخلاقي حيث الامتناع عن ارتكاب الخطأ بسبب الخوف من العقاب فقط (هنا يقع المخلوع وأصحابه) أو فعل الصواب بسبب الرغبة في الحصول على المكافأة (بقية الأشخاص الذين يربطون الحصول على بعض الحقوق الأساسية بالتنازل عن بعضها الآخر).




أرغب هنا في ذكر مجموعة من الخصائص التي توصِّف جماعة (إحنا آسفين يا ريس) بناء على ما ذكرته الدكتورة منال عمر:

  • ضعف الحجة والقدرة على الانتقاد الموضوعي:
هذه أول الخصائص التي تراها واضحة في ردودهم، فهم لا يبرحون منطقتي النيل من الكاتب (سب الكاتب أو قذفه بألفاظ مثل: أنت جاهل أو أحمق) والتعريض بالكاتب (مهاجمة الكاتب أو التشكيك في نيته أو أهليته بدون التطرق لما كتب)، وكل ردودهم اشتملت إما على التكفير أو التخوين أو القذف أو الاتهام بالجهل.




  • ضعف القدرة على التفكير المركب:
فهم يلجأون للتنميط والتعميم تفاديا للحاجة إلى تشريح الأفكار والمواقف، وهو ما يلزم لقبول رأي من تبغضه لشخصه إن كان أكثر منطقية وصحة، كما يلزم للتحالف مع من يخالفك إذا ما اتحدت الغايات، والانفصال عنه فيما عدا ذلك، فلا يوجد قرار صحيح مطلق ولا قرار خطأ مطلق، حيث أن ثنائية الأبعاد تناسب رسوم الكارتون، أما الحقيقة ففيها أكثر من الأبعاد الثلاثية، ولذلك تجدهم لا يفرقون بين جائزة من منظمة أمريكية غير حكومية وبين موقف الحكومة الأمريكية تجاه موضوع ما، ففي النهاية كله (أمريكا).

  • اللامنطقية وعدم ترابط الأفكار:
حيث أن غالبية ردودهم لا توجه نحو الفكرة الأساسية المطروحة، وتلك التي تبدأ بصلة ما تنتهي بعيدا عن الطرح الأساسي، كأن أضع فيديو للشيخ محمد عبد المقصود واصفا المخلوع بالمجرم فترى الرد (تفتكر إنت رأى الشيخ عبد المقصود ممكن يكون آيه فى البرادعى العلمانى اللى كان معترض على وجود المادة التانية من الدستور والخاصة بالشريعة الإسلامية واللى حافظ على وجودها مبارك طوال عهده)، كما أن كثيرا من ردودهم تتعارض مع الفكرة الأساسية التي يروجون لها، فقد انتقدت إحداهم قولي أن الشرطة والعسكر يتحملون إثم مساندة المخلوع وطغيانه مستدلا بقول الله (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وقالت ( حسبى الله ونعم الوكيل فيك انت مش من حقك تنصب نفسك فى مكان ربنا وتحكم على حد وتساوى فى التصنيف يا بنى ادم انت انتوا ايه كفره الله ينتقم منكم)! فقد رفضت استدلالي على تأثيم الجنود لعظم هذا الأمر بينما أباحت لنفسها اتهامي بالكفر!

  • فساد الاستدلال :
وذلك بسبب عدم انطباق الواقعة المستدل بها على الواقعة المستدل عليها، كمن يقول (اما مظهر شاهين غير مسئول عن الي حصل في جامع عمر مكرم يبقي الرئيس مبارك غير مسئول عن الي حصل في ميدان التحرير ولا ايه)، أو فساد الاستدلال لعدم صحة الدليل بسبب عدم معرفة درجات مصداقية الدليل أو التفريق بين الخبر والرأي، كمن ينقل لك خبرا من مدونة مجهولة في معرض رده على خبر موثق من مصدر حكومي كالموازنة العامة لمصر الصادرة عن وزارة المالية، أو فساد الاستدلال لعدم اختيار مصدر مقبول عند من تحاججه، فلا يصح الاستدلال برأي صادر ممن ضد الثورة في الرد على من هم مع الثورة.

ويلحق بفساد الاستدلال الانتقائية في اختيار الأدلة، فتجد من يستدل بوثائق ويكيليكس التي تدعم رأيه الخاص بعمالة بعض الأفراد والتنظيمات، بينما يرفض كل وثائق ويكيليكس الأخرى التي تبرأ البرادعي أو تتهم المخلوع بمساندة إسرائيل والتجارة في السلاح وعلمه بالتعذيب وذلك بدعوى أن ويكيليكس غير موثقة! كما يلحق بفساد الاستدلال الاكتفاء بإبداء القناعة الشخصية باعتبارها دليلا يرد على ما تم الاستدلال به، فقد وضعت تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي يوثق فساد آخر حكومة في عصر المخلوع بالأرقام، فكان رد أحدهم أن انجازات مبارك لا تعد ولا تحصى! أو أن ترى من يصر على تلقي 6 إبريل تمويلا خارجيا رغم صدور تقرير وزارة العدل المصرية بخصوص التحقق من تمويل المنظمات في مصر، والذي نشر في الأهرام الإنجليزية وتم تبرئة 6 إبريل فيه.
  • الاستسهال والبعد عن التدقيق:
فلم أجد أحدا منهم يقرأ مقالا أو تقريرا طويلا أو يشاهد تسجيلا طويلا تم وضعه قبل الرد عليه، فالردود تكون على العنوان الموضوع أو التعليق المصاحب، آية ذلك أنني أعمد دوما لأخذ جزء من المقال أو الخبر المرفوع وأضعه تعليقا عليه، ورغم أن الخبر صادر عن القوات المسلحة مثلا إلا أنهم يعتبرون الجزء الموضوع رأيي الشخصي، لأنه يعارض ما يؤمنون به، ولا يكلف أحدهم نفسه جهد قراءة الخبر للتأكد أن ما وضع تعليقا عليه إنما هو جزء مقتبس من متن الخبر.

وكذلك لم يقرأوا جميع التقارير والأبحاث التي تتحدث عن الضوابط الشرعية والإنسانية للدفاع عن النفس ودفع الصائل، أو تفريق المظاهرات.

يقول الإمام الشافعي في السفر خمس فوائد: تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحــــــــبة ماجد، وأنا أقول في مخالطة جماعة (إحنا آسفين يا ريس) فوائد جمة، قد تماثل فوائد السفر أو تفوقها، ففيها احتساب حسنات وتكفير ذنوب بالصبر على سبهم وقذفهم، وفيها إدراك لنعمة الله على الإنسان أن فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وفيها اكتساب سعة الصدر والترفع عن السفاسف، وفيها معرفة أن الاختلاف في التفاصيل مع من يدعم الثورة أهون بكثير من الحاصل مع هؤلاء الجماعة.

قد أيقنت أن الأمل فيهم مفقود، فهم كقوم موسى الذين عاندوا ورفضوا الدخول إلى بيت المقدس، فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة حتى يموتون وينتهي أثرهم، ويجيء من خلفهم جيل ما تربى على الذل والمخالفة، ولعل هذا هو المخرج الوحيد لمعضلة تشوه الإدراك، فلا تأس على القوم الآسفين.