من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هموم الأطباء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هموم الأطباء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 24 أكتوبر 2013

نوادر الأطباء 2.... (منقول)

رجل الفنتانيل لكل رجاله التخدير عندنا ف المستشفى

أحمد صبحي ... طبيب تخدير مصري ..في الثامنة والعشرون من عمره ... يرمز له بالأرقام 1916 ... انه رقم الكارت الذي يختمه يوميا في المستشفى الحكومي التي
يعمل بها

انه يجيد جميع المهارات التي يصعب على رجل واحد أن يجيدها في هذا العالم أوفي العوالم الموازية ..

أحمد يجيد تركيب الكانيولات والتيوبات والبنج النصفي والابيديورال والتحكم في مختلف أنواع أجهزة التخدير بسرعة تقترب من الاعجاز .. بالاضافة الى قدرته الفريدة في الرد على هواتف الجراحين المحمولة لانشغالهم في التعقيم , وتوجيه كشاف العمليات ببراعة على الجروح , ومناولة الخيوط للتمريض دون أن يفسد تعقيمها , الى جانب القيام بواجبته في الحفاظ على عهدة أمبولات الفنتانيل المخدرة

لقد أجمع الكل على انه يستحيل على رجل في مثل سن أحمد صبحي أن يجيد جميع هذه المهارات ويظل عقله سليما .. لذا فقد أطلقوا عليه هذا اللقب ..

لقب .. رجل الفنتانيل
___________________________________

1
الشريحة المفترسة
----------------------

(الأفندي نائب التخدير الاتصال بالعمليات)
دائما مايستيقظ احمد على نداء من هذا النوع من عامل السويتش المزعج دون أن يلتقط منه سوى أواخر الحروف
(....ئب ..... يير ... آل ... مات)
يافتاح ياعليم يارزاق ياكريم .. هكذا صبّح على السويتش ... ثم اتصل بالعمليات وهو يشعر بانتفاخ غريب في مثانته دعا ربه مخلصا كي يجد الوقت الملائم لافراغها قبل أن تأتيه حالة طارئة في هذا الوقت المريب من الليل
بضع كلمات مع التمريض ليدرك أنهم يحتاجونه ... هو بالذات ..لم يكن يملك خيارا سوى النزول للعمليات حالا ..انه قدره
لأنه الرجل ..
رجل الفنتانيل..
_______________
(استرح يا 1916 .. فلدي مهمة من اجلك)

نفض رأسه من العبارة الوهمية ليعود الى عالم الواقع وهو يجتاز باب العمليات ويدلف الى الردهة المثلجة المثيرة للقشعريرة .. لماذا يصرون على تشغيل التكييف في عز يناير ؟! .. ولماذا لايعمل التكييف صيفا ... ؟!! .. الجواب الجاهز .. لأن التكييف يتعطل من فرط التشغيل في فصول الشتاء

اتجه الى الكاونتر وهو يبذل جهدا جبارا لفتح عينيه .. حسنا هذا استشاري العظام .. ونائب العظام .. وآلات العظام ... أحدهم يلقي له بتذكرة العمليات .. يطالع التحاليل دون حماس ... الاستشاري يؤكد له أنه مريض (زي العسل) في سن
الشباب .. وسليم ..... الخ

-"احنا هنرفع شريحة صغيرة ....ربع ساعة بس"
تنهد وهو يتذكر الحسابات القديمة التي وعاها عن فارق التوقيت بين عالم الجراحين وعالم الواقع

اذا كان نائبا جديدا .. فهو لن يخبرك ارقاما لأنه أصلا لايعلم وسيتركها عائمة

اذا كان استشاري جراحة عامة اضرب الرقم في اتنين

اذا كان استشاري مسالك اضرب الرقم في ثلاثة ... واضف للناتج نصف ساعة لكاعة

اذا كان استشاري عظام ... لاتضرب شيئا وابعت هات هدومك من البيت

على كل.. الموضوع شريحة وسيرفعها نائب العظام غالبا حتى يفرغ الاستشاري من شرب كوب الشاي .. ربما ليس الموضوع بهذا السوء.. هنا سمع صوت سعال شنيع .. فدار على عقبيه بسرعة مذهلة ليطالعه وجه مريض شاب يافع في أواخر السبعينات من عمره ...نعم نعم... شاب ... لاتوجد اخطاء هنا لأن جراحي العظام كديدن الجراحين عموما يؤمنون أن الشباب شباب القلب ... وأن جيلا تربى على السمنة البلدي والفطير المشلتت خير من شباب هذه الأيام الذين تربوا على السريلاك و المربى والهامبورجر ... خير وأصح وأصبى برغم أنف التحاليل والموجات الصوتية على القلب

(انا اعلم انك لها يا 1916)

اتصل باستشاري التخدير ليعلمه بالحالة فأخبره بأن يتوكل على الله .. ثم دعا على المستشفى والجراحين ووزارة الصحة , وتامر حسني كذلك (لايدري العلاقة لكنه صار يعتبر تامر حسني من قوى الشر الطبيعية في العالم ..تماما كالزلازل والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم)

اغلق الخط واطلق تنهيدة طويلة وبدأ يتحضر للمعركة ... ثم نظر للعامل في حزم ليقول
-"جهزلنا سباينال يا(ر)"
ثم بدأ يعبث في جيوبه ليخرج منها أمبوله الأثير وتطلع له في صمت

أمبول الفنتانيل....
لهذا اثبت انه يستحق عن جدارة هذا اللقب ..
لقب ... رجل الفنتانيل
_________________

يامسهل يارب ...
هاهي ساق المريض مفتوحة على مصراعيها أمام النائب الذي احمر وجهه وتعرق من فرط الحك والتكسير ...
- " شريحة بنت ....... صحيح "

قالها نائب العظام ثم غاص في عرقه مرة أخرى محاولا استئصال تلك الشريحة الخبيثة ... نظر احمد الى ساعته في تعاسة... يالها من ليلة سوداء ... هل ستخرج تلك الشريحة في سنتها قبل ان ينتهي مفعول البنج النصفي ؟ ... ينقل مخاوفه الى النائب الذي مازال منهمكا في محاولة اغتصاب الشريحة ..فأجابه وهو يلهث بعنف :-
- " هف .. هف .... ادعيلنا بس يانجم .."

كان احمد دوما يكره هذا النائب (ك.ك) بالذات .. ويدعوه ب (كبير ظباط الموساد) .. وفي رواية أخرى.. ب (موشي دزرائيلي) ..ياساتر ... نفس الأتامة وثقل الظل ... ونفس التعصب المجنون لقسم الموساد ... طبعا مفهوم من هو الموساد

بدأت الدماء تملأ المكان فأشاح (أحمد ) بوجهه بعيدا لأنه يكره اراقة الدماء دون داع
...تنهد ثم تناول كانيولا رمادية عظيمة وبسرعة البرق أدخلها في عروق المريض وبدأ ينقل له المزيد من المحاليل بسرعة ... بعد فترة بدأ المريض يشكو من الدوار والغثيان .. طبعا لأن ضغطه ينخفض .. عقد حاجبيه في صرامة ... لابد هنا من وقفة .. ووقفة حازمة ...

يقول المريض في ملل :-
- " هوة لسة كتير يادكتور ؟!! "
هنا قرر (أحمد) ان وقت الاستنجاد باستشاري العظام قد حان ..
_________________

وأخيرا تعقم الاستشاري وتناول عدة الشغل من (ك.ك) ... وبدأ في ممارسة فن النحت في ساق المريض .. ماحكاية هذه الشريحة بالظبط ...؟
- "الشريحة كأنها بقت حتة من رجله .."
- "ويخلق مالا تعلمون ياأخي"

مرت نصف ساعة دون جدوى ... هنا بدأ (أحمد) في طلب وحدة دم للمريض رغم أنه - نكرر – يكره الدماء دون داع ... لكن الأمور تطورت بشكل غير سعيد... هل هؤلاء القوم يمزحون؟!! ... ان عملية رفع الشريحة تكاد تتحول الى عملية بتر أسفل الركبة
- "ياسواد السواد يامحاميحو "
يقولها الممرض (ح) وقد بدأت ساقيه تؤلمانه من طول الوقفة..
- " ماتنشف ياض ماتبقاش خرع "
يجاوبه (ك.ك) بغيظ وقد زاد عرقه وتوتره

بعد ربع ساعة توقف الاستشاري عن التفعيص فتوقف (ك.ك) عن النهجان ... تطلعا الى الأشعة المعلقة امامهما على الحائط قبل أن يتساءل الاستشاري :-
- " ماداهية لتكون الأشعة دي مقلوبة ياواد يا (ك)؟!"
- " باين فتحنا الرجل الغلط يافندم "

هنا أغمى على (ح) فسارعا بالاستنجاد باحدى الممرضات لتبديله ...

اخذا يتكلمان عن الصدفة العجيبة التي جعلت للمريض شريحة أخرى في الساق الغلط .. واتضح أنها كانت لعملية قديمة منذ عشر سنوات...

- " عيان بشريحتين؟!! ...هوة الراجل دة صيني ؟!"
- "أنا لو مكانه , اخلي واحدة منهم (اتصالات) ...نياهاهاهاهاهاهاه "

فتحا الساق الثانية ولم تجف دماء الأولى بعد ... وبدآ في الحفر والتنقيب حتى ظهر لمعان الشريحة ... فعاودا الطرق من جديد ... بعد ربع ساعة قال الاستشاري في قرف :-
- " ياخبر ..دي أنشف من اختها ..."
- " يادكتووووووووووووووور "

كان المريض يتوجع من احساس الحرقان الفظيع الذي يشعر به في ساقيه ... واضح ان مفعول البنج النصفي بدأ ينتهي ...
شد (أحمد) قامته ... وقرر أن وقت القرارت الحاسمة قد اتى ...يجب أن يثبت أنه يستحق لقب (رجل الفنتانيل) ...
يجب أن يفعل شيئا .. يجب
نظر للجراحين في غيظ ... وأخذ شهيقا عميقا ..

ثم بدأ في منح المريض تخديرا كليا...
_________________
مرت حوالي الساعتين قبل أن يقرر استشاري العظام .. ان العيان ليس بحاجة لرفع الشريحة .. وأن تركها في ساقه سيكون أشيك كثيرا ... والعملية ككل يمكن تبريرها أمام المريض وأهله بأنها كانت لتسليك عصب أو (ترييح ) وتر أو عمل فتحات تهوية... أو أي كلام فاضي معقول.

- " تسلم ايدك ياوحش .."

يقولها الاستشاري ل (ك.ك) وقد اعجبته خياطة الجرح الممتازة .. وعاد لتأمل الساقين من جديد ويقارنهما ببعض ..

- " كدة بقوا سوا بعض ... عفارم عليك يا (ك) "
- "تلميذ في مدرسة سعادتك يافندم "

بدأ (أحمد) في افاقة المريض وهو يدعو على الخاين وابن الحرام وجهاز الموساد بأكمله ... وعندما كح المريض وبدأ في التأوه والتفتفة .. اطمأن (احمد) بالا ...
لقد تمت تلك المهمة بنجاح ...

(أحسنت يا 1916)

لم يكن يريد شكرا من أحد .. او نيشانا ...أو تصفيقا ...
لقد اعتاد القيام بواجبه دون كلل ...ودون اعتراض ..
لأنه الرجل .. (رجل الفنتانيل)

ولأنه يريد النوم الآن ..وبشدة
_________________

كان (أحمد) في مطعم المستشفى يقشر برتقالة حمضانة دون شهية عندما أتاه (ك.ك) .. في ظهر اليوم التالي ... وضع صينية الغداء امامه وبادره قائلا :-
- " عيان الشريحة بتاع امبارح ..."
- " ايه ؟!..طلعله شريحة في رجله التالتة ؟"
- " لاياريس ... احنا فتحنا العيان الغلط أصلا "
- "يعني ايه؟"
- " بتاع امبارح دة كان المفروض يخرج.. العيان بتاعنا في السرير اللي جنبه ,هنعمله النهاردة بالليل الساعة واحدة"

ابتعد عن المائدة وصدى صوت (ك.ك) يتردد في اذنه .. لكنه لم يهتم ..

لقد اعتاد هذا القرف اليومي ..

سيوقظونه ... سيثيرون ملله ...سيطيرون النوم من عينيه ..

لكنه يجب أن يحتمل ...

لأنه ليس مجرد طبيب عادي ..

او حتى طبيب تخدير عادي ...

لقد كان الرجل ...رجل الفنتانيل
__________________________________________
_________________________________________

. لغير الأطباء أعتذر لصعوبة بعض المصطلحات
Ahmed Eid

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

"حسام اتخطب"


الفطنة وحسن التصرف صفتان لا غنى عنهما إذا ما أردت ان تحمي نفسك حين تعامل الناس بمودة وتواضع، خصوصا إذا لم يكن الدكتور نعمة موجودا لإنقاذك.

الدكتور نعمة
دكتور أحمد نعمة عليه رحمة الله كان جراحا في المستشفى الذي عملت به، هو حاصل على ماجستير الجراحة العامة ولكن خبرته الطويلة كانت في العظام! رأس قسم العظام فترة رغم أنه ليس مؤهلا أكاديميا لذلك، ليس هذا هو المستغرب الأوحد في شخصية الدكتور نعمة، فقد كان عنيفا في خناقاته، لا تتوقع ما يصدر عن هذا الجسد الصغير صاحب القلب المتعب، لكنه كان قلبا طيبا كبيرا، ربما هي خلاصة تجربة طويلة من الصياعة التي ألجمها الشيب، كنت أحبه وأقدره فعلا، وظني أنه كان يحبني ويحنو علي كذلك.
ميرسي لزوقك
في يوم من الأيام جاء شاب ثلاثيني إلى العيادة الخارجية حيث كنت أمارس الطب الطبيعي والروماتيزم في المستشفى، لم يكن يشتكي من شيء إنما استأذنني أن أكتب له بعض الأدوية على بطاقة العلاج لديه حتى يصرفها من صيدلية المستشفى، أحد الحقوق التي يقتنع العاملون في الجهة الحكومية التي تخدمها هذه المستشفى أنه صار أمرا مفروغا منه، ولما كنت لا أقوم بالكشف على غيره ولا أعاني من ازدحام العيادة كغيري من زملائي في تخصصات الباطنة والجراحة والعظام فلم أمانع، وكان من المفروض أن أكتب الأدوية ذاتها التي كتبتها في بطاقة العلاج على ورقة خارجية مختومة بختم العيادة، حتى يسلمها في الصيدلية عند صرف العلاج تسهيلا للتوثيق وكتابة المنصرف، ولم يكن لدي في العيادة الخارجية ورقا مختوما، فقلت للشاب تفضل معي وذهبت إلى صالة العلاج التابعة للعيادة حيث أحضرت ورقة مختومة وبدأت أكتب الوصفة التي كتبتها في بطاقة العلاج.

كان المعتاد من أطباء المستشفى أن يرسلوا المريض ليجلب لهم ورقا مختوما من الغرف الأخرى، ولما لم أفعل ذلك فقد تأثر الشاب بتصرفي فقال بصوت ناعم:"كنت تقولي يا دكتور أجيبلك ورقة، " فقلت له أن هذا لا يصح وأنني لم أفعل شيئا زائدا، فزاد تأثره فقال: "يا لهوي يا دكتور! كده كتير، ميرسي لزوقك" حينها أدركت أن كتابتي الدواء على الورقة واقفا كان خطأ ويجب دوما أن تجعل المكتب بينك وبين المراجع حتى لا تسمح له بالاقتراب إلى الحد الذي يكاد يلامس جسمك!، اعتدلت وقلت له: "لا أبدا مفيش مشكلة" فرد الشاب: "ممكن يا دكتور أطلب منك طلب!" فأجبته بلهجة مقتضبة :"اتفضل" فقال: "ممكن آخد نمرة حضرتك علشان في ناس بتحتاج لمساعدة في المستشفى هنا ومش هنلاقي زي زوقك" فقلت له: "أكيد عارف رقم المستشفى، اتصل بالسنترال واطلب يحولك للعيادة" فقال: "يعني مش هينفع آخد نمرتك الشخصية!" فكررت: "مانا بقولك اتصل بالمستشفى وهما يحولوك" فقال لي شكرا وهو خائب الأمل، ثم ذهب وأنا أحسب أنه "مش مظبوط" وأني "كرشته".

أنا متأكد مع إني كنت شاكك 
لا أعلم ما السبب الذي جعل سيرة هذا الشاب تأتي في حديثي مع صديقي نائب الجراحة، فقلت له أنه "مش مظبوط" فقال لي صديقي: "أنا شاكك إنه ممكن يكون فعلا مش مظبوط"، فسألته لماذا فأجاب: "أصله في مرة كنت واقف بكلمه وهو بيسألني فلما كنت بجاوبه كان بيحط صباعه على صرتي!" لم أتمالك نفسي من الدهشة ولا لساني من الرد! قلت له: "بقى أنا بقولك انه مش مظبوط علشان قالي ميرسي لزوقك وإنت سايبه يلعب في صرتك وتقولي شاكك!" تركت صديقي وأغلقت الأمر إلى اليوم الذي أتاني فيه اتصال من خارج المستشفى.

حسام الزوق... اللي بيحب يخدم
جاءت زميلتي العزيزة في القسم تخبرني أن هناك اتصالا من "واحدة من بره المستشفى" وهي تقول: "اتفضل رد يا استاذ" ذهبت للرد في قاعة العلاج فكان الحوار التالي:
أنا: السلام عليكم
هي: عليكم السلام، حضرتك الدكتور حسام؟
أنا: أيوه
هي: حضرتك نايب قسم الطب الطبيعي
أنا: أيوه
هي: حضرتك الدكتور حسام اللي رفيع شوية وطويل؟
أنا: (لحظة سكوت مشوبة بقلق) أيوه اتفضلي
(عادة حينما يتم التعرف إليك بالمواصفات الجسدية فإن ذلك ينذر بأن شيئا مش مظبوطا أبدا يلوح في الأفق)
هي: حضرتك إحنا عايزين خدمة من حضرتك.... إحنا سمعنا إن حضرتك زوق وبتحب تخدم
أنا: (لحظة قلق مغطاة بالسكوت) أيوه اتفضلي عايزه أيه يعني
(أنا أخاطب نفسي: حضرتي زوق وبحب أخدم!.... نهارك إسود يا حسام إنت طلعت عليك سمعة خلاص)
هي: عايزين شوية أدوية
أنا: أوكي اتفضلي حضرتك العيادة اكشف عليكي واكتبلك العلاج المطلوب
هي: يعني حضرتك مينفعش تكتبلنا علاج؟
أنا: منا بقولك يا فندم، هاتي أورنيك علاج واتفضلي أكشف عليكي وأكتبلك العلاج المطلوب
هي:..... آه، يعني كده
أنا: تحت أمرك
وانتهت المكالمة
خرجت من قاعة العلاج إلى مكتب الأطباء حيث وجدت زميلتي تسألني: مين دي بقى يا أستاذ؟
أنا: لا، السؤال مش مين دي، السؤال هو مين ده، هو المنيل ده قال لكام واحد تاني.
زميلتي: منيل مين؟
حكيت لها القصة ففطست من الضحك، ثم قالت: خلاص يا ابني أهو غار ولا غارت
قلت لها: لا مش خلاص، الواد ده هييجي تاني
فتركتها وذهبت إلى الدكتور أحمد فحكيت له القصة فضحك هو الآخر وقال: أنا عارفهم ولاد ..... دول، لازم تكون عنيف معاهم علشان هما بيبقوا في منتهى العنف.
وأكمل الدكتور أحمد بقية حواديته عن أصنافهم، وأنا موقن أن "الواد إياه هييجي تاني"

إسكندرية... مش بس هريسة
كان من عادتي أن أحضر هريسة "أحمد حسنين" من سيدي بشر قبلي كلما ذهبت في مأمورية للإسكندرية لتوقيع الكشف على العاملين التابعين للهيئة التي تخدمها مستشفانا، وأحضر الهريسة للمستشفى في اليوم التالي لعودتي للقاهرة، حيث أتناولها مع زملائي في القسم ومن يزورنا في المكتب، ويشاء الله وأنا أبدأ فتح العلب أن تأتي لي زميلتي فتقول: "إلحق يا حسام، الواد جه زي ما قلت، أهو بيدور عليك يا أستاذ"
الحقيقة أنني لا أعلم لم أحسست بالاضطراب، فرغم أنني كنت موقنا بحدوث هذا، ورغم أن الشاب تبدو عليه إمارات الميوعة ونعومة الصوت، فإن مجرد التفكير في موقف كهذا جعلني اضطرب، فخرجت إلى مكتب الأطباء حيث الدكتور أحمد نعمة، فقلت له: "يا بيه الواد ال... جه بره وبيدور عليا"
فقال لي: "هو عايز أيه ابن ال...... ده "
ووجدت وجهه قد انقلب غاضبا، ثم أشار إلي: "اقعد هنا وأنا هربيلك أمه"
لحظات ثم وجدت الشاب يقف على باب المكتب، تجاهله الدكتور أحمد وأكمل حواره معي، ثم التفت إليه فجأة سائلا: "عايز أيه؟" ولم يمهله حتى يرد فعاد إلي بوجهه مخاطبا، ثم بعد مدة التفت إلى الشاب مرة أخى وسأله بشده: "اللي موقفك هنا؟" ولم ينتظر منه الرد حيث أشاح بوجهه مستكملا الحديث معي، ثم التفت إلى الشاب مرة ثالثة مخاطبا: "عايز أيه؟ أيه اللي جابك هنا" فأشار الشاب نصف إشارة إلي وكأنما يريد أن يقول أنه آت للدكتور حسام، فوجدت الدكتور أحمد انتفض من مكانه متجها للشاب، فسأله: "فين أورنيكك؟" ثم قبض عليه ونادى على أحد عمال المستشفى: "الواد ده جاي من غير أورنيك ومعندوش شغلانة هنا، بلغوا شغله وهاتولي ظابط المحطة،، مش عارفين نشوف شغلنا"
اقتادوا الشاب إلى الخارج وعاد إلي الدكتور أحمد وهو يقول: "بس خلصنا منه، إنت مال وشك أصفر كده ليه...!"
الحقيقة أن الدكتور أحمد اعتاد أن يقول لي مال وشك أصفر كده ليه كأنما يقول لي صباح الخير، لكنني لا أعلم حقا إن كانت هذه المرة وشي أصفر فعلا أم أنها صباح الخير بتاعته مرة أخرى!

لحظة الاحتفال
لحظات ودخل علينا زملاؤنا في القسم فحكينا لهم ما حدث، ثم جاءت الممرضة بقطع الهريسة لنأكل، ولما كان الوقت في آخر العيادة فإنه من الطبيعي أن يزورنا بعض الأصدقاء من العيادات الأخرى، قدمنا لهم بعض الهريسة اللذيذة ليشاركونا، فسأل أحدهم: "أيه المناسبة؟"، فصاح الدكتور أحمد بعلو صوته: "حسام اتخطب" ثم ازدرد باقي الهريسة وضج القسم بالضحك...

الله يرحمك يا دكتور أحمد

الخميس، 8 نوفمبر 2012

مآرب أصحاب البقالة


يستمر جهاد الأطباء لتحسين الخدمة الصحية في مصر، وسط "ملاوعات" الحكومة، ومناوشات الإعلام، وإدراك مشوش لدى الناس، وقد أخذت على عاتقي أن أبين للناس ما التبس عليهم، فهذا القدر الذي أستطيع المساهمة به من بلاد الغربة، وأترك للمجاهدين مرتدي البالطو الأبيض قدرهم من التعامل مع الحكومة... والإعلام.

أكتب إليك يا سيدي القارئ هذه الكلمات في اليوم الذي قام فيه الأطباء المضربون بتشييع جثمان الصحة إلى مثواه الأخير في جنازة رمزية، واعلم أن بيدك إنجاح الإضراب فإنعاش المنظومة الصحية، أو تبوؤ مقعدك من العزاء المنصوب عملا بالمثل الشعبي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته)، ذلك أن عدم معرفتك بمطالب الإضراب ليس بالعذر الذي يبيح لك مهاجمته، فليس منا من لا يعرف طبيبا قد يدله على الحقيقة، وبدلا من أن تهاجمهم، ستشكر هؤلاء المناضلين لاقتناص حقك.

ربما تصادف أن تذهب بفلذة كبدك محمومة إلى استقبال طوارئ مستشفى ما فتقابلك طبيبة ترفض مناظرة حالة ابنتك لأنها "في إضراب ومبنشتغلش"، أؤكد لك يا صديقي العزيز أن هذه الطبيبة إما أنها لا تعلم شروط الإضراب، أو أنها تتعمد كسر شروط الإضراب للإساءة له، وفي الحالتين نحن أولى بمراجعتها وتوقيع الجزاءات التأديبية عليها، على أن تصرفا فرديا من هذه الطبيبة لا يصح أن ينسحب أثره على قبولك للإضراب جملة وتفصيلا، فإن سوء التطبيق يجب ألا يكون مبررا لرفض المنهج.

يا لائمي في الإضراب نحن قوم حاولنا الإصلاح مرات ومرات، وجربنا طرقا عديدة، ولكن آخر الدواء الكي، واعلم أننا نواجه منظومة فساد مؤسسي ممنهج، فلا تدعمه بخذلانك لنا، فإنما نريد أن تكون المؤسسات الصحية للغرض الذي يفترض أنها أنشئت له، ولكن القائمين عليها لهم فيها مآرب أخرى، ليس من ضمنها تقديم رعاية صحية آمنة ولائقة تحترم خصوصية المريض وتفي باحتياجاته.

وكعادة أغلب مؤسسات الدولة، تعلن سنويا خسائر تشغيل مرفق السكة الحديد، ورغم ذلك، فما يصرف عليها في تزايد، ولا يوجد تحسين في الخدمة، إنما التحسين يطرأ على من يتولى المناصب القيادية، فتولي أحد قطاعات الهيئة كأنه فرصة نادرة للسفر لإحدى دول الخليج، ومستشفى الهيئة جزء من تلك المنظومة الفاسدة، التي تدار بأسلوب محل البقالة الذي تملكه عائلة "مبسوطة"، فهم لا يهتمون بتوفير احتياجات الزبون، بقدر أن يوفروا احتياجات البيت، مع بعض البرستيج الذي يمنحه المحل لأصحابه.

فبقالة السكة الحديد المعروفة بمستشفى الهيئة لا تقدم خدمة صحية محورها مريض الهيئة، وإنما هي "سبوبة" لقيادات المستشفى، وقيادات الهيئة، أتذكر كم حاولنا إدخال أدوية بعض الأمراض المزمنة كالتهاب المفاصل الروماتويد، والذي قد يتسبب في تدمير المفاصل وإعاقة دائمة، أردنا توفير هذه الأدوية بصورة دائمة للمرضى، وأن يعتمد هذا المرض ضمن قائمة الأمراض المزمنة التي تحتاج رعاية خاصة تتمثل في توفير الدواء بصرف النظر عن كلفته، والحق أننا فشلنا فشلا ذريعا، في الوقت ذاته كان يتم شراء أدوية تخسيس وكريمات تفتيح بل وشامبو للكلاب من الصيدليات الخاصة بفواتير باهظة، ليتم إرسالها إلى المهندس الكبير الذي طلبها في اتصال تلفوني بمدير المستشفى أو من يلف لفه من صبيان البقالة، وتدرج الفاتورة على حساب المستشفى!

الشرائح المعدنية التي ترفض من اللجنة الفنية لعدم مطابقتها للمواصفات كانت تورد رسميا، وتركب للمرضى المصابين بالكسر، لتنكسر داخل أجسامهم! في حادثة مفردة حصل ذلك لأحد المهندسين فتم علاجه خارج المستشفى بتكلفة 15 ألف جنيه، ولكن هذا يتكرر مع "الغلابة" ولا سند لهم، تماما كما تم التعامل مع تلك المريضة التي كانت تعاني من عدوى فطرية استدعت من الطبيب وصف علاج لها وهو "دفلوكان" وبدلا من أن يأمر نائب المدير بشراء هذا الدواء لعدم توفره في المستشفى، طلب من الطبيب المعالج أن يكتب لها دواء آخر وهو "سيفوبيد" لأن الدوائين متشابهان في العبوة الخارجية!

ربما تعتقد أن هذا الإهمال المتعمد تجاه توفير الأدوية المطلوبة هو نصيب "الغلابة" فقط، لذا أود آسفا أن أصحح لك اعتقادك، فحتى الأطباء العاملين في المستشفى من غير القيادات، لا حظ لهم من الرعاية، فهذا صديقي النائب الجراح الذي أصيب بالالتهاب الكبدي الفيروسي سي، أثناء فترة عمله، لم يجد من يعترف أنها إصابة عمل تستدعي أن يتحمل عمله تكلفة علاجه، وبعد محاولات مضنية بدأ علاجه بالانترفيرون المستورد الذي كان مخصصا للمهندسين الكبار فقط، ثم أوقفوا علاجه بعد 3 شهور بناء على توصية طبية من مديرة الطب العلاجي! ليتم صرف الانترفيرون المصري بدلا منه، بالرغم من سجل النتائج السيئة للانترفيرون المصري، فرفض صديقي العلاج وانقطع لمدة عام بعدها حاول مرة أخرى مناقشة الأمر مع مدير المستشفى ورئيس مجلس الإدارة، حيث قامت ممثلة كومبارس تشغل منصب مديرة الموارد البشرية -لا أعلم ما مؤهلاتها- بالرد على صديقي في حضور القيادات الطبية والتشكيك في أنه مصاب بالفيروس وفي المصدر الذي أصيب بالفيروس منه! ولم يستطع صرف الدواء إلا بعد مرور عامين كاملين آخرين، وإصرار الاستشاري المعالج على صرف الانترفيرون المستورد له وتهديد الاستشاري بعدم الحضور للمستشفى في حالة عدم تطبيق توصياته.

الحمد لله أن هذا التأخير لم يؤثر في حالة صديقي وأن العلاج حقق شفاء كاملا، ولك أن تتخيل حاله إن لم يستطع الحصول على العلاج؟ كيف يمكن له أن يغطي تكاليف العلاج الباهظة من جيبه الخاص بمرتب 300 جنيه؟ كيف يمكن له السفر للعمل في الخارج لتحسين دخله كي يستطيع دفع تكاليف العلاج وهو يحمل هذا الفيروس الذي يمنعه من السفر؟ إن كان هذا حال الطبيب الذي أصيب من ممارسته الطبية، فكيف يكون حال العمال "الغلابة" الذين لا يعرفون الفرق بين الدفلوكان والسيفوبيد!

يا سيدي المريض المحتمل -أدام الله عليك نعمتي الصحة والعافية- إضرابنا هذا آخر العلاج، فإن لم تدعمنا نوشك أن نتحول من أطباء يحملون أخلاق المهنة التي تمنعهم من صرف السيفوبيد بديلا للدفلوكان "ولا من شاف ولا من دري"، إلى أطباء مهاجرين في بلاد الله التي تقدر علمنا وعملنا، أو أن نتحول إلى صبيان في بقالة، يأتمرون بأمر أصحابها، وحينها لن تحصل على ما تحتاجه، بل ستحصل على ما يتوافر على الرف من بضاعة، هذا إن كانت البقالة مفتوحة!

السبت، 27 أكتوبر 2012

العياخانة

 
في نضالهم لأجل حقوق الأطباء وضمان خدمة صحية تليق بالإنسان، يستمر هؤلاء المهمومين بمشاكل الصحة في إضرابهم الجزئي متحدين صلف القيادات وتجاهل الإعلام أو تواطئه ضدهم، وتظل محاولاتي كشف حقيقة الوضع المزري -كمصور من قلب الحدث- هي وسيلتي لدعم زملاء المهنة من الأطباء داخل مصر.

لمست تعاطفا من الرأي العام لما دونته سابقا عن كم الفساد والاهتراء الذي عصف بالمنظومة الصحية في مصر، وذلك عبر وصف محطات هامة لحياتي العملية منذ التخرج حتى سفري للعمل في إحدى الدول، وطالبني أصدقائي أن أفتح الجرح تماما حتى يطل الناس على ما فيه من قيح وتلوث، ولهذا أبدأ سلسلة من المقالات لا أعلم عددها، ولكنني أعلم متى سأتوقف عن كتابتها.

فلتعلم يا سيدي المتعاطف مع الأطباء في إضرابهم، اللائم جزئيا لهم، أن هذا الإضراب جزئي، لا يشمل الأقسام التي تقدم رعاية حرجة أو طارئة، ولن تتسبب في تعريض حياة أي مريض للخطر، وأن كون الإضراب جزئي فهو السبب في ضعف تأثيره، وأن تأثيره يتحقق على المدى الطويل وبدعم الرأي العام، ولتعلم أن مطالب الإضراب لا تنحصر في كادر الأطباء فقط، ولكن أيضا في زيادة ميزانية الصحة، ووضع برنامج لتدريب الأطباء، وتأمين المستشفيات، وكل تلك المطالب المستفيد منها هو المريض، حتى كادر الأطباء، فالطبيب الذي يحصل على مرتب يغنيه عن العمل في أكثر من مكان ولساعات عمل تفوق قدرة البشر على التحمل والمواصلة، مرتب يسمح له بدفع مصاريف التدريب والتعليم، هو طبيب قادر على منحك الرعاية الصحية الآمنة والمتوافقة مع المعايير العلمية والأخلاقية، ولا اعتقد أننا سنتجادل حول ما إذا كان مرتب الطبيب الحالي -الذي يبدأ ب300 جنيه- قادر على تغطية الاحتياجات السابقة أم لا.

قد تعتقد يا سيدي المواطن أن ما ذكرته من البديهيات تتفق عليها قيادات الصحة في هذا البلد، وأن المعضلة هي كيفية توفير الموارد لهذه التحسينات، ولكنك ستفاجأ حينما أؤكد لك أننا نتكلم عن قيادات لا تملك إرادة التغيير، فهي ربما لا تؤمن بضرورة التغيير، أو هي تملك إرادة أن يظل الوضع على ما هو عليه، وسأحكي لك قصصا عايشتها وزملائي في مستشفى هيئة سكك حديد مصر، تثبت لك ذلك، ولك مطلق الحرية أن تظن أن وضع مستشفيات وزارة الصحة مماثل، وأؤكد لك أن ظنك هذا لن يكون من البعض الذي تأثم عليه، بل سيكون من حسن الفطن.

في المستشفى الذي عملت فيه يا سيدي الفاضل كانت قيادات المستشفى وقيادات الهيئة المالكة للمستشفى يؤمنون أنه مستشفى للفقراء المحتاجين من العاملين في الهيئة، لكنه ليس مكانا لائقا لعلاج القيادات وكبار المهندسين، فهو يفتقر للتجهيزات والأدوات والعلاج وتأهيل الطاقم الطبي العامل، وهم لا يريدون تغيير ذلك بالمرة، فهم لا يحتاجون لتغيير ذلك.


كانت قيادات الهيئة وكبار المهندسين عندما يمرضون -فهم بشر يمرضون كما نمرض- يتلقون علاجهم في مستشفيات أخرى، وتقوم مستشفى الهيئة بسداد فاتورة العلاج، حتى وإن كان العلاج أو التدخل الموصوف لا يتطلب مهارة خاصة لا تتوفر في المستشفى، بينما الفقراء الذين نعالجهم ليس لهم هذا الحق، إلا فيما ندر وعند تصعيد الأمور، بل الأدهى من ذلك، أن زميلا تقدم بطلب لإدارة المستشفى للموافقة على قيامه بالتسجيل لدراسة الدكتوراه -على حسابه الخاص وبدون أي التزام من المستشفى- فتم رفض طلبه ورد عليه المدير: (المستشفى مش محتاجة دكتوراه)! في رأيي أنه كان يقصد أن من يعالجون في المستشفى لا يستحقون أن يعالجهم من يحمل الدكتوراه، أحب هنا أن أوضح أن عدد من يحمل الدكتوراه في المستشفى ربما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة.

والحقيقة أن الممارسة الجراحية لعلاج هؤلاء الفقراء كانت تتم بخلفية علمية تثبت فعلا أن المستشفى لا تعالج من يستحق أن نحصل على درجة الدكتوراه لأجله، أتذكر جيدا هذا المريض الذي كان يعاني من حصوة بالحالب حجمها 3 سم، وأراد ذلك الجراح استخراجها عبر الفتح، ثم إنه أوكل عملية أخذ التاريخ المرضي للنائب دون أن يتحقق بنفسه، وتجاهل توصية النائب بعمل أشعة بالموجات فوق الصوتية قبل العملية، كما أنه تجاهل تجهيز أكياس دم قبل العملية رغم عدم وجود بنك للدم في المستشفى، وقد ذكره النائب بذلك فقال: (أنا بعملها من غير دم)! وإليك أحداث العملية، تم فتح بطن المريض لاستخراج الحصوة، وجد أن المريض قد أجريت له عمليات سابقة وهو ما أدى لوجود التصاقات يصعب معها التعامل مع الأعضاء دون إصابتها، تم قطع الشريان الحرقفي الداخلي مما أدى لنزيف حاد، لم يستطع الجراح الجهبذ التعامل مع الشريان المقطوع فأحضر جراحا آخر قام بربط الشريان الحرقفي المصاب كما ربط الشريان الحرقفي الخارجي خطأ بإبرة قاطعة (cutting)، فأصيب المريض باسكيميا حادة في الرجل، وكانت تعليقات الجراح الجهبذ بعد الخروج من غرفة العمليات أن النائب يتحمل الخطأ لأنه لم يأخذ التاريخ المرضي جيدا حيث أنه لو علم أن المريض قام بعمليات أخرى في هذه المنطقة لأزال الحصوة بالمنظار أو التفتيت! (أه والله قال كده) ثم أوصى النائب أن يقوم بنزع الفتيل الموضوع حول الشرايين في نهاية نوبة العمل حينما يستقر المريض!

لم يعرف أن الشريان الحرقفي الخارجي ربط خطأ إلا بعد خروج المريض من العمليات بساعات وظهور علامات الإسكيميا الحادة علي رجله، فقام النائب بالاتصال بالجراحين فلم يأتيا إلا عقب الساعة 12 فجرا بعد انتهائهما من عيادتيهما الخاصتين، فقاما بإدخال المريض للعلميات مرة أخرى لعمل رقعة للشريان المربوط، فنزف المريض 3 ليترات أخرى غير الليترات الثلاثة التي نزفها أول اليوم، ولم يستطيعا انقاذه، ومات المريض وهو ما يزال بحصوته، ثم خرج الطاقم الطبي من الجهابذة الواحد تلو الآخر، وكلما سألهم أهل المريض عنه أجابوهم: (الدكتور لسه شغال)! حتى لم يتبق إلا النائب الذي خرج فأبلغهم الفاجعة، فكاد الأهل أن يفتكوا بالنائب لولا أن خرج ممرض العمليات ودافع عنه، ثم ضغط الجراحون الجهابذة على أهل المريض حتى لا يتقدموا بشكوى، وعرضوا عليهم توصيل الجثمان بالقطار إلى أسوان، فتمت المصالحة!

يا سيدي المريض المحتمل -أدام الله عليك نعمتي الصحة والعافية- هذا النائب هو من يتظاهر اليوم ويضرب لأجل حقوقه وحقوقك في رعاية صحية تحفظ كرامتك وحياتك، وهؤلاء الجراحين هم الأطباء أصحاب العيادات الخاصة الذين لا يقدمون لك الخدمة المجانية في المستشفى، وقيادات المستشفى هم قيادات الوزارة التي تتهمنا بالمتاجرة بآلام المرضى وتصم آذانها عن المطالب المستحقة، وأنت هو المريض الذي نحارب من أجله، فاختر المكان الذي تريد الوقوف فيه، كي تحظى بعلاج ملائم في مستشفى مجهز، أو ارض بما تتلقاه في العياخانة.

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

صاحب الرداء... الأبيض

1 أكتوبر 2012
أتوجه بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها وأنا أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، أنا أعمل في هذه الدولة الخليجية منذ 4 أعوام، وقد هجرت ممارسة العمل الإكلينيكي مع المرضى إلى العمل الإداري والتخطيط في المستشفى، ولكنني أظل نفس الإنسان الذي يدعم وقفات المطالبة بالحقوق.

أغسطس 2002

كنت في منتصف سنة التدريب المسماة (الامتياز) حينما قررنا الإضراب عن العمل احتجاجا على عدم تلقينا التدريب الكافي واللائق لكي نستطيع مداواة المرضى بعد شهور قليلة عقب انتهاء تدريبنا، كانت كل مطالبنا أن يقوم السادة نواب الجامعة والمدرسون المساعدون بتدريبنا وألا يوكلوا إلينا أعمالا من المفترض أن يقوم بها التمريض والمراسلون، هذه المطالب تسببت في استدعاء أصدقائنا الداعين إلى الإضراب من جهة أمنية رفيعة ليسألوهم: (مطالبكم أيه؟!)، الذي أتذكره من ذلك الإضراب أن جميع زملائي في المجموعة التي كنت أتدرب بها قد عادوا إلى العمل الذي رفضناه أول اليوم، وبقيت أنا إلى آخر الشهرين لا يسمح لي بدخول غرفة العمليات ومهدد بإعادة التدريب مرة أخرى لأنني ثبت على موقفي الرافض

5 يوليو 2003

استلم العمل في مستشفى السكة الحديد كي لا اضطر للتوزيع على إحدى وحدات وزارة الصحة النائية التي تفتقد أدنى برامج التدريب اللازمة لطبيب حديث التخرج يتعامل مع القطاع الأكبر من الناس باعتباره مقدم الخدمة الصحية الأساسي، أصبحت نائبا في قسم الطب الطبيعي بعد أن رفض رئيس قسم العظام التحاقي بقسمه لأنني أخبرته عن حلمي في أن أتخصص في جراحات المفاصل بالمناظير، وقد كان هذا كافيا على حسب قول صديقي الذي حضر اللقاء لاستبعادي حتى لايصبح في القسم من هو مؤهل أكثر من رئيس القسم! عموما لم يكن لتعييني نائبا في قسم الطب الطبيعي أي إعاقة لاختياري دراسة ماجستير في تخصص آخر، هكذا أبلغوني في المستشفى، وهذا فعلا ماتم، فقد قمت بتسجيل ماجستير طب الحالات الحرجة وأنا لم أمارسه! وكان علي القيام بنوبات عمل ليلية نائبا إداريا للمستشفى حيث أطالب بالبقاء في استقبال الطوارئ للتعامل مع الحالات! لا تندهش من كون النائب الإداري من قسم الطب الطبيعي سيتعامل مع حالات الطوارئ، فلم يكن في الاستقبال غير أمبولات كورتيزون طويل الأمد وأخرى للمغص، وكل الحالات الحرجة التي تأتي كنا نقضي عليها فعلا، لا أحدثكم عن وحدة ريفية نائية، ولكن عن المستشفى الأكبر لهيئة سكك حديد مصر في شارع الجلاء بقلب القاهرة عاصمة مصر! اكتشفت حينها أنني أعمل في وحدة ريفية نائية!

مايو 2008

عبثا حاولت تغيير أي شيء في المستشفى، طلبنا تجهيز استقبال الطوارئ بالأجهزة والمستهلكات المناسبة وتدريب الأطباء على التعامل مع حالات الطوارئ، فتم شراء 13 سيارة إسعاف جديدة غير مجهزة وتجديد نقاشة الدور الأخير من المستشفى بتكلفة 5 مليون جنيه، هذه تكلفة النقاشة وليس سيارات الإسعاف، وبقينا في استقبال الطوارئ بدون إسطوانات أكسجين أو جهاز صدمات كهربائية أو حتى منظار بلعومي، الحقيقة أننا لم نكن نحتاج لتجهيز سيارات الإسعاف فلم ننقل فيها مرضى، كنا نرسلها لتوصيل رئيسة التمريض لبيتها أو جلب طبيب التخدير لعمل عملية جراحية خاصة، أو لنقل جثمان مريض نجحنا في القضاء عليه، كان متوسط إشغال الأسرة أقل من 40%، وبقاء مريض الجراحة في المستشفى قبل العملية قد يصل ل 4 شهور، سرقة الدواء والمستهلكات لحساب مرضى العمليات الخاصة شيء معتاد، وتدون في ملف مريض الهيئة حتى نضبط المنصرف، حينما رأيت نقاشة الدور الأخير وقعت مثلما سقط حلق باب الحمام قبل افتتاح الدور بعد تجديده، قدمت طلبا للعمل خارج البلاد، وافقوا عليه جميعا فقد كنت كالغصة في حلوقهم، وأوصاني رئيس مجلس الإدارة وقتها -جراح عمل في مصر للطيران وله علاقة بالفريق شفيق- أن أعود سريعا من عملي بالخارج حتى تستفيد مستشفى الهيئة من خبرتي في إدارة الجودة، كدت أصدق كلامه لولا أنني رأيت السيارات الثلاثة التي تم شراؤها لخدمة رئيس مجلس الإدارة، إحداها سيارة بيجو 607 ديزل، ساعتها (أنا جبت جاز).

أغسطس 2012

عشر سنوات مرت على إضرابي الأول لما كنت طبيب امتياز، لم أتعلم في الطب شيئا يذكر، حصلت على دبلوم في إدارة الجودة الصحية على نفقتي الخاصة، لم تستفد منه مستشفى السكة الحديد التي أعمل بها، بل إنهم لم يعترفوا به، ما زال زملائي يبيتون 5 أيام في الأسبوع خارج بيوتهم حتى يستطيعوا توفير حفاضات أطفالهم، وما زال المريض يحضر أدويته ومستلزماته معه حتى يتلقى العلاج، وما زال مدير المستشفى الذي جدد النقاشة ب5 ملايين جنيه طليقا.

أنا لا أقص عليك قصتي الشخصية باعتبارها ملحمة تلهم المكافحين، فغيري من الأطباء كافح وقدم أضعاف أضعاف ما قد يجيء ببالي، ولكنها لقطات تبرز كم الاهتراء في المنظومة الصحية في مصر، تعليما وتدريبا وإدارة وتخطيطا وميزانية، اهتراء يجعل تفوق الطبيب وحصوله على التدريب الجيد ثم الدخل المناسب هو الاستثناء، اهتراء يجعلك تحذر بالفم المليان (إلى المريض المصري هذه المنظومة بها سم قاتل) منظومة عشوائية بامتياز أصبح بالطو الطبيب فيها كفنا، فكلاهما رداء أبيض، والفرق بينهما أن البالطو يرتديه الأحياء، والطبيب في مصر لم يعد منهم.

1 أكتوبر 2012

وصلت بسيارتي موديل السنة ذات الدفع الرباعي إلى الإدارة المركزية التي أعمل تحت إشرافها ومازلت أفكر في إضراب زملائي وأصدقائي الأطباء في بلدي الحبيب مصر، في أي جزء من العالم تعتبر سيارتي وسيلة مواصلات يملكها الكثير كأحد الحقوق الأساسية، أما في بلدي الحبيب مصر فلكي تمتلك مثل هذا الحق فلا بد أن تتنازل عن أحب شيئين إلى القلب: مهنة الطب والعيش في بلدك!