من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المغتربون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المغتربون. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 نوفمبر 2012

مآرب أصحاب البقالة


يستمر جهاد الأطباء لتحسين الخدمة الصحية في مصر، وسط "ملاوعات" الحكومة، ومناوشات الإعلام، وإدراك مشوش لدى الناس، وقد أخذت على عاتقي أن أبين للناس ما التبس عليهم، فهذا القدر الذي أستطيع المساهمة به من بلاد الغربة، وأترك للمجاهدين مرتدي البالطو الأبيض قدرهم من التعامل مع الحكومة... والإعلام.

أكتب إليك يا سيدي القارئ هذه الكلمات في اليوم الذي قام فيه الأطباء المضربون بتشييع جثمان الصحة إلى مثواه الأخير في جنازة رمزية، واعلم أن بيدك إنجاح الإضراب فإنعاش المنظومة الصحية، أو تبوؤ مقعدك من العزاء المنصوب عملا بالمثل الشعبي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته)، ذلك أن عدم معرفتك بمطالب الإضراب ليس بالعذر الذي يبيح لك مهاجمته، فليس منا من لا يعرف طبيبا قد يدله على الحقيقة، وبدلا من أن تهاجمهم، ستشكر هؤلاء المناضلين لاقتناص حقك.

ربما تصادف أن تذهب بفلذة كبدك محمومة إلى استقبال طوارئ مستشفى ما فتقابلك طبيبة ترفض مناظرة حالة ابنتك لأنها "في إضراب ومبنشتغلش"، أؤكد لك يا صديقي العزيز أن هذه الطبيبة إما أنها لا تعلم شروط الإضراب، أو أنها تتعمد كسر شروط الإضراب للإساءة له، وفي الحالتين نحن أولى بمراجعتها وتوقيع الجزاءات التأديبية عليها، على أن تصرفا فرديا من هذه الطبيبة لا يصح أن ينسحب أثره على قبولك للإضراب جملة وتفصيلا، فإن سوء التطبيق يجب ألا يكون مبررا لرفض المنهج.

يا لائمي في الإضراب نحن قوم حاولنا الإصلاح مرات ومرات، وجربنا طرقا عديدة، ولكن آخر الدواء الكي، واعلم أننا نواجه منظومة فساد مؤسسي ممنهج، فلا تدعمه بخذلانك لنا، فإنما نريد أن تكون المؤسسات الصحية للغرض الذي يفترض أنها أنشئت له، ولكن القائمين عليها لهم فيها مآرب أخرى، ليس من ضمنها تقديم رعاية صحية آمنة ولائقة تحترم خصوصية المريض وتفي باحتياجاته.

وكعادة أغلب مؤسسات الدولة، تعلن سنويا خسائر تشغيل مرفق السكة الحديد، ورغم ذلك، فما يصرف عليها في تزايد، ولا يوجد تحسين في الخدمة، إنما التحسين يطرأ على من يتولى المناصب القيادية، فتولي أحد قطاعات الهيئة كأنه فرصة نادرة للسفر لإحدى دول الخليج، ومستشفى الهيئة جزء من تلك المنظومة الفاسدة، التي تدار بأسلوب محل البقالة الذي تملكه عائلة "مبسوطة"، فهم لا يهتمون بتوفير احتياجات الزبون، بقدر أن يوفروا احتياجات البيت، مع بعض البرستيج الذي يمنحه المحل لأصحابه.

فبقالة السكة الحديد المعروفة بمستشفى الهيئة لا تقدم خدمة صحية محورها مريض الهيئة، وإنما هي "سبوبة" لقيادات المستشفى، وقيادات الهيئة، أتذكر كم حاولنا إدخال أدوية بعض الأمراض المزمنة كالتهاب المفاصل الروماتويد، والذي قد يتسبب في تدمير المفاصل وإعاقة دائمة، أردنا توفير هذه الأدوية بصورة دائمة للمرضى، وأن يعتمد هذا المرض ضمن قائمة الأمراض المزمنة التي تحتاج رعاية خاصة تتمثل في توفير الدواء بصرف النظر عن كلفته، والحق أننا فشلنا فشلا ذريعا، في الوقت ذاته كان يتم شراء أدوية تخسيس وكريمات تفتيح بل وشامبو للكلاب من الصيدليات الخاصة بفواتير باهظة، ليتم إرسالها إلى المهندس الكبير الذي طلبها في اتصال تلفوني بمدير المستشفى أو من يلف لفه من صبيان البقالة، وتدرج الفاتورة على حساب المستشفى!

الشرائح المعدنية التي ترفض من اللجنة الفنية لعدم مطابقتها للمواصفات كانت تورد رسميا، وتركب للمرضى المصابين بالكسر، لتنكسر داخل أجسامهم! في حادثة مفردة حصل ذلك لأحد المهندسين فتم علاجه خارج المستشفى بتكلفة 15 ألف جنيه، ولكن هذا يتكرر مع "الغلابة" ولا سند لهم، تماما كما تم التعامل مع تلك المريضة التي كانت تعاني من عدوى فطرية استدعت من الطبيب وصف علاج لها وهو "دفلوكان" وبدلا من أن يأمر نائب المدير بشراء هذا الدواء لعدم توفره في المستشفى، طلب من الطبيب المعالج أن يكتب لها دواء آخر وهو "سيفوبيد" لأن الدوائين متشابهان في العبوة الخارجية!

ربما تعتقد أن هذا الإهمال المتعمد تجاه توفير الأدوية المطلوبة هو نصيب "الغلابة" فقط، لذا أود آسفا أن أصحح لك اعتقادك، فحتى الأطباء العاملين في المستشفى من غير القيادات، لا حظ لهم من الرعاية، فهذا صديقي النائب الجراح الذي أصيب بالالتهاب الكبدي الفيروسي سي، أثناء فترة عمله، لم يجد من يعترف أنها إصابة عمل تستدعي أن يتحمل عمله تكلفة علاجه، وبعد محاولات مضنية بدأ علاجه بالانترفيرون المستورد الذي كان مخصصا للمهندسين الكبار فقط، ثم أوقفوا علاجه بعد 3 شهور بناء على توصية طبية من مديرة الطب العلاجي! ليتم صرف الانترفيرون المصري بدلا منه، بالرغم من سجل النتائج السيئة للانترفيرون المصري، فرفض صديقي العلاج وانقطع لمدة عام بعدها حاول مرة أخرى مناقشة الأمر مع مدير المستشفى ورئيس مجلس الإدارة، حيث قامت ممثلة كومبارس تشغل منصب مديرة الموارد البشرية -لا أعلم ما مؤهلاتها- بالرد على صديقي في حضور القيادات الطبية والتشكيك في أنه مصاب بالفيروس وفي المصدر الذي أصيب بالفيروس منه! ولم يستطع صرف الدواء إلا بعد مرور عامين كاملين آخرين، وإصرار الاستشاري المعالج على صرف الانترفيرون المستورد له وتهديد الاستشاري بعدم الحضور للمستشفى في حالة عدم تطبيق توصياته.

الحمد لله أن هذا التأخير لم يؤثر في حالة صديقي وأن العلاج حقق شفاء كاملا، ولك أن تتخيل حاله إن لم يستطع الحصول على العلاج؟ كيف يمكن له أن يغطي تكاليف العلاج الباهظة من جيبه الخاص بمرتب 300 جنيه؟ كيف يمكن له السفر للعمل في الخارج لتحسين دخله كي يستطيع دفع تكاليف العلاج وهو يحمل هذا الفيروس الذي يمنعه من السفر؟ إن كان هذا حال الطبيب الذي أصيب من ممارسته الطبية، فكيف يكون حال العمال "الغلابة" الذين لا يعرفون الفرق بين الدفلوكان والسيفوبيد!

يا سيدي المريض المحتمل -أدام الله عليك نعمتي الصحة والعافية- إضرابنا هذا آخر العلاج، فإن لم تدعمنا نوشك أن نتحول من أطباء يحملون أخلاق المهنة التي تمنعهم من صرف السيفوبيد بديلا للدفلوكان "ولا من شاف ولا من دري"، إلى أطباء مهاجرين في بلاد الله التي تقدر علمنا وعملنا، أو أن نتحول إلى صبيان في بقالة، يأتمرون بأمر أصحابها، وحينها لن تحصل على ما تحتاجه، بل ستحصل على ما يتوافر على الرف من بضاعة، هذا إن كانت البقالة مفتوحة!

السبت، 27 أكتوبر 2012

العياخانة

 
في نضالهم لأجل حقوق الأطباء وضمان خدمة صحية تليق بالإنسان، يستمر هؤلاء المهمومين بمشاكل الصحة في إضرابهم الجزئي متحدين صلف القيادات وتجاهل الإعلام أو تواطئه ضدهم، وتظل محاولاتي كشف حقيقة الوضع المزري -كمصور من قلب الحدث- هي وسيلتي لدعم زملاء المهنة من الأطباء داخل مصر.

لمست تعاطفا من الرأي العام لما دونته سابقا عن كم الفساد والاهتراء الذي عصف بالمنظومة الصحية في مصر، وذلك عبر وصف محطات هامة لحياتي العملية منذ التخرج حتى سفري للعمل في إحدى الدول، وطالبني أصدقائي أن أفتح الجرح تماما حتى يطل الناس على ما فيه من قيح وتلوث، ولهذا أبدأ سلسلة من المقالات لا أعلم عددها، ولكنني أعلم متى سأتوقف عن كتابتها.

فلتعلم يا سيدي المتعاطف مع الأطباء في إضرابهم، اللائم جزئيا لهم، أن هذا الإضراب جزئي، لا يشمل الأقسام التي تقدم رعاية حرجة أو طارئة، ولن تتسبب في تعريض حياة أي مريض للخطر، وأن كون الإضراب جزئي فهو السبب في ضعف تأثيره، وأن تأثيره يتحقق على المدى الطويل وبدعم الرأي العام، ولتعلم أن مطالب الإضراب لا تنحصر في كادر الأطباء فقط، ولكن أيضا في زيادة ميزانية الصحة، ووضع برنامج لتدريب الأطباء، وتأمين المستشفيات، وكل تلك المطالب المستفيد منها هو المريض، حتى كادر الأطباء، فالطبيب الذي يحصل على مرتب يغنيه عن العمل في أكثر من مكان ولساعات عمل تفوق قدرة البشر على التحمل والمواصلة، مرتب يسمح له بدفع مصاريف التدريب والتعليم، هو طبيب قادر على منحك الرعاية الصحية الآمنة والمتوافقة مع المعايير العلمية والأخلاقية، ولا اعتقد أننا سنتجادل حول ما إذا كان مرتب الطبيب الحالي -الذي يبدأ ب300 جنيه- قادر على تغطية الاحتياجات السابقة أم لا.

قد تعتقد يا سيدي المواطن أن ما ذكرته من البديهيات تتفق عليها قيادات الصحة في هذا البلد، وأن المعضلة هي كيفية توفير الموارد لهذه التحسينات، ولكنك ستفاجأ حينما أؤكد لك أننا نتكلم عن قيادات لا تملك إرادة التغيير، فهي ربما لا تؤمن بضرورة التغيير، أو هي تملك إرادة أن يظل الوضع على ما هو عليه، وسأحكي لك قصصا عايشتها وزملائي في مستشفى هيئة سكك حديد مصر، تثبت لك ذلك، ولك مطلق الحرية أن تظن أن وضع مستشفيات وزارة الصحة مماثل، وأؤكد لك أن ظنك هذا لن يكون من البعض الذي تأثم عليه، بل سيكون من حسن الفطن.

في المستشفى الذي عملت فيه يا سيدي الفاضل كانت قيادات المستشفى وقيادات الهيئة المالكة للمستشفى يؤمنون أنه مستشفى للفقراء المحتاجين من العاملين في الهيئة، لكنه ليس مكانا لائقا لعلاج القيادات وكبار المهندسين، فهو يفتقر للتجهيزات والأدوات والعلاج وتأهيل الطاقم الطبي العامل، وهم لا يريدون تغيير ذلك بالمرة، فهم لا يحتاجون لتغيير ذلك.


كانت قيادات الهيئة وكبار المهندسين عندما يمرضون -فهم بشر يمرضون كما نمرض- يتلقون علاجهم في مستشفيات أخرى، وتقوم مستشفى الهيئة بسداد فاتورة العلاج، حتى وإن كان العلاج أو التدخل الموصوف لا يتطلب مهارة خاصة لا تتوفر في المستشفى، بينما الفقراء الذين نعالجهم ليس لهم هذا الحق، إلا فيما ندر وعند تصعيد الأمور، بل الأدهى من ذلك، أن زميلا تقدم بطلب لإدارة المستشفى للموافقة على قيامه بالتسجيل لدراسة الدكتوراه -على حسابه الخاص وبدون أي التزام من المستشفى- فتم رفض طلبه ورد عليه المدير: (المستشفى مش محتاجة دكتوراه)! في رأيي أنه كان يقصد أن من يعالجون في المستشفى لا يستحقون أن يعالجهم من يحمل الدكتوراه، أحب هنا أن أوضح أن عدد من يحمل الدكتوراه في المستشفى ربما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة.

والحقيقة أن الممارسة الجراحية لعلاج هؤلاء الفقراء كانت تتم بخلفية علمية تثبت فعلا أن المستشفى لا تعالج من يستحق أن نحصل على درجة الدكتوراه لأجله، أتذكر جيدا هذا المريض الذي كان يعاني من حصوة بالحالب حجمها 3 سم، وأراد ذلك الجراح استخراجها عبر الفتح، ثم إنه أوكل عملية أخذ التاريخ المرضي للنائب دون أن يتحقق بنفسه، وتجاهل توصية النائب بعمل أشعة بالموجات فوق الصوتية قبل العملية، كما أنه تجاهل تجهيز أكياس دم قبل العملية رغم عدم وجود بنك للدم في المستشفى، وقد ذكره النائب بذلك فقال: (أنا بعملها من غير دم)! وإليك أحداث العملية، تم فتح بطن المريض لاستخراج الحصوة، وجد أن المريض قد أجريت له عمليات سابقة وهو ما أدى لوجود التصاقات يصعب معها التعامل مع الأعضاء دون إصابتها، تم قطع الشريان الحرقفي الداخلي مما أدى لنزيف حاد، لم يستطع الجراح الجهبذ التعامل مع الشريان المقطوع فأحضر جراحا آخر قام بربط الشريان الحرقفي المصاب كما ربط الشريان الحرقفي الخارجي خطأ بإبرة قاطعة (cutting)، فأصيب المريض باسكيميا حادة في الرجل، وكانت تعليقات الجراح الجهبذ بعد الخروج من غرفة العمليات أن النائب يتحمل الخطأ لأنه لم يأخذ التاريخ المرضي جيدا حيث أنه لو علم أن المريض قام بعمليات أخرى في هذه المنطقة لأزال الحصوة بالمنظار أو التفتيت! (أه والله قال كده) ثم أوصى النائب أن يقوم بنزع الفتيل الموضوع حول الشرايين في نهاية نوبة العمل حينما يستقر المريض!

لم يعرف أن الشريان الحرقفي الخارجي ربط خطأ إلا بعد خروج المريض من العمليات بساعات وظهور علامات الإسكيميا الحادة علي رجله، فقام النائب بالاتصال بالجراحين فلم يأتيا إلا عقب الساعة 12 فجرا بعد انتهائهما من عيادتيهما الخاصتين، فقاما بإدخال المريض للعلميات مرة أخرى لعمل رقعة للشريان المربوط، فنزف المريض 3 ليترات أخرى غير الليترات الثلاثة التي نزفها أول اليوم، ولم يستطيعا انقاذه، ومات المريض وهو ما يزال بحصوته، ثم خرج الطاقم الطبي من الجهابذة الواحد تلو الآخر، وكلما سألهم أهل المريض عنه أجابوهم: (الدكتور لسه شغال)! حتى لم يتبق إلا النائب الذي خرج فأبلغهم الفاجعة، فكاد الأهل أن يفتكوا بالنائب لولا أن خرج ممرض العمليات ودافع عنه، ثم ضغط الجراحون الجهابذة على أهل المريض حتى لا يتقدموا بشكوى، وعرضوا عليهم توصيل الجثمان بالقطار إلى أسوان، فتمت المصالحة!

يا سيدي المريض المحتمل -أدام الله عليك نعمتي الصحة والعافية- هذا النائب هو من يتظاهر اليوم ويضرب لأجل حقوقه وحقوقك في رعاية صحية تحفظ كرامتك وحياتك، وهؤلاء الجراحين هم الأطباء أصحاب العيادات الخاصة الذين لا يقدمون لك الخدمة المجانية في المستشفى، وقيادات المستشفى هم قيادات الوزارة التي تتهمنا بالمتاجرة بآلام المرضى وتصم آذانها عن المطالب المستحقة، وأنت هو المريض الذي نحارب من أجله، فاختر المكان الذي تريد الوقوف فيه، كي تحظى بعلاج ملائم في مستشفى مجهز، أو ارض بما تتلقاه في العياخانة.

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

صاحب الرداء... الأبيض

1 أكتوبر 2012
أتوجه بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها وأنا أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، أنا أعمل في هذه الدولة الخليجية منذ 4 أعوام، وقد هجرت ممارسة العمل الإكلينيكي مع المرضى إلى العمل الإداري والتخطيط في المستشفى، ولكنني أظل نفس الإنسان الذي يدعم وقفات المطالبة بالحقوق.

أغسطس 2002

كنت في منتصف سنة التدريب المسماة (الامتياز) حينما قررنا الإضراب عن العمل احتجاجا على عدم تلقينا التدريب الكافي واللائق لكي نستطيع مداواة المرضى بعد شهور قليلة عقب انتهاء تدريبنا، كانت كل مطالبنا أن يقوم السادة نواب الجامعة والمدرسون المساعدون بتدريبنا وألا يوكلوا إلينا أعمالا من المفترض أن يقوم بها التمريض والمراسلون، هذه المطالب تسببت في استدعاء أصدقائنا الداعين إلى الإضراب من جهة أمنية رفيعة ليسألوهم: (مطالبكم أيه؟!)، الذي أتذكره من ذلك الإضراب أن جميع زملائي في المجموعة التي كنت أتدرب بها قد عادوا إلى العمل الذي رفضناه أول اليوم، وبقيت أنا إلى آخر الشهرين لا يسمح لي بدخول غرفة العمليات ومهدد بإعادة التدريب مرة أخرى لأنني ثبت على موقفي الرافض

5 يوليو 2003

استلم العمل في مستشفى السكة الحديد كي لا اضطر للتوزيع على إحدى وحدات وزارة الصحة النائية التي تفتقد أدنى برامج التدريب اللازمة لطبيب حديث التخرج يتعامل مع القطاع الأكبر من الناس باعتباره مقدم الخدمة الصحية الأساسي، أصبحت نائبا في قسم الطب الطبيعي بعد أن رفض رئيس قسم العظام التحاقي بقسمه لأنني أخبرته عن حلمي في أن أتخصص في جراحات المفاصل بالمناظير، وقد كان هذا كافيا على حسب قول صديقي الذي حضر اللقاء لاستبعادي حتى لايصبح في القسم من هو مؤهل أكثر من رئيس القسم! عموما لم يكن لتعييني نائبا في قسم الطب الطبيعي أي إعاقة لاختياري دراسة ماجستير في تخصص آخر، هكذا أبلغوني في المستشفى، وهذا فعلا ماتم، فقد قمت بتسجيل ماجستير طب الحالات الحرجة وأنا لم أمارسه! وكان علي القيام بنوبات عمل ليلية نائبا إداريا للمستشفى حيث أطالب بالبقاء في استقبال الطوارئ للتعامل مع الحالات! لا تندهش من كون النائب الإداري من قسم الطب الطبيعي سيتعامل مع حالات الطوارئ، فلم يكن في الاستقبال غير أمبولات كورتيزون طويل الأمد وأخرى للمغص، وكل الحالات الحرجة التي تأتي كنا نقضي عليها فعلا، لا أحدثكم عن وحدة ريفية نائية، ولكن عن المستشفى الأكبر لهيئة سكك حديد مصر في شارع الجلاء بقلب القاهرة عاصمة مصر! اكتشفت حينها أنني أعمل في وحدة ريفية نائية!

مايو 2008

عبثا حاولت تغيير أي شيء في المستشفى، طلبنا تجهيز استقبال الطوارئ بالأجهزة والمستهلكات المناسبة وتدريب الأطباء على التعامل مع حالات الطوارئ، فتم شراء 13 سيارة إسعاف جديدة غير مجهزة وتجديد نقاشة الدور الأخير من المستشفى بتكلفة 5 مليون جنيه، هذه تكلفة النقاشة وليس سيارات الإسعاف، وبقينا في استقبال الطوارئ بدون إسطوانات أكسجين أو جهاز صدمات كهربائية أو حتى منظار بلعومي، الحقيقة أننا لم نكن نحتاج لتجهيز سيارات الإسعاف فلم ننقل فيها مرضى، كنا نرسلها لتوصيل رئيسة التمريض لبيتها أو جلب طبيب التخدير لعمل عملية جراحية خاصة، أو لنقل جثمان مريض نجحنا في القضاء عليه، كان متوسط إشغال الأسرة أقل من 40%، وبقاء مريض الجراحة في المستشفى قبل العملية قد يصل ل 4 شهور، سرقة الدواء والمستهلكات لحساب مرضى العمليات الخاصة شيء معتاد، وتدون في ملف مريض الهيئة حتى نضبط المنصرف، حينما رأيت نقاشة الدور الأخير وقعت مثلما سقط حلق باب الحمام قبل افتتاح الدور بعد تجديده، قدمت طلبا للعمل خارج البلاد، وافقوا عليه جميعا فقد كنت كالغصة في حلوقهم، وأوصاني رئيس مجلس الإدارة وقتها -جراح عمل في مصر للطيران وله علاقة بالفريق شفيق- أن أعود سريعا من عملي بالخارج حتى تستفيد مستشفى الهيئة من خبرتي في إدارة الجودة، كدت أصدق كلامه لولا أنني رأيت السيارات الثلاثة التي تم شراؤها لخدمة رئيس مجلس الإدارة، إحداها سيارة بيجو 607 ديزل، ساعتها (أنا جبت جاز).

أغسطس 2012

عشر سنوات مرت على إضرابي الأول لما كنت طبيب امتياز، لم أتعلم في الطب شيئا يذكر، حصلت على دبلوم في إدارة الجودة الصحية على نفقتي الخاصة، لم تستفد منه مستشفى السكة الحديد التي أعمل بها، بل إنهم لم يعترفوا به، ما زال زملائي يبيتون 5 أيام في الأسبوع خارج بيوتهم حتى يستطيعوا توفير حفاضات أطفالهم، وما زال المريض يحضر أدويته ومستلزماته معه حتى يتلقى العلاج، وما زال مدير المستشفى الذي جدد النقاشة ب5 ملايين جنيه طليقا.

أنا لا أقص عليك قصتي الشخصية باعتبارها ملحمة تلهم المكافحين، فغيري من الأطباء كافح وقدم أضعاف أضعاف ما قد يجيء ببالي، ولكنها لقطات تبرز كم الاهتراء في المنظومة الصحية في مصر، تعليما وتدريبا وإدارة وتخطيطا وميزانية، اهتراء يجعل تفوق الطبيب وحصوله على التدريب الجيد ثم الدخل المناسب هو الاستثناء، اهتراء يجعلك تحذر بالفم المليان (إلى المريض المصري هذه المنظومة بها سم قاتل) منظومة عشوائية بامتياز أصبح بالطو الطبيب فيها كفنا، فكلاهما رداء أبيض، والفرق بينهما أن البالطو يرتديه الأحياء، والطبيب في مصر لم يعد منهم.

1 أكتوبر 2012

وصلت بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها ومازلت أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، في أي جزء من العالم تعتبر سيارتي وسيلة مواصلات يملكها الكثير كأحد الحقوق الأساسية، أما في بلدي الحبيب مصر فلكي تمتلك مثل هذا الحق فلا بد أن تتنازل عن أحب شيئين إلى القلب: مهنة الطب والعيش في بلدك!

الأربعاء، 11 يناير 2012

عن لحظات التوحد


يقترب الخامس والعشرون من يناير بخطوات ثابتة، يطلبني حثيثا، لو أن الظروف اختلفت لصرت أنا من يطلبه، وهو يتفلّت من يدي، لو أن الثورة اكتملت لكان لنا شأن آخر، لو أننا ما ارتكبنا أخطاءنا الساذجة، لو أن العسكر انتصروا لشرف البدلة عوضا عن تدنيسه حين راودتهم الكراسي، قدر الله وماشاء فعل.

اتذكر لحظات فارقة مرت بي طوال العام السابق، قراءتي لشهادة عمرو سلامة عما حدث له يوم 25/1/2011 أول مرة فأبدأ الاهتمام، قراءته مرة أخرى لعائلتي بصوت عال فيبدأ الاندماج، أصبح متوحدا مع هم البلد، كأنما حبل سُري امتد بيننا بعد أن عشت ملفوظا لا تحن علي ولا ترضى ببِرِّي لها، بل تدلل لقطاء لم يرحموها يوما.

علمي بهروب بن علي، متابعتي لمناورات المخلوع بتكليف شفيق، خوفي لموقعة الجمل، حزني لرفض سفري بعدها، قلقي على أصدقائي الذين أكلمهم وهم في الميدان، سهري يوميا لمتابعة الأحداث، ترقبي لسقوط الطاغية، فقداني القدرة على التعبير يوم خطاب التنحي بغير (ياه...ياه)، نزولي للاحتفال على شارع الخليج وكل الكويت تفخر بنا، بدئي الكتابة، سفري لمصر في نهاية أبريل بقلب يرى نفس الوجوه والبيوت والشوارع بشكل آخر، صدمتي في الجيش لأول فض اعتصام بالقوة، رغبتي في الانتقال السريع للسلطة، فقداني الثقة في الجيش مع استمرار الاعتداءات والتخبط، مطالبتي بحق المغتربين في المشاركة السياسية، اعجابي بمواقف الأبطال، اندفاعي للرد على كل من ينال من أي مصري، فرحي متوجسا لمحاكمة المخلوع، سفري مرة أخرى لحضور انتخابات النقابة بعد أن صارت المشاركة فرضا، إيقاني باستحالة استمرار العسكر بعد دماء ماسبيرو، سبي لكل من تخاذل عن النزول في محمد محمود، إحساسي بضآلة الكلام أمام عيون مالك وحرارة اللاتي ذهبن، تكرر وجعي في مجلس الوزراء، حنقي على المخلوع كلما اضطررت لسماع هراء مشوهي الإدراك من ابنائه ومريديه.

كلها لحظات فارقة، تلفني بمشاعر متناقضة، ولكنها دوما عنيفة، الرعشة التي تسري في جسدي، الدموع التي تنسكب ساخنة بلا توقف، الغصة التي تمنعني من استكمال قراءة ما كتب عن الشهداء والمصابين أمام والدتي، فوران الدم رغبة في استكمال التغيير الجذري، اختلاج القلب عند رؤية الأبطال يتساقطون قتلى وجرحى، كلها مشاعر تذكرني أنني ولدت من جديد، وقد توحدت مع هم البلد، وأحداث البلد، وأبناء البلد، وانفصلت عن حياتي الشخصية، وأحلامي الشخصية، ورغباتي الشخصية، رغبتي في الحياة أصبحت بقدر فائدتي للبلد، وترحيبي بالموت اصبح بقدر اقتناعي بالثورة، يقترب الخامس والعشرون من يناير بخطوات ثابتة، يكبلني بذكريات أغلبها ثقيلة، يقهر قدرتي على التفكير في غيره، وينهى خيالي الخصب عن توقع أحداثه.

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، أنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك لي أوسع ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي سخطك ، أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى ، لا حول ولا قوة إلا بك.

الخميس، 1 ديسمبر 2011

ماذا يريدون؟


(هما اللي في التحرير دول عايزين أيه؟)

كلنا سمعنا هذا السؤال، وكلنا تفاعل للإجابة، وظل السؤال يطرح.

أظنني قد وصلت لإجابة قد تغنيك عن جهد البحث عن إجابة، أو جهد الرد على من يسأل هذا السؤال.

بالأمس وصلت مبكرا للمستشفى حيث أعمل

كنت قد نظمت حملة للتبرع بالدم من اليوم السابق وأستكملها ذلك اليوم

وددت لو كانت هذه الحملة تنظم في مصر كي أساهم في إنقاذ حياة مصابي الثورة

ووددت لو تبرعت بالدم حين سافرت إلى مصر للمشاركة في انتخابات نقابة الأطباء، ولكن قدر الله وماشاء فعل حيث لم يتح الوقت ذلك

جلست إلى جهاز الكمبيوتر ودخلت إلى عالم الانترنت

بدأت أتفحص صفحتي على حسابي في الفيس بوك

وجدت صديقي قد شارك أغنية يا الميدان لعايدة الأيوبي على صفحتي ومعها تعليق جميل أنه أصبح لا يحتمل عدم الاستماع إلى الأغنية كلما دخل إلى حسابه

لم يكن هناك سماعات لأستمع إلى الأغنية فكتبت تعليقا وخرجت

الأمس كان يوما حافلا بالمهمات التي أنجزتها

من حملة التبرع بالدم لحضور مؤتمر للذهاب إلى صديق يريد شراء سيارة كي أوصله وأخيرا شراء محول كهرباء لقريب حتى يتمكن من استخدام اللاب توب

عدت إلى البيت منهكا ولم أتذكر سماع الأغنية

بدأت مشاهدة برنامج يسري فودة وأنا بين النوم واليقظة

انتهى البرنامج

بعده عرضت الأغنية وأنا على نفس الحالة

لم انتبه للأغنية إلا في النهاية


تذكرت أنني لم اسمعها فبحثت عن مشاركة صديقي لها على حائطي وبدأت الاستماع

حمدت الله أنني لم استطع الاستماع إليها سابقا

مازلت أبكي

الاستماع إليها أول مرة تحت تأثير النوم أطلق شحنات مشاعر متدفقة

جعلني أعرف كم افتقد إنني لم أنزل للميدان أبدا في وقت الضرب

جعلني أفهم لم حرصت على المشاركة في الفعاليتين اللتين أقيمتا أثناء أجازتي السابقة في مصر

جعلني أفهم لم أنتصر للثورة من كل من يهاجمها لعلي أحسب في زمرة الثوار

جعلني أندم على غربتي

جعلني أفهم لم يظل هؤلاء يسألون عما يريده من بالميدان

السبب لا تستطيع صياغته الكلمات

إنما تعبر عنه الدموع

فاعذروهم حينما لا يفهمون ماذا يريدون، فهم لم ينزلوا للميدان

الخميس، 24 نوفمبر 2011

موقفي من الانتخابات


هذا البيان لمن لا زال في حيرة ويريد معرفة أسباب من سيشارك في الانتخابات، عذرا إذا كنت تختلف معي وتريد المقاطعة فلك مني كل الاحترام لحرية اعتقاد أي رأي، واتوقع منك نفس الموقف وألا تعلق على بياني لو كنت مختلفا معي، فأنا حسمت أمري ولا أريد من يساعدني في اتخاذ القرار، كما أنني لا أوجه كلامي لمن حسم أمره ولا يريد المشاركة، هذا البيان لمن يريد تلمس آراء المشاركين.

1- الانتخابات ليست بديلا عن التظاهر والاعتصام في الميادين، بل هي طريقة دستورية قانونية لإعلان رفض الحكم الديكتاتوري والرغبة في انتخاب من يمثلنا.


2- أنا مغترب ولا استطيع التظاهر ولا الاعتصام، وذهابي للانتخابات لن يؤثر على مشاركتي في أشياء لا أستطيع القيام بها أصلا.


3- نحن نعاني من عدم وجود كيان منتخب يمثلنا في مواجهة كيان غاصب للسلطة، وانتخاب البرلمان خطوة على طريق استرداد كامل السلطة.


4- عدم مشاركتنا يعطي الفرصة للتزوير والبلطجة وانتخاب الفلول لأنهم لا يشاركون في الاعتصام وحريصون على الانتخابات.


5- الامتناع عن المشاركة بحجة وجود قانون انتخابات أمثل أو اجراء الانتخابات تحت حكم العسكر كان يستوجب منا الاعتصام والتظاهر والضغط لتغيير هذا سابقا وليس الامتناع حاليا.


6- الامتناع عن المشاركة بحجة أنها ستزور يعطي الفرصة لهم لتزويرها دون افتضاح أمرهم، لأنه لن يكون لفلولهم منافسين، أما وجود منافسين فإما أن يمنع التزوير أو أنه يفضحه، ولنا في مشاركة الإخوان في 2010 مثال.


7- الاحتجاج بأن المشاركة في الانتخابات بيع لدماء الشهداء فليس لي تعليق إلا كيف يكون الامتناع حفظ لدماء الشهداء! كل خطوة تقربنا من دولة حرة ديمقراطية هي احترام لمسيرة المناضلين


8- الاحتجاج بأن المشاركة تؤذي من يعتصمون في التحرير فهذا على الأقل لا ينطبق على المغتربين وغير المغتربين الذين لا ينزلون ميدان التحرير.


وختاما سوف أقوم بانتخاب قائمة حزب الوسط لأنه حزب صاحب مبدأ ولم ينزلق في مسيرة الثورة إلى أي خطأ، أما الفردي فلم أجد مرشح للوسط ولا التيار المصري في دائرتي وعليه فسأنتخب مرشحي الحرية والعدالة، وسوف أكفر عن يميني التي حلفتها.

الخميس، 3 نوفمبر 2011

المدفونة


أردت أن أكتب عنها يوم توفاها الله، ولكنه أراد ألا يطوِع القلم إلا هذه الأيام المباركة، ذكرتني بها عمتي، قالت أنني يجب أن أذهب في العيد لأبنائها، فهو أول عيد يمر عليهم بعد وفاتها، طقس من طقوس القرية أو الفراعنة، تسميه (توحيشا)، ولم أرهق نفسي لأعلم معناه ولا كيف يكون القيام به.

المدفونة.....هي لقب (العرابة) أشهر القرى التي تجاور قريتنا، لن استغرب إن لم تسمع بها، ولك أن تتخيل إن كان هذا حال القرية الأشهر ، فكيف يكون حال قريتنا من التهميش والنسيان، كسائر قرى سوهاج، المحافظة الأفقر والأكثر طردا لأبنائها، وقد لقبت (العرابة المدفونة) بذلك لكثرة الآثار بها، التي صارت شؤما على أبنائها حينما منعوا من الحفر والتوسع في بيوتهم حتى لا يعتدوا على الآثار المزعومة، بينما سيارات الشرطة التي ترافق علية القوم تأتي للاستيلاء على آثار مستخرجة فعلا.

والمدفونة.....هي قريبتي التي توفيت بسرطان الدم، بعد معاناة مع المرض استمرت 4 سنوات أو أكثر، ومعاناة مع ضعف المرض وغربة أولادها تفوق آلام المرض، ومعاناة مع توفر العلاج تقتل جل الشعب يوميا، هذي المرأة ظلت تعاني قبل تشخيصها لعدم وجود مستشفيات مجهزة، تستقطب أطباء أكفاء، يقدرون على تقديم خدمة صحية هي أبسط حقوق الانسان، فهل 30 عاما لم تكف لبناء هذه المستشفيات؟ كيف نصبح في القرن الحادي والعشرين ولا زلنا نبرز أخبار إنجازات مبارك -قبل التنحي- في توصيل الماء والصرف الصحي يوميا! أتعلمون أن مصر هي واحدة من 4 دول فقط لم تكن قضت على شلل الأطفال!

والمدفونة.....هي أحلام أبناء قريبتي، الذين تغربوا لتأمين حياة سعيدة، فنسوا ما هي الحياة، فأصبح الفرد فيهم يسافر بعد حين لتدمع عينه وهو يرى ابنه وقد كبر، وبعد حين آخر يسافر إليه ابنه ليحمل معه المسئولية، فتدمع عينه وهو يرى أباه وقد شاب وضعف، وما يلبث أن يسافر عائدا وهو يحمله جثة هامدة تستقر في جبانة البلد، غريب أمر هذه الجذور التي تربطنا بالبلد، تظل ضعيفة في حياتنا فترى المغتربين من أبناء قريتي وهم ضعفاء كأنهم أموات يمشون على الأرض، فإذا ما ماتوا قويت الجذور فردتهم إلى الأرض في نفس اليوم!

والمدفونة.....هي الفترة التي عشناها أيام المخلوع، حينما عاش الأموات على الأرض، لا أحلام ولا حقوق، لا حاضر ولا مستقبل، بل ماض يذكرونه كما تذكر محاسن الميت تماما، ورغم ذلك ما نقموا على الرئيس أثناء حكمه، ويوم خلعه أقسموا أننا سنضيع من بعده، لا أعلم تحديدا ما تعريفهم للضياع إن لم يكن ما يعانونه هو الضياع، جادلت ابن قريبتي أن أمه ماتت بيد مبارك لأنه ما وفر لها العلاج، وجادلني أنه يحبه مهما كان، أدركت أن حجم جريمة مبارك لا يمكن توصيفه في أي اتهام.

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

يوم في حياة مراهن

استيقظت متأخرا بضرب الجزم، متعللا بفرق التوقيت بين مصر والكويت، رغم أنني لم أكن أحادث أحدا في مصر الليلة السابقة، ولكنني كنت أتلمس أخبار مصر، أي بصيص أمل يطمئن قلبي على الثورة ومكتسباتها، أو قل إن أردت الحقيقة أي خبر أوهم به نفسي أنها لا ترجع إلى الخلف.


ارتديت ملابسي في عجالة، لم أتناول الفطور فأنا معتاد على تناوله في العمل، أضع أشيائي في جيوبي، أبحث عن دبوس علم مصر الذي اشتريته من ميدان التحرير ، أعلقه مثلما أعلق بطاقة التعريف الشخصية، وفي السيارة علم آخر يغطي الجزء الخلفي وراء الكنبة تماما، أدير المحرك ثم أشغل محرك الأقراص المضغوطة، استمع إلى القرآن بصوت المعيقلي أو أختار ملفا آخر باسم مصر فيه كل الأغاني الوطنية التي وضعتها منذ يوم تنحي كنز اسرائيل الاستراتيجي.


وصلت إلى المستشفى بسلامة الله، كدت أن أنسى شراء فطوري أثناء اتجاهي إلى المكتب، فقد توقفت عن شراء الفطور منذ عدة أيام لعدم توفر المال، أتذكر أنني عندما استلمت مرتب الشهر الماضي قمت بتحويله كاملا بالدولار إلى مصر بعد خصم مصاريف العائلة، ولم آخذ في الحسبان مصاريفي الشخصية، تحويل مبلغ شهري بالدولار أصبح من الأساسيات الآن، وكل شهر أخوض نفس النقاش مع أسرتي بضرورة تحويل مدخراتهم إلى مصر دونما فائدة، الشهر المقبل قد أعدوا العدة للعمرة، وأنا رفضت متمسكا بفتوى القرضاوي بتأجيل العمرة والحج والتصدق بتكلفتهما.


ابدأ بتصفح مواقع الأخبار والفيس بوك ومقالات هويدي أثناء فطوري، في نفس الوقت الذي يبدأ فيه الإحساس بحرقة المعدة، قد اعتدت هذا الإحساس ولم يعد غريبا، هو بالتأكيد ليس كالألم الذي ظللت أحسه منذ جمعة الغضب الأولى وحتى قبيل تنحي الكنز،كنت وقتها أتناول أدوية القرحة بجرعاتها الكاملة وما يزال الإحساس بخرم في المعدة مستمر.


يتوالى العمل بين اتصالات ومحاضرات وكتب رسمية ونقاشات غير رسمية،في اجتماع اليوم أضرب أمثلة مما أصبح عالقا في ذهني من الثورة أو الأنشطة التي أشارك فيها خارج نطاق العمل، المتعلقة بمصر والمصريين، كالعادة أسمع تعليق الاستاذ مجدي بصوته العالي الساخر: (مش إنتو بتوع الفيس بوك وميدان التحرير)، أنا لست ممن كانوا في ميدان التحرير، لكنني لا أجادله ليس إدعاء لفضل أو شجاعة، ولكن وصفه يكسبني مصداقية حينما أشرح له مطالب الثورة وأعري له الفساد الذي لم يكن يعلمه، وأصبح الآن مساندا للثورة.


أحادث أخي على الهاتف، يخبرني بأن ابنه قد أزال الغرز التي كانت في شفته بعد إصابته الأسبوع الماضي، أعلم أنني قصرت في السؤال عنه، ولكنني على يقين بأن أخي لا يلومني، هو يعلم مقدار حبي لهم، فهم أبنائي بعد فشلي في الزواج، هل سيكتب لهم الله أن يعيشوا في وطن يحبهم ويحبونه؟ وهل سأكون سببا في تحقيق هذا الحلم؟ هذا ما يدور في ذهني أثناء المكالمة الهاتفية التي ضاع أغلب محتوياتها لعدم إنصاتي.


ينتهي وقت العمل الرسمي، وأظل في مكتبي وحيدا أحاول انجاز أعمال لا تنتهي، واضعا في النية الإحسان الذي أمرنا به الله، والإحسان الذي يرضي نفسي، والإحسان الذي هو صميم عملي، والإحسان الذي أود أن أراه مقرونا مع إنجاز كل مصري، أعود للبيت لأتناول وجبة جديدة، لا هي غداء ولا عشاء، ثم أجلس إلى نديمي (اللاب توب) لمتابعة الأحداث والانتهاء من العمل التطوعي الخاص بمصر والمصريين، أرى شواهد رجوع الثورة إلى الخلف، أولويات الاستقرار من أمن وغذاء تتراجع أمام خطط التنمية طويلة المدى، الفقراء يبادون، الشهداء يتناسون، المصابون يهملون، الإجماع يتفتت، مطالب الثورة تستبدل بمطالب اختلافية، أدرك أن انجازات الثورة ان يتم استدعاء محمد حسنين هيكل الي النيابة مرتين و كأن الثورة قامت لاسقاط هيكل و المخلوع في شرم الشيخ لم نراه يستدعي للنيابة و التحقيق مثلما يقول عمنا بلال فضل، أقرأ خبر اقتراب الأهلي من إحراز الدوري، رغم أنني من مشجعيه ولكن كنت أود لو بقى هذا التغيير الوحيد الذي يثبت أن ثورة قد قامت.


لست أكثر وطنية من هؤلاء ولا أزهد منهم في الدنيا، غير أنني راهنت بكل شيء على هذه الثورة، بما أملك ومالا أملك، بالمادة والروح، بالحاضر والمستقبل، بمبدأ يا صابت... يا اتنين عور

السبت، 11 يونيو 2011

مصر بلدي... والكويت أهلي

قلب الأصيل يتسع لكل ذي فضل عليه، وذووا الفضل كثر ولا تعارض بينهم.

قرأت مقالا لصديقي الأديب عنتر عثمان بعنوان (بلادي والكويت… سلمتما للمجد) فحرك في نفسي الرغبة في توثيق شهادتي بخصوص بلد ربيت على أرضه، فحبنا للكويت وإخلاصنا لها هو دليل على استمرار حبنا وإخلاصنا لوطننا الأول مصر، فالارتباط بالوطن في الغربة كنبت نقل من تربته الأصلية، فأنت تحتاج لتربة بديلة تحفظ له الحياة، وتضمن ألا تموت جذوره حتى إذا ما عاد إلى وطنه كأنما أعيد إلى تربته، ولن تجد محبا صادقا لوطنه مصر لا يحب الكويت التي عاش فيها، ولو رأيت من ينكر فضل الكويت فاعلم أنه جاحد لفضل بلده مصر من الأساس.

كثير هم من على شاكلتي، ممن يعتبرون من الجيل الثاني أو الثالث لعائلاتهم التي استوطنت الكويت منذ خمسينيات وسيتينيات القرن الماضي، وهي شروط تمنحهم جنسية دول أخرى لو كانوا يعيشون بها، وهم يعرفون فضل الكويت عليهم كما هو على غيرهم، تعلموا وتعالجوا وعاشوا ومارسوا شعائر دينهم بحرية، وتثقفوا وسافروا إلى بلادهم يحملون صورة إيجابية عن الكويت، وعادوا إليها وهم يحملون حنينا وشوقا، وكما يعرفون فضلها فهم يؤمنون بقدرهم في المشاركة في بنائها ونهضتها، فبنوا وأصلحوا وعلموا وعالجوا وخططوا ونفذوا، وكل من هم على شاكلتي يريدون العودة للمشاركة في رد الجميل.

نحن نعلم حساسية التركيبة السكانية والجغرافية للكويت، ولا نجادل في القرارات السيادية السياسية، ونقدر أولي الأمر جيدا، ولا نطلب إلا أن يوقنوا أننا لا نفاوض على أمن وأمان وتماسك وعروبة الكويت، ولن نقبل بما يحوم حول حماها، ولا نزايد عليها، وإن موقف مصر معها إبان الغزو الغاشم كان موقف شعب قبل أن يكون موقف رئاسة، وهو موقف ليس تفضلا، بل هو قدرنا الذي نقبل به بصدر رحب، ولا نطلب عليه أجر.

يؤلمني بعض الأحداث الفردية من اعتداءات على بعض المصريين العاملين في الكويت، أو فصل تعسفي لطلبة أو موظفين، هذه الأحداث على تكرارها قد تفسر تفسيرات أخرى، لذا أناشد قضاء الكويت الذي نؤمن بحريته، وكذا العقلاء من أهل الكويت وهم كثر، أن يتصدوا لهكذا تجاوزات، التي تجرح صفاء صورة الكويت قبل أن تؤذينا.

كنت قبل الثورة أفخر بالكويت بين أقراني في مصر أنها بلد خير، السواد من شعبها طيبون ويقبلون الغريب، وجلهم يعرف لمصر والمصريين فضلها وقدرهم، ويحترمون انسانية الانسان، ولا يعتدون، وكنت أسوق من المواقف الكثير للدلالة على صدق كلامي، والآن بعد الثورة واسترداد مصر حريتها، أملنا أن نصل بها للحرية والكرامة والعيش الكريم، وأرجو ألا تكون الكويت معنا بعد ثورة مصر التي أعادتها لمكانها بأقل من الكويت التي عرفناها طول عمرنا.

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

حَمار... وحلاوة

لم نجن من المدنية والتحضر قدر ما فقدناه بسببهما، أولم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس! غير أنه يظل تلوث الفطرة وفساد السريرة هما أعظم ما خسرنا.

 يعجبني في البسطاء صدقهم وشفافيتهم وحسن ظنهم بالناس ونقاء سريرتهم، وإن شئت إجمالا فقل سلامة فطرتهم، آية ذلك أنني ما اتهمت يوما من البسطاء بعدم الوطنية أو الاهتمام بحال البلد، في حين تجد الاتهام واضحا أو مستترا في أغلب أحاديثي مع (المثقفين)، فإن سلامة الفطرة عند البسيط جعلته موضوعيا في الحوار، فهو يقبل الخبر عند تحقق صدق الناقل بغض النظر عن محتوى الخبر، أما الرأي فعِلّة قُبولِه عند البسيط رجاحتُه.

هل رأيت يوما بائع البطيخ وهو ينادي على بضاعته بأعلى صوته: حَمار وحلاوة؟ تلك هي الموضوعية التي أقصدها، فهو يعلن عن مواصفات التمييز في بضاعته بالصفتين اللتين تحددان المظهر والجوهر، وهو على استعداد لطمأنتك عما ستشتريه قبل مغادرتك، فهو يبيع (عالسكين) فلا مجال عنده للتدليس أو الظلم، أما الفصيل الآخر من (المثقفين) فالاهتمام عندهم ينصب على حروب إقصاء الآخر، دون اعتبار لما يروجونه في مظهره أو جوهره، وبلا موضوعية تجاه انتقادك.

وضعت مقال نوارة نجم تعليقا على الفيديو الذي يتحدث فيه مأمور قسم الأزبكية عما حدث مع السائق الذي توفي  بعد إلقاء القبض عليه، وانتقدت أسلوب تعامل الشرطة، والقصور الأمني العمدي، وعززت كلامي بسيرة المأمور سالف الذكر سيء السمعة، فما كان من أحد معارفي إلا أن تغاضى عن جميع ما ذكر وقال لي: (انت اصلا مش قاعد معانا في مصر فمتتكلمش عن أشياء لم تراها)، أنا لم أكمل الحوار معه ليس لضعف حجتي، ولكن اعوجاج فكره وعنصريته تمنعانه من الموضوعية والإقرار بالحق.

لا أعلم كيف يَفضُل الذي يعيش داخل مصر من يعيش خارجها في معرفة حقيقة هكذا أخبار؟ هل نفترض أن السيد المثقف كان في موقع الحدث ورأى ما حدث بأم عينه؟ هل نفترض أنه يحمل قلمه وكاميرا التصوير ليتابع ما حدث في المعادي بين سائق الميكروباص وضابط الشرطة؟ أو ما حدث في التحرير بين المتحرشين بالصحفية وضابط الشرطة؟ أم أنه يستقي معلوماته من الأخبار المذاعة والمنشورة؟ أم أن وجوده داخل مصر يجعله قادرا على فهم الخبر بما يعجز عنه المغتربون؟ أم أنه يفترض أن المغترب ليس لديه الوقت لمتابعة ما يحدث داخل البلد؟ أم أنه يفترض أن المغترب قد انشغل بجمع المال وله أهداف خاصة وراء نشره لمثل هذه الأخبار؟ بل والأسوأ من ذلك أنه يبيح التعامل مع سائقي الميكروباص بأية طريقة ليس لأنهم مجرمون -وهو خطأ مزدوج إذا كان هذا مبرره حيث أن فيه تعميم وسلب لحقوق الإنسان وإن كان مذنبا- ولكن لأنه يرى أن (ربنا خلق الأنسان ثم الحيوان ثم سائقي الميكروباص).

إن فساد الفطرة يجعل من يناقشك من المثقفين ومدعي التحضر يشهرون في وجهك أسلحة الانتقاص من فضائلك، فالاتهام بالجبن والغباء والجهل والخيانة وعدم الوطنية أسلحة استراتيجية، موجودة في نفس كل إنسان لوثته المدنية بفقد نقاء السريرة وحسن الظن، ولكن على أعماق مختلفة، فمن الناس من توجد عنده هذه الاتهامات على الطبقة السطحية، وهو جاهز لضربك بها إذا ما عنَّ لك أن تفغر فاك متسائلا، ومنهم من يحتفظ بها على عمق أكبر، فكلما ازداد النقاش حدة نضحت نفسه ما يعلو هذه الاتهامات من طبقات فيها الرزانة والاحترام والأدب، حتى إذا ما فرغت حججه رماك بنفس الاتهامات.

يحزنني أن أجد ممن أعرفهم ويفترض أن بيننا صلة ود هذا الاتهام، ناهيك عن أنه يستنزف الطاقة والرد عليه يستنزف الحجج والكلمات، كما أنه يصرفني عن الكتابة في أمور أخرى، فهذا المقال (كلاكيت رابع مرة) في الرد على متهمي المغتربين بعدم الوطنية أو الجهل بأمور البلاد والعباد، وهو ما يذكرني بمسرحيات عادل إمام التي تظل تعرض للعام العاشر على التوالي، فكلانا مَنَعَنا تكرار نفس العمل من تقديم أعمال أخرى، وإن من المفارقة أن تكون مقالاتي بما فيها من تجديد في الخطاب وتنويع للحجج مدعاة للملل، ومن قبيل (اللت والعجن) في حين تظل مسرحيات (إمام ) المسفِّين قِبلة (المثقفين) رغم ما فيها من تكرار قاتل، فلا حَمار... ولا حلاوة

الثلاثاء، 31 مايو 2011

عقد احتراف: عن المستفاد من مسرحية الراقصة والطبال والسياسي

في بلدي الاحتراف الوحيد في اللعب، وكل ما عدا ذلك يسيّره هواة.

أنا لا أتحامل ولا أهوّل، فالاحتراف هو أن يقوم شخص مؤهل علميا أو تدريبيا بعمل متخصص يحتاج لمهارة معينة، بمقابل مادي مجز، وعلى هذه المعايير يصبح جميع من في بلدي هواة، فمن يتلقون أجرا فلكيا ليسوا مؤهلين، ومن هو مؤهل لا يتقاضى أجرا يذكر، أما الطامة الكبرى فهم ممثلو المسرحية الهزلية التي أقيمت في قنصلية بلدي، واسمها: الراقصة والطبال والسياسي.

الدعوة للاجتماع تسربت بالصدفة، والمكان لايتسع للعدد الذي يكون ممثلا حقيقيا للعدد الكبير لأبناء بلدي، زد على ذلك أن نسبة ذات ثقل من الكراسي القليلة المتاحة، تم احتلالها من بسطاء من أهل بلدي، يرتدون الجلابية البيضاء -ولهم كل الاحترام فمازلت ارتديها في بيتي- فأنى يكون لهم أن يعلموا بهكذا لقاء وقد غاب عن معظمنا وقته، حاولت استقراء الوضع، سألت أحدهم فعلمت أنه جاء لأن صاحب عمله أتى به، وهو ابن بلدي بالمناسبة، وهو لا يعرف لم جاء، وما الفرق بين فصل القنصلية أو ضمها للسفارة، وقال: أدينا هنشوف، علمت ساعتها أن أوردرات الكومبارس ما زالت موجودة، كتلك التي كانت تشحن العمال من مصانع عملهم إلى لجان الانتخابات لتسويد البطاقات وإنجاح النائب المحترم، الذي يفني زهرة عمره وصحته وماله في خدمة بلدي.

جاءوا بعد ذلك بلوحات دعائية، تسبح بحمد السياسي، وافترضوا أن جميع من حضر موافق عليها، فإن كان هناك من معارض فهو لم يبرح تلك القاعة، فكل جموع أبناء بلدي تسبح بحمده، وتلهج بالثناء على الفرقة المصاحبة، منع نفر من الدخول، أظنهم رجال صدقوا  ما عاهدوا الله عليه، هكذا أحسبهم، ولكنهم استطاعوا الدخول، فجاهروا برفض الدعاية المبتذلة، فذهب الشيخ الكومبارس المتكلم للذود عن اللوحة، دونها روحه، ثم حانت لحظة فتح الستارة، أكثر من سياسي، والراقصة تقوم بتوجيه المجاميع بهتافات منعت منذ أربعينات القرن الماضي، هي لا تمت لنبيلة عبيد بصلة من حيث الأنوثة والدلال، إنما الابتذال، والطبال يقود جموع الفتوات للسيطرة على الميكروفون، العجيب أن السياسي الذي جاء ليسمعنا وافترضنا فيه حسن النية لم يفطن إلى أن الحياد لا يعني أن يستمع للمؤيد والمعارض، فالمؤيدون من فرقة الراقصة والطبال، وهم معه أينما حل، في المطار وفي الفندق وفي المكاتب الخلفية، فلم لا يمنحنا ساعة نعبر فيها عن رأينا وفي حضور الفرقة ومن والاهم، فزنا بالميكروفون مرتين أو ثلاثة، قلنا فيها عذاب سنين عجاف، قام هذا المواطن البسيط الذي ليس له مصلحة فهتف للسياسي، مشهد مكرر من لقاءات الرئيس المخلوع، أفلا يعقلون، حانت ساعة الحبكة الفنية، الشيخ الكومبارس المتكلم أراد أن يخطف الأضواء، قام بتقبيل رؤوس جميع من كانوا عالمنصة، ثم هتف، ثم أخذ منه الميكروفون، حجب صوت الحق، فخر مغشيا عليه، كنت بجانبه فتقدمت للكشف عليه، اللعنة على مستشفيات بلدي التي تعج بمثل هؤلاء المفقوسين، فقد تعلمت فيها كيف أفقسهم، وكيف أرد إليهم وعيهم بتدخلات تعذيبية لا تمت إلى الطب بصلة، أدخلوه إلى الحجرة الخلفية، كم من نفاق ينسج داخلك أيتها الخلفية، بعدها اختلط الحابل بالنابل، أو اختلط إدراكي بسبب سطحية التمثيل مع اقتناع الممثلين بتمكنهم، ثم انسحب السياسي الضيف، ومعه السياسيون، وبقي بعض أفراد الفرقة.

الدرس المستفاد من المسرحية المبتذلة: نحن نريد محترفين لا هواه، نريد سياسيين يعلمون مواطن الألم العميق، نريد حكاما يعطون قبل أن يطلبون، نريد سفارات وقنصليات مؤهلة للدفاع عن ابناء بلدي، وليس أبعديات للبشوات الكبار.

تريدون أن تعرفوا لم وصفت فرقة الراقصة والطبال بالطامة الكبرى؟ ليس لأنهم غير مؤهلين فحسب، ولكنهم يدعون أنه عمل تطوعي، وهم مستميتون في تطوعهم، نريد خبيرا في التخاطب والحالات المستعصية كي يفهمهم، لا مجال للهواة في وقت الاحتراف، ولا يوجد متطوع يفرض نفسه على من لا يريده، فارقونا الله لا يسيئكم.

الثلاثاء، 24 مايو 2011

عن البعاد وسنينه

نحن نحتاج إلى ثورة على القناعات المعلبة منتهية الصلاحية بقدر احتياجنا للثورة على الأشخاص ممثلي الحقبة الماضية.


لا أعلم كيف يتسنى لنا تبني نفس الأفكار المسبقة، والقناعات الجامدة ونحن لم نكد ننفض من مولد الثورة، بل إننا ما زلنا نردد شعاراتها بصورة أقرب للآلية، فما تفسيرك لما يحدث من تكرار خطاب النظام السابق ولكن بلسان أناس إن لم يكونوا ممن ثاروا على الفاسدين، فهم على الأقل ممن لا يحسبون على ذاك النظام .


أعني بما سبق التصريحات الجاهزة التي تصف موقفا من أشخاص أو جماعات، كالتي تستبعد التيار الإسلامي بدعوى جموده ورفضه للمسيحيين،  أو تلك التي تنتقص من وطنية من عاشوا خارج البلاد وتسطّح من مقدار معرفتهم بأوجاع المجتمع وحلولها، ولأنني معني بصفة شخصية بالاتهام الأخير فقد آثرت أن أرد عليه مرة ثالثة.


جاء هذا الاتهام في معرض رفض زميلة في العمل للبرادعي، ولأنها لم تلحظ أن هذا الاتهام يمسني شخصيا كوني ولدت وعشت فترة طويلة خارج مصر وأنني الآن مغترب فقد قررت أن أظهر لها خطأ ما تعتقده بخصوص البرادعي، قياسا على رأيها بخصوص حالتي.


أعلم أشخاصا قرروا أن يركبوا أول طائرة متجهة إلى القاهرة حينما بدأت الثورة، واستوطنوا ميدان التحرير طوال أيام الكر والفر، وهم لم يعيشوا في مصر فترات تزيد على الشهرين طوال حياتهم، وأعلم أشخاصا آخرين ودوا لو كانوا معهم لولا عدم مناسبة سفرهم لظروف عملهم،علما بأن مغادرة بعض البلاد التي اغتربوا فيها تحتاج إلى ترتيبات خاصة يكون صاحب العمل فيها هو المقرر بمنح الرخصة أو منعها، أعلم أشخاصا يعيشون في مصر ولم يشاركوا في مظاهرة واحدة في الوقت الذي شارك من قضوا أجازتهم في مصر في كل الفعاليات التي حدثت، أعلم أشخاصا مرتبطون بأرض الوطن إلى الدرجة التي لم تتغير فيه أسلوب حياتهم ولا لهجة بلادهم في الوقت الذي يتحين بعض الذين يعيشون في مصر الفرص للانسلاخ من كل ما يذكرهم بأصلهم.


القصد مما سقته من مواقف أن لا العيش داخل مصر ينمي الوطنية والانتماء، ولا البعد عنها يضعف الارتباط والاهتمام، فالأصل في الانسان أن يحب وطنه، ومالم يطرأ عليه في تربيته أو المواقف التي يجتازها شيء يحيد به عن طريق الوطنية فإنه سيظل مخلصا لبلده، مع اختلاف درجات القدرة على إظهار هذا الإخلاص، ومن المعلوم أن الأزمات التي عصفت بهذا الشعب وطحنته طيلة عقود عديدة، لا بد لها أن تخدش مرآة الوطنية في نفوس هؤلاء، وأن المعايش لهذه الأزمات لا بد له من أن يكون ذا تفكير صاف ونظرة موضوعية حتى يستطيع الفصل بين سوء أحوال المعيشة بسبب من يديرون هذه البلاد، وبين عشقه وإخلاصه لها،حتى لا ينتقص الأول من حظوظ الآخر، وأزعم أن كثيرا ممن لم يعان من هذه الأزمات لتواجدهم فترات خارج مصر سلموا من النقمة على بلادهم.


أما القول بأن العيش داخل مصر شرط لازم لمعرفة عللها وحلولها لهو قول مخالف لما نراه ونعيشه، فقد كان رأس النظام السابق ابنا لعائلة بسيطة، وعاش على أرضها ولكنه كان أبعد الناس عن معرفة مشاكلها ونبض شعبها، بل إن من المفارقة الغريبة أن تكون أجهزة استخبارات العدو أعرف منه بهذه الأوضاع وبفروق شاسعة، فرغم تواجد هذه الأجهزة خارج البلاد، وعدم معرفتها المسبقة بثقافة المجتمع، إلا أنها استطاعت وضع تقارير مفصلة عن الأوضاع في مصر على جميع الأصعدة، ذلك أنها استخدمت أدوات لتقصي الحقائق وجمع البيانات والمعلومات وتحليلها، والتأكد من صدقها وكفاءتها، بما أتاح لها أن تعلم عن أهل البيت ما عجزوا هم عن معرفته.


ميزة أخرى أجد أن الذين عاشوا خارج مصر يتمتعون بها، أو قل أن حظوظهم منها أكبر من حظوظ أقرانهم الذين عاشوا داخل مصر،  تلك الميزة هي السلامة من الفساد، فإن دوام معايشة الفاسدين وأساليبهم يؤدي إلى استمراء الفساد وتقبله، أو على الأقل انعدام الرفض له والاشمئزاز منه،  وهو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في معرض ذم هؤلاء أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، فهم من فرط ما شاهدوه ارتفع لديهم حد الرفض وانخفض حد التقبل، فلن تجد ممن كان جزءا من النظام السابق إلا وله باع في الفساد أو لوّث به، وهذه ميزة يفضل بها البرادعي كل من كان مرضيا عنه في هذا النظام.


الفقرة السابقة كانت خلاصة نقاش مع صديق عزيز، وقد أعجبني وصف أطلقه على هؤلاء حين قال: أن جميع من له صلة بالنظام كان يزين له ارتكاب الفساد من المفسد الأكبر، حتى يستطيع المحافظة على امبراطورية الفساد، وأن هذا التزيين كان يجعل الشخص "ينعم" و"محبسه يفك شويه" فيمرر أشياء كان يرفضها سابقا بدعوى أن "كل الدنيا كده" وأنه مع مرور الوقت وازدياد التآكل يتحول الشخص من رافض للفساد إلى قابل له ومن فاسد في ذاته إلى مفسد لغيره.


ما زلت متفائل أن نكمل طريق الثورة حتى النهاية، وأن نستبدل القناعات التي تردد نفس الأفكار النمطية عن المغتربين والذين عاشوا بعيدا عن بر مصر، مثلما استطعنا استبدال من صنع هذه القناعات.

الجمعة، 20 مايو 2011

ولاد البطة السودة

أنا مصري، والله العظيم مصري، وحياة أمي مصري، بلاش تحلف بأمك، مش علشان الحلف بغير الله غلط، لا طبعا متفهمش غلط، علشان أمك البطة السودة، يعني أيه تكون ابن البطة السودة؟


يعني تكون فعليا بتفيد البلد أكتر من 10 أشخاص عايشين جوه مصر وبرده رأيهم فيك إنك خاين، مش بتحب البلد، صوتك يتباع لأي واحد، معملتش حاجة للبلد.


المغتربين بره مصر حوالي 8 مليون، يعني تقريبا عشر تعداد مصر، ال8 مليون دول تحويلاتهم المالية من العملة الصعبة هي رابع أهم مصدر للدخل في مصر، يعني محدش جاب سيرة الناتج المحلي لل85 مليون اللي عايشين جوه مصر كأحد موارد الدخل القومي، بس مش مهم، انت ابن البطة السودة


المغتربين بره مصر مش بيستفيدو من دعم القمح والمواد الغذائية والكهربا وكل المستهلكات المدعومة، يعني بيوفرو على البلد عشر ميزانية الدعم، بس مش مهم، انت ابن البطة السودة


المغتربين بره مصر بيوفرو وظائف عمل للي جوه مصر بطريقة مباشرة عن طريق المشروعات اللي بيستثمرو فيها، وبطريقة غير مباشرة عن طريق عدم شغلهم للوظائف اللي كانو هيشغلوها لو فضلو جوه مصر، ده غير إن الموظف فيهم وواخد أجازة بيدفع تأمينات تعتبر من موارد الدخل لوزارة المالية، وحتى الداخلية بتاخد منهم تصريح عمل حتى لو مكانوش بيشتغلو في مصر، اصل الداخلية دي عاملة زي اخوك من الأم، لازم يشاركك في الميراث، يعني توفرلهم فلوس ووظائف وبرده مش مهم، إنت ابن البطة السودة


المغتربين بره مصر بيقللو الحمل على البنية التحتية المتهالكة، لا بيستخدمو شوارع ولا صرف صحي، يعني التكدس والاعطال هيقل بنسبة العشر، بس مش مهم، انت ابن البطة السودة


المغتربين بره مصر من وسائل الضغط اللي ممكن تستخدمها مصر لتمرير مصالحها وسياساتها، وكمان صورة مشرفة لمصر، بس مش مهم، انت ابن البطة السودة


كل اللي عايزينه ولاد البطة السودة إنهم يتعاملو زي باقي ولاد البلد، عايزين ننتخب، انتخابات مجلس الشعب الجاية أهم انتخابات في تاريخ مصر، هي اللي هتحط الدستور، هي اللي هتحدد سياسة البلد بخصوص المغتربين، طب إزاي هننتخب بدون انتخاب الكتروني؟ بلد زي الكويت فيها 600 الف مصري، هيعملولهم لجان فين؟ ولا هيعملو لجنة واحدة علشان مفيش قضاة كفاية؟ طب الكويت بلد صغيرة هيعملو أيه في أمريكا اللي فيها مدن بتسافرلها بالطيارة 6 ساعات؟ ولا هيحطوا لجان في المدن اللي فيها تجمعات كبيرة بس؟


المجلس العسكري بيقول اننا هننتخب، والناس جوه مصر بتقول انهم مش هيسيبونا وهيطالبو بحقنا، بس أنا عقلي المحدود مش قادر يستوعب إزاي هننتخب بدون انتخاب الكتروني وقدام قاضي مع إن مفيش قضاة كفاية؟ يكونوش ناويين يسرو بينا من الغربة لحد لجنة الانتخابات ويرجعونا في نفس اليوم؟ عصر المعجزات انتهى، وحتى لو هيقدرو يعملو كده أنا واثق إنهم مش هيعملوها، علشان احنا ولاد البطة السودة