من أنا

صورتي
طبيب ومدون، ابدأ خطواتي نحو المشاركة السياسية والحقوقية، أعشق الهدوء والخط العربي والتصوير. dr_hossam_elamir@hotmail.com
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين والسياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين والسياسة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 23 يوليو 2016

العثمانلية التائهة


كتب علي فريد:

لن يتركونا.. وإن تركناهم!!
الذين فشلوا منذ مائة سنة في إسقاط القسطنطينية بحملة الدردنيل في الشمال؛ أسقطوها بإشعال الثورة العربية في الجنوب!!
إنهم الروم أصحاب القرون!!
وسيعودون.. وسنعود !!
***
لا يمكن أن نعرف الآن حقيقة ما حدث.. كلها روايات متضاربة نستطيع تصديق أكثرها غرائبية بذات السهولة التي نستطيع بها تصديق أكثرها معقولية!!
والحقيقةُ _غالباً_ رفاهيةٌ يصعب الحصول عليها!!
تركيا _في العموم_ أشبه بلعبةِ المتاهة.. لا تكاد تنتهي فيها من دهليز حتى يسلمك الدهليز لدهاليز، وفي كل دهليز ممراتٌ بِغُرَفٍ تخرج منها حيات وعقارب وأشباح ومهالك..
هي شبكة صيادٍ تَقّلبَ بها سمكُ الرَّعاد ألف مرة، وكلما حاولتَ تفكيكها تشابكت في يديك مرة أخرى مع صعقة أو صعقتين من السمك الملتف بها!!
فلا تطمع _والحال هذه_ في الحصول على رفاهية الحقيقة!!
***
هذا العثمانلي التائه لم ينجح في شيء قدر نجاحه في إصابة الناس بالتيه.. أنتَ معه متذبذب بين الفكرة ونقيضها.. بين خيالك العاطفي عن سليمان القانوني وهو يرد على استغاثة ملك فرنسا معتبراً فرنسا ولايةً تابعة له، وبين خيالك الواقعي عن عبد الحميد الثاني وهو يقود سفينة عثمانية تائهة تجري بهم في موج كالجبال.. ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم!!
يعطيك أردوغان كلَّ ما تريد.. كفرَ العلمانية المحض وإيمانَ الإسلام الخالص.. ثم يتركك متأرجحاً بين صحيح العقيدة في الولاء والبراء والمفاصلة، وبين صحيح الفقه في استصحاب الواقع ودرء المفاسد المقدم على جلب المصالح!!
حيناً: ترى فيه وجهاً عثمانياً بقناعٍ أتاتوركي.. وحيناً: ترى فيه وجهاً أتاتوركياً بقناعٍ عثماني، فإذا نزعتَ القناعين عن الوجهين تداخلت أمام عينيكَ الوجوهُ والأقنعة حتى لا تكاد تعرف وجهاً من قناع!!
تنظر لظروف المنطقة وأوضاعها فتشعر أنه سدٌ أخير_وإن لم يكن منيعاً_ بينك وبين السيل الذي يوشك أن يُطَيِّن معالم المنطقة ليعيد بناءها حسب الخطة الجديدة.. ثم تنظر مرةً أخرى لظروف المنطقة وأوضاعها فلا تستبعد أن يكون هو ذاته دفقةَ ماءٍ شديدةٍ في هذا السيل الطامي!!
تتذكر (إنجرليك).. ومعها تتذكر التسعينات_وما أدراك ما التسعينات_حين أفتى علماء الدين وحَفَظَةُ الملة بجواز الاستعانة بالكفار في صد المسلمين المعتدين.. ثم تتذكر أنك أقنعتَ نفسَك حينها بصحة الفتوى من قبيل (الحديبية) و(ثلث تمور المدينة).. ثم ترى مآلَ الأمر بعد أن باض الكفارُ في ديارنا وفرّخوا، واتخذوا بلادنا قاعدةً لضرب بلادِنا، ولم يتركوا في نخيلنا تمرةً واحدةً إلا أكلوها ثم باعوا نواها لنا.. فلا تعرف هل المجازر التي حدثت بعد صدور الفتوى أقل حدة من المجازر التي كان يمكن أن تحدث لو لم تصدر الفتوى!!.. ثم تنتقل لمستوى آخر في المجازر لتقارن بين المجازر التي كانت ستحدث للمسلمين في تركيا وما حولها لو نجح الانقلاب وبين المجازر التي تحدث الآن للمسلمين في العراق والشام منطلقةً بعضُ أسبابها من تركيا.. فيهولك الأمر حين تكتشف أنك صرتَ تُفرِّق _في بحر الدماء دون أن تدري_ بين دم مسلمٍ ودم مسلمٍ آخر.. والمسلمون عدول تتكافأُ دماؤهم ويقوم بذمتهم أدناهم.
ثم لا تلبث أن تلعن هذا الوضع كله حين تكتشف أن مُنَظِّري الحديبية وعشاقَ فقه الواقع أوصلونا إلى لحظةٍ صرنا نوازن فيها بين إمكانية تقبلنا لسفك دماء المسلمين في الشمال وإمكانية تقبلنا لسفك دماء المسلمين في الجنوب.. وكأنه لا خيار أمام المسلمين إلا أن تُسفكَ دماؤهم بما جنته عقولهم!!
وحين تبتعد عن المشهد قليلاً ثم تُعيد التفكير فيه.. تكتشف أن النتائج التي تطلبها ليس لها منطلقات في أرض الواقع، وأنك تعيش وتفكر في صندوق مغلق اسمه (النظام العالمي) له منطلقاتٌ مضادةٌ تماماً للمنطلقات التي تتخيل أنتَ جريَانها في الواقع؛ فصرتَ _كلما رتبتَ نتيجةً على منطلق_ تشعر بلا معقولية النتيجة مع ذلك المنطلق؛ لغفلتك عن غياب المنطلق الذي تتوهم حضورَه.. حتى اجتمعت بين يديكَ مئاتُ(النتائج غير المعقولة) لمئات (المنطلقات المتوهَمَة).. ومع تتابع الزمن وتطاول الأمد تَسرّبَ إلى نفسك وترسّبَ فيها (لامعقوليةُ) منطلَقِكَ ذاته.. وإذ أنت بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يغلبك الشك في منطلقك فتكفر به وتصبح رقماً في صندوق النظام العالمي؛ وإما أن تكسر هذا الصندوق وتخرج إلى شمس الله المشرقة لترى منطلقاتك بنتائجها كشمس الله المشرقة!!
وقد غبرنا زمناً نطيع سادتنا وكبراءنا داخل الصندوق ملفِقِين وراءهم بين الأبيض والأسود ومُوفقِين معهم بين الظل والحرور ومساوِينَ بسببهم بين الظلمات والنور.. ولكي يتماشى الإسلام مع (صندوق النظام العالمي) جمعنا فيه الأشتات والأضداد والمتناقضات حتى صار أكثر دينٍ يجهله الإسلاميون هو الإسلام ذاته، وصارت المباديء كالسيدة الفاضلة التي يغتصبها أبناؤها بدعوى الحفاظ عليها.. وكأننا_ لشدة حرصنا على عدم تشويه الإسلام_ لم نعد مسلمين!!
أردوغان ليس أكثر من رئيس دولة علمانية وطنية ديمقراطية في صندوق النظام العالمي، يعمل بآلياته ويسير_طوعاً حيناً وكرهاً أحياناً_ بمنطلقاته.. إلا أن أصحاب الصندوق لا يريدون في هذه المنطقة الخطيرة (عقائدياً واقتصادياً) أحداً يمكن أن يزعجهم بمجرد التفكير في التعامل الندِّي معهم أو رفع رأسه لتُساوي رؤوسَهم، أو المساومة الشديدة في فتح الأسواق لمنتجاتهم وبضائعهم أو فتح القواعد لصواريخهم وطائراتهم.. ولأنهم يعرفون الخلفية العقائدية التي جاء منها أردوغان ومفاصلتَها للنظام العالمي، ويعرفون أيضاً أن مجيئه كان حسب قواعد النظام العالمي الديمقراطي؛ فإن خشيتهم من إمكانية خلخلة أسس النظام الفكرية من الداخل تظل مسيطرةً على نفوسهم وعقولهم وهواجسهم رغم ما يظهر من أردوغان بين الفينة والأخرى من مخالفة لأصوله العقائدية.. وحتى لو كان أردوغان عندنا وعندهم لا يبدو بهذه الصورة إلا أنه في تصورهم يمكن أن يكون تجربةً يُنسج على منوالها ويُسار على أثرها.. وهم لا يسمحون بالتجارب إن وصل الأمر للجذور ؛ فاستلهام الإسلام أو إعطاءُ بعضِ مَظاهِرِهِ شيئاً من حرية الحركة قد يُقبل في جزيرة العرب أو مصر أو الشام أو غيرها من المناطق التي يتعاملون معها حسب ظروفها.. ولكنه مخيف جداً في منطقة كانت_منذ تسعين سنة فقط_ عاصمة الخلافة الإسلامية ومقر راياتها الخفاقة.. وإن غاب هذا المعنى عن بعضنا في زحمة التصورات السياسية والاقتصادية فإنه لا يغيب عن الصليبيين وأحفادهم.. وكلهم صليبيون!!
***
لقد فشل الانقلاب.. لكن هل سينجح أردوغان؟!
الحمد لله على نعمة فشل الانقلاب.. ولكن هل سيأتي انقلاب آخر نقول فيه كما نقول الآن عن انقلاب مصر: الحمد لله على نعمة الانقلاب؟!
مقتل تركيا_غالباً_في جنوبها، كما أن مقتل العرب_غالباً_في شمالهم.. ثم تتكاثر المقاتل حتى لا تعرف من أين تأتي الضربات!!
سيعودون ثانيةً وثالثةً ورابعة.. بنفس الطريقة أو بطرق أخرى.. كما فعلوها بعد حملة الدردنيل الفاشلة في الشمال.. فَثوُّروا العرب في الجنوب ليسيطروا على تركيا من جنوبها.. ثم أسقطوا العرب في شمالهم بسوريا والعراق.. ليسيطروا بعدها على شمال العرب وجنوبهم وشرقهم وغربهم.. وعادوا وعدنا من حيث بدؤوا وبدأنا!!
أغلب ظني أن نجاح الانقلاب كان سيجعل من الخليج محطةً ثالثة له بعد تركيا والعراق والشام.. هذه طبائع الأشياء.. تطول الفترة الزمنية الفاصلة أو تقصر.. لقد كان فشلهم في الدردنيل مدوياً.. ولأنهم _كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم_: "أسرعهم إفاقةً بعد مصيبة وأوشكهم كرةً بعد فَرّة..." ؛ فقد أفاقوا في جنوب تركيا العربي وكروا بعد الفَرّة؛ فطوقوها من جهاتها الأربع ثم دخلوا الخليج ففتتوه إلى ما ترون.. وإنهم لعائدون لتفتيتٍ جديد!!
ومن أعجب العجب أن أردوغان _على ما فيه_ لا يزال حتى الآن، (أقول: حتى الآن) درعاً واقياً لصنفين من أعدائه: الذين يُبغضونه في الخليج، والذين يكفرونه في العراق والشام.. ولو اعتبر هؤلاء أن هذا الانقلاب الفاشل حملةَ دردنيل أخرى ثم نظروا إلى ما حدث بعدها من أهوال في العقد الثاني من القرن العشرين؛ لعرفوا ما الذي كان ينتظرهم إن سقط أردوغان.. ولا أدري والله كيف يفرح عاقلٌ بانهيار سَدٍّ كان يأتيه من بعضِ شقوقهِ بعضُ غرق، ولو انهار لجاءه سيلٌ عَرِم.. وما فكرة (إدارة التوحش) بصالحةٍ في كل حين أو مجديةٍ في كل مكان.. وقد عرفتم ما ينتظركم فتجهزوا له.
***
تبدو تركيا الآن كمضمارٍ كبير يصهل فيه فرسٌ واحد: أردوغان
هذا هو الظاهر.. والباطن يعلمه الله، ثم المتحركون فيه!!
الأخبار التي تتوالى تباعاً تؤكد أن الرجل هَبّت رياحُه فاغتنَمَها!!
من سيسأله الآن عن إقالة آلاف القضاة والعسكريين ورؤساء الإدارات والمؤسسات؟!
من المستبعد عقلاً أن نصدق أن هذه الآلاف المؤلفة شاركت (فعلياً) في التخطيط لانقلابٍ فاشل كهذا.. لقد جاءته الفرصة على طبق من ذهب لتصفية حساباته السياسية مع أبشع مؤسسة عسكرية في الشرق، ثم مع الكيان الموازي.. حليفه القديم الذي أصبح _في تركيا الأردوغانية_ مشجباً تُعلق عليه كلُّ مشاكلها بحقٍ حيناً، وبباطلٍ أحياناً!!
لم أستسغ اتهام الكيان فور وقوع الانقلاب.. هذا أشبه باتهام(الإرهاب الإسلامي!!) بعد كل حدث عنيف في الغرب قبل التحقيق فيه!!
الجميع مقتنع بتورط هذا الكيان.. وأنا منهم.. ولكن لا أظن أن عاقلاً يحتاج إلى كثير تدبر ليعلم أن الدول العربية والإقليمية والعالمية التي نجحت في وأد الثورات العربية أو تعويقها كانت هي المحرك الأول لهذا الانقلاب الفاشل.. وحين يخرج الرئيس بعد ساعةٍ من بدء الانقلاب ليتهم الكيان الموازي تحديداً؛ فإن اتهامه هذا ليس أكثر من تُكأة أُحسِنَ استخدامها لضرب (البردعة) بدلاً من (الحمار) الذي يحتاج ضربُه أو مقاومتُه وقتاً وجهداً غير متوفرين الآن!!
لا تلتفت كثيراً للدعايات التجميلية التي تجعل (العقائديةَ) سبباً في معاداة أردوغان للكيان الموازي.. فلا غولن هو الشيطان الرجيم الذي يناهض أردوغان بسبب الإسلام، ولا أردوغان هو الملاك الرحيم الذي يحارب غولن للدفاع عن الإسلام.. هي مصالح سياسية قد يكون خلفها شيٌ من بُعد فكري قومي توافقت حيناً فتحالفا، ثم تضادت فتنافرا.. وقديماً قالت العرب:"لا يجتمع سيفان في غمد ولا فحلان في قَرَن"، وما إسقاط أردوغان لأحمد داوود أوغلو عنا ببعيد.. وإن من العَبَطِ العَابِطِ والخَبْطِ الخَابِطِ أن يُدخِلَ (إخوانُنا الطيبون) الدينَ في معركة بين رجلين لا فرق بينهما_في التصوف والعلمانية والتعامل مع الغرب والأخطبوطية التنظيمية والبراجماتية السياسية_ إلا كالفرق بين السبّابة والوسطى؛ يختلفان شكلاً وحجماً ولكنهما في النهاية إصبعان في يَدٍ واحدة!!
ربما أكون مخطئاً.. ولكن ضخامة الإقالات تدل على ضخامة الفرصة.. وهذا العثمانلي التائه (صَايعٌ) حقيقي رغم تيهه!! فمن الصعوبة بمكان أن نقتنع بمشاركة كل هؤلاء في انقلابٍ قُطِّعت ذيولُه في ثلاث ساعات فقط!!
هذه مَعَرّةُ الدهر لجيشٍ أنجحَ أربعة انقلابات في خمسين سنة، بعد أن أسقط قائدُه الأولُ نظامَ خلافة استمر أكثر من ألف وأربعمائة عام، وتجذرت فيه العلمانية الأتاتوركية تجذر الظفر في اللحم!!
لماذا فشلوا إذن ؟!
فتش عن القوة .. مبدأ الأمر ومنتهاه ، وما حولها أدوات مساعدة.. كلُّ أداةٍ بقدرها!!
الشعبُ بعد القوة.. والنخبة الحزبية العلمانية بعد الشعب.. ولا بأس عندي أن تضع نجاة أردوغان قبل الشعب وبعد القوة في الترتيب!!
لا تُغفل الشعب الذي خرج للحفاظ على كيانه من أوباش العسكر مصاصي الدماء.. ولكن قذيفة واحدة من طائرة انقلابية كفيلة بإعادة الناس إلى منازلهم ما لم تُسقطها قذيفة مضادة من مدفع أو طائرة موالية!!
لا تغفل رؤوس النخبة الحزبية العلمانية التي حسبت المكاسب والخسائر محمَلةً بذكريات سوداء عن انقلابات تركيا المتتابعة دون أن يكون شرف المبدأ عاملاً جذرياً في رفض الانقلاب.. فالشرف_غالباً_ كلمة لا محل لها من الإعراب في عالم السياسة.. والعلمانيون عامةً والشرقيون منهم خاصةً كدود الأرض؛ يتخلقون في الجِيَف ويعيشون عليها.. وإذا كانت الديكتاتورية بحراً فالعلمانيون أسماكه؛ إن خرجوا منه ماتوا.. وأغلب ظني أن مصلحة رؤساء الأحزاب تحديداً اقتضت البقاء مع أردوغان الذي يتهمونه_مناكفةً_بالديكتاتورية، بدلاً من الارتماء في أحضان الدكتاتورية العسكرية التي ارتموا في أحضانها سابقاً فعرفوا أنها كالفريك الذي لا يحب الشريك!!
هذه هي الأسباب الكبرى التي أدت لفشل الانقلاب في ظني.. ولو نجح الانقلاب لكان غيابُها سبباً في نجاحه سواءً بسواء!!
أما الذين يقارنون الشعب التركي في 2016م بالشعوب العربية في ثوراتها الحالية فهم مخطئون جداً.. ربما لأنهم لا يعرفون أن تركيا أمُّ الانقلابات وأبوها: انقلاب الستينات الذي افتتح دهليز الانقلابات العسكرية، ثم انقلاب السبعينات الذي سُمي (انقلاب المذكرة)؛ لأن العسكر لم يكلفوا خاطرهم بتحريك الدبابات؛ بل أرسلوا مذكرة للحكومة فسقطت دون أن يهتز شاربٌ تحت أنف أحد، ثم انقلاب الثمانينات الدموي، ثم انقلاب التسعينات الأبيض على أربكان ذي التوجه الإسلامي، والذي سُمي (انقلاب ما بعد الحداثة)؛ لأنه تم بهدوء_كالسكين في الحلاوة_ دون اعتراضٍ شعبوي أو نخبوي أو حلٍ للبرلمان أو تعليقٍ للدستور.
الشعوب نسقٌ واحد، أو تكاد تكون نسقاً واحداً.. لا يتظاهرون إلى الأبد دون قوة تحميهم أو قيادة واعية تُرشدهم وتُرَّشدهم.. وإذا كان لا بد من المقارنة فلنقارن الشعب التركي في2016م بالشعب التركي ذاته في1980م حين وقع الانقلاب الثالث على التوالي في مسيرة انقلابات تركيا الموعودة بانقلاب كل عشر سنوات تقريباً!!
استطاعت الدولة التركية العميقة تهيئة الأجواء الاجتماعية والسياسية لتقبل انقلاب السفاح كنعان إيفرين؛ فأشاعت الفوضى، وعرقلت مسيرة الديمقراطية المزعومة، وخنقت المجال السياسي العام، ودعمت إنشاء جماعات قومية متطرفة ذات توجه يميني ويساري، وساهمت في نشر الرعب والخطف والقتل وقطع الطرق والهجوم على مؤسسات الدولة وحرق مقرات الأحزاب والمقاهي والفنادق والمطاعم السياحية، وأشعلت الفتن الطائفية بين طوائف الشعب حتى وصل معدل القتل سنة 1979م إلى عشرين قتيل في اليوم الواحد.. إضافة إلى ترتيب المظاهرات والاعتصامات العمالية اليومية التي أدت إلى توقف المصانع عن العمل وتغول البطالة والفقر والمخدرات والدعارة!!
لقد تم تهيئة الشعب للانقلاب من خلال إشاعة الفوضى أولاً، ثم التركيز على تصوير المؤسسة العسكرية (خير أجناد الأرض!!) كملاذٍ آمنٍ للشعب التركي الذي لم يكن يدري_في عمومه_ أن مؤسسته تلك هي السبب المباشر في فساد وإفساد الحياة في تركيا!!
وقع الانقلاب المصنوع أمريكياً، واستقبلَه كثيرٌ من الشعب التركي بالترحاب والبهجة!!
ولو بحثتم في أرشيف تلك الأيام (لربما) عثرتم على نسخة تركية مشابهة لـ(تسلم الأيادي) و(قوم نادي ع الصعيدي) و(إحنا شعب وانتو شعب) و(إيفرين لعبها صح)!! .. وربما وجدتم أيضاً كلماتٍ لثعالبِ دينٍ تقول للعسكر (اضرب في المليان) و(ريحتهم نتنة) و(طوبى لمن قتلهم وقتلوه) .. أما جبهات الإنقاذ البرادعية النخبوية، ونشطاء السبوبة، والداعون إلى انتخابات رئاسية مبكرة، والسائرون نياماً في حزب (تركيا الطرية)، وأصحاب اللكلك الفارغ عن الوصاية العسكرية، والعلاقات المدنية العسكرية، والتافهون الذين ظلوا يكتبون بعد الانقلاب: (سليمان ديميريل سيء الذكر)، والصبيان الذين (للأسف كانوا يعرفون)، والسذج الذين كانوا يقولون:(إخوانا اللي فوق فاهمين.. وإيفرين في جيبنا).. وغيرهم ممن ابتُليت بهم مصر في ثورتها.. فيقيني أنكم كنتم ستجدون العشرة منهم بليرة في تركيا الثمانينات.
جلس الجميع على الخازوق.. وسكن الجنرالُ القصرَ بَدَلَ الثكنة ففسدت الثكنةُ والقصرُ معاً.. وبدأ عصر الإرهاب البشع باعتقال مئات الآلاف، ومحاكمة مئات الآلاف، وفرار الآلاف، وإقالة الآلاف، وإعدام المئات، وانتحار العشرات، وتقييد أسماء مليوني مواطن تركي واعتبارهم خطراً على الأمن القومي.. ولاحقاً قال إيفرين
في إشارة إلى من أُعدموا بعد الانقلاب:"هل كان علينا أن نطعمهم في السجن لسنوات بدلاً من شنقهم"؟!
وسقطت سمعة الأتراك إلى الحضيض حتى إنني لا زلت أذكر أن الصورة المتخيلة للرجل التركي في أذهان أبناء جيلي أواخر التسعينات لم تكن تخرج عن صورة (الحلاق الماهر) و(معلم الشاورما والمشاوي) و(رجل العصابات) الشرير الذي يظهر دائماً بين فتاتين جميلتين شبه عاريتين!!
تغيرت الصورة تماماً بمجيء أردوغان.. واستطاع الرجل أن يذيقهم قدراً كبيراً من عسيلة الأمن والأمان والرخاء والحرية والرفاهية.. مع عودة الإحساس القومي بالعنصر التركي الذي ساهم في حكم الدنيا منذ اصطنعه المعتصم ابن(ماردة) التركية وهارون الرشيد العباسي، مروراً بسيطرته على مقاليد الخلافة، وانتهاءً بسقوطها به ومعه!!
الشعوب إذن تتغير بتغير العوامل سلباً وإيجاباً، والتهيئة النفسية لتقبل الانقلاب على أردوغان لم تحدث، وإن كان حدث بعضُها فلم تؤت ثمارها؛ لأن أردوغان عمل _بما قدمه للشعب منذ 2002م_ على تهيئته نفسياً واجتماعياً واقتصادياً لرفض أي انقلاب قادم.. وقد نجح مع الشعب التركي وفشل مع النظام الأتاتوركي!! ومجرد حدوث الانقلاب _رغم فشله_ دليل على ذلك.
القوة أولاً.. وما بعدها تَبعٌ لها.. وقد لا أكون متجاوزاً إن قلت إن (حالة الانقلاب وحالة إسقاطه معاً) حدثتا داخل إطار الدولة بين جناحيها المتصارِعَين المسلّحَين قبل حضور الشعب.. وكان الجناح الأضعف ناصراً والأقل عدداً هو جناح أردوغان الذي قَوّى حضورُ الشعب_بعد ذلك_ ضعفَه وأكملَ نقصَه؛ فرجحت كفة فشل الانقلاب على كفة نجاحه.. وقد رأيتُ ورأى غيري بعضَ اللقطات المصورة لمجموعة من الناس تخاطب _بهدوء وحكمة_ جندياً فوق دبابة.. وكأنها تستثير فيه النخوة الوطنية ليعود من حيث أتى.. كان الجندي يرد عليهم بلامبالاة واضحة حتى جاءت مجموعة من الشرطة (المسلحة) أو القوات الخاصة التابعة لأردوغان مصحوبة بالتكبيرات والهتافات؛ لتتغير نفسية الناس وتتصاعد داخلها وتيرة الرفض ثم تعتلي الدبابة وتساعد في اعتقال الجندي!!
في مصر.. كان الثوار يفعلون ذلك مكتفين باستثارة وطنية الجنود والضباط؛ لأنه لم يكن بجانبهم شُرطي مسلح يساعدهم في اعتقال الجندي المسلح.. وقد اكتشفوا بعد تجربة مريرة أن الرجل العسكري لا يقتنع _غالباً_ إلا بالقوة، وأن الوطنية عنده غير الوطنية عندنا، وأنه لا يفهم في حياته شيئاً غير إصدار الأوامر أو تنفيذها، وأنه لا يرى في المواطن المدني سوى طفل يتيم قاصر لا بد من وجود ولي أمر له يدبر شؤونه وينظم حياته ويحافظ على ماله.. (ويسرقه أحياناً.. أو دائماً)!!
عقلُ العسكري _إن كان يملك واحداً_ لا يعمل غالباً بذات الآلية المنطقية التي يعمل بها عقل المدني.. وليس أضيعَ من وقت تنفقه في إقناع رجل عسكري بالعدول _طوعاً_ عن أمر أصدَرَهُ لينفذه غيرُه، أو أمرٍ تلقاه لينفذه هو!!
لقد خرجت شعوب الثورات العربية بكثافة للحفاظ على ثوراتها من مصاصي الدماء، والمواقف التي شهدتها بنفسي أكثر من أن تُحصى.. بيد أن هذه الشعوب افتقدت لأمرين مهمين: القوة الحاسمة، والقيادة الواعية.. والعار _إن جاز أن نَصُبّهُ على رأس أحد_ فلن يُصبَّ إلا على رأس تلك القيادات التي فشلت _على سبيل المثال لا الحصر_ في الحفاظ على مظاهرة واحدة مثل مظاهرة رمسيس الضخمة.. والأمثلة بعد ذلك قاتلة للقلب والروح لا أحب الخوض فيها أو تذكرها!!
حالنا الآن يشبه _إلى حدٍ كبير_ حال تركيا في الثمانينات.. وليس حتماً أن نستغرق كل هذا الوقت لنصل إلى ما وصلوا إليه؛ فإن التغيير في كل منطقة مرتبطٌ بأحوالها ومواضعاتها وأنساقها.. وأغلب ظني أن المنطقة كلها مقبلة على تغييرات جذرية قد لا تُعطي الفرصة لتغيراتٍ تقليدية.. وإن ذلك لحسنٌ في عمومه رغم ما سيُصاحبه من أهوال!!
وأظنني لن أكون مبالغاً إن قلت: إن المقارنة بين أردوغان ومرسي _غفر الله له وفك أسره_ لن تكون في صالح أردوغان.. فمجرد حدوث الانقلاب بعد كل تلك السنوات من العمل والتدرج في التمكين؛ دليلٌ على فشل كبير يقع وزرُه على أردوغان وصحبه، خاصةً وقد اكتسبوا _من الخبرة الطويلة في الحكم_ عقليةً واعيةً تُحسن التصرف في الملمات.. وهو ما لم يتهيّأ لمرسي وصحبه.. وكلامنا هذا ليس فيه أدنى تبرير لأخطاء مرسي.. بل هو فَهمٌ خاص لا بأس عندي في مناقشته أو رفضه.
بيد أن أردوغان أحسن النهوض بعد عثرته، واستغل الفرصة لإحكام سيطرته.. ولأن الضعفَ مُسقطٌ للتبعات؛ فإن القوةَ مَجلَبةٌ لها.. وإني لأخاف على أردوغان ومنه في وقت قوته؛ أكثر مما أخاف عليه ومنه في وقت ضعفه؛ فما يُمكن أن يُعتَذَرَ به للضعيف قليلِ التمكين لا يُمكنُ أن يُعتذرَ به للقوي المتمكن.. إلا إذا أَدْخَلَنَا (إخوانُنا الطيبون) في متاهة درجات التمكين المتتابعة؛ فكلما تمكن من مِفصل قالوا بقي مِفصل؛ فإذا تمكن منه قالوا بقيت مفاصل.. وهكذا دواليك حتى تكاد تظن أن التمكين لا يتم إلا بامتلاك العالم!!
يبدو الأمر سابقاً لأوانه.. ولكني أظن أن أول ما سَيُقال بعد قليل: ها قد سيطر فكان ماذا؟!
ومقتلُ أردوغان في هذه الـ(ماذا)!!
لقد كسب أردوغان جولةً.. ولكنه يعلم أن أمامه جولات وجولات.. فهل سيخضع حفاظاً على مكتسباته معتبراً ما حدث (قرصةَ أذنٍ) إن لم يعتدل كما يريدون ستتبعها قرصات.. أم سيوغل في تحطيم القرص الصلب للدولة الأتاتوركية وصناعة قُرصٍ آخر في منطقة يعتبر الصليبيون العبثَ بأُسسها التي وضعوها مسألةَ حياة أو موت؟!
إن الهجمة الإعلامية الغربية الشرسة على إقالات وتوقيفات أردوغان للانقلابيين تدل على ما يمكن أن يحدث من هذه الخنازير الديمقراطية المتوحشة التي لم تنبس ببنت شفة حين حُكِم بالإعدام على رئيس جاء بالديمقراطية في الوقت الذي هاجوا فيه وماجوا لأن رئيساً جاء بالديمقراطية يحاول الحفاظ على مكتسبات شعبه الديمقراطية من العسكر أعداء الديمقراطية.. وقد بُحت أصواتنا ونحن نقول إن الديمقراطية عندهم ليست أكثر من صنم عجوة إن جاعوا أكلوه!!
لقد أذل أردوغان غلمانَهم؛ فأخرجهم أمام الكاميرات في صورة مزرية ناكسي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء.. جنرالات، عمداء، عقداء، قادة، كانوا قبل قليل ملء السمع والبصر؛ فأصبحوا لا يُرى إلا ذلهم وانكسارهم وحقارتهم.. وهذه صورة لا يمكن أن يسمح السادةُ بظهور أذنابهم فيها.
خطورة الصورة تكمن في ما تُرسّبُه في النفوس من معانٍ جديدة تكشف للناس أن هذه الطواويس المنتفخة يمكن أن يعتقلها (شابٌ ملتحٍ) مقيدةَ اليدين للخلف مطأطأة الرأس ذليلة النفس لا تملك من أمرها شيئا.. هذه الصورة كانت حكراً على المسلمين والعرب وأعداء الغرب عموماً.. فعلوها مع صدام، كما فعلوها مع آساد غوانتنامو، كما فعلوها مع مظاليم أبو غريب، كما فعلوها مع المجاهدين في كل مكان.. وربما تفعل الصورة ما لا تفعله الجيوش والأساطيل فتقتل النفوسَ وتُحبط العزائم قبل أن تتحرك الجيوش والأساطيل!!
وهاهو أردوغان يستخدم (أسلوب الصورة) لتتجذر في نفوس الناس إمكانيةُ تكرارها في أماكن أخرى.. وإذا سقطت هيبة الغلام سقطت هيبة سيده، وإذا سقطت هيبة السيد كان كالبعير الذي إذا وقع كثرت سكاكينه!!
بيد أن أردوغان في وضعٍ لا يُحسد عليه.. فهو إن اعتدل لهم اعوجّ للعالم الإسلامي وللفكرة التي يحرص على ارتداء عباءتها.. وفي ذلك مقتله عندنا!!
وإن اعوجّ لهم اعتدل للعالم الإسلامي وللفكرة التي يحرص على ارتداء عباءتها.. وفي ذلك مقتله عندهم!!
وهما أمران أحلاهما مُر.. غير أني لم أعد أستسيغ الفكر التلفيقي الذي يقوم على التوظيف المُريب للحديبية، وثلث تمور المدينة، والفترة المكية، وفقه الواقع، ودرء المفاسد المقدم على جلب المصالح.
لم أعد أستسيغ أن يخبرني (إخوانُنا الطيبون) أنني إن لم أقبل قتلَ مائتي مسلم في (منبج) فإن ثلاثمائة مسلم سيُقتلون في (طرابزون).. وكأن حُسن السياسية لم يعد يمر إلا على أشلاء المسلمين!!
أعرف أن الواقع مربكٌ ومتشابك.. ورفع سقف التوقعات يُنتج _غالباً_ إحباطاً ويأساً، ولكن حَصْر الناس بين السيف والجدار مناقضٌ لسنة التدافع الثابتة.. ومن المعيب أن يُنجينا الله من الغرق بمعجزة ثم نكون كالذين قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة !!

الأربعاء، 13 أبريل 2016

إنهيار آخر حصون العقلية الاستعلائية المصرية



كتب عصام شرارة

أتذكر وأنا في بداية مرحلة الشباب أني كنت أجد صعوبة كبيرة في تمييز وفهم كلمات أغاني فيروز باللهجة اللبنانية و انت هناك كثير من الكلمات التي حفظتها خاطئة ولم اكتشف ذلك إلا بعد خروجي من مصر واحتكاكي بمعظم الجنسيات العربية عن قرب وبمرور الوقت استطعت فهم اللهجات المختلفة والأهم استطعت فهم الفروق النفسية والشخصية بين هذه الجنسيات ومنها بالطبع جنسيتي المصرية التي تعلمت عنها أشياء لم أكن أعلمها قبل خروجي من مصر .

غذى الإعلام الناصري وما بعده وما تم حشوه في الكتب الدراسية عملية التمحور حول الذات في الشخصية المصرية وبناء حصون للشخصية الاستعلائية التي ترى نفسها أفضل من محيطها العربي بل وأحياناً الدولي استناداً إلى (التاريخ و الجغرافيا) و(أسبقية المدنية والتحضر) و(الثقافة) و(الإعلام) و(الريادة الدينية) و(الجيش ، مصدر الفخر الوطني المبالغ فيه) .

بدأ اغتراب المصريين وسفرهم للعمل في الدول العربية منذ الخمسينات في القرن الماضي ولكنها كانت في معظمها عمليات إعارة لموظفين كالمدرسين والقضاة ثم تلتها في الستينات خروج كثير من أعضاء الإخوان المسلمين هروباً من بطش السلطة ولكن معظم هذه الحالات لم تكن تمثل احتكاك شعبي حقيقي بين الثقافات العربية ولكني أعتبرها احتكاك نخبوي استطاع من خلاله المصريون التأثير في الدول التي سافروا إليها ولكن لم يحدث العكس وظل المصريون يجهلون طبيعة محيطهم العربي وكل الأفكار عنه تكونت من الأفلام السينمائية بمبالغاتها الكوميدية .

في منتصف السبعينات وبعد حرب 73 وما تلاها من أزمة اقتصادية طاحنة وحالة تضخم كبيرة جداً أدت لإزاحة معظم الطبقة الوسطى للأسفل بدأت موجة السفر والاغتراب الكبرى والمستمرة حتى الآن والتي اتسعت لتشمل معظم دول العالم ولكن يظل الجزء الأكبر منها في دول الخليج العربي ومن قبل كان في العراق وليبيا ، وأدى ذلك لاحتكاك شعبي حقيقي وعلى نطاق واسع ، وشهد هذا الاحتكاك الشعبي الواسع للثقافات على مدى سنوات تقترب من الأربعين مراحل عدة بدأت بتحصن المصري بكافة حصونه الاستعلائية نظراً لأحوال الدول العربية وخاصة الخليجية وتأخرها التعليمي والحضاري في البدايات، ثم مع مرور الزمن بدأت حصون هذه العقلية الاستعلائية تنهار واحداً تلو الآخر نتيجة قيام المحيط العربي بالتحرك للأمام مع ثبات مصر وممارستها الحركة في المحل وأحياناً الرجوع للخلف.

أول الحصون إنهياراً كان (أسبقية المدنية و التحضر) نتيجة ما رآه المصريون من تطور سريع في دول الخليج في مجالات العمران والتعليم والصحة والخدمات التي تقدم للمواطنين وتطور الحياة المدنية والنظافة والتنظيم في الشوارع مقارنة بالانحدار الذي كانت تسير به مصر .

ثم أتى الدور على حصن (الريادة الدينية) التي كان يمثلها الأزهر، فبعد عملية الإخصاء التي قام بها عبد الناصر للأزهر اضمحل دوره كثيراً وفي نفس الوقت أنفقت السعودية مبالغ طائلة على نشر ثقافتها السلفية وطباعة الكتب وتوزيعها وتعليم الدعاة فكان أن سيطرت الدعوة السلفية من نهاية السبعينات على الفضاء الدعوي في مصر وملأت الفراغ الذي تركه انحسار دور الأزهر ورداءة مخرجاته وتحوله إلى كيان بيروقراطي كجزء من الجهاز الحكومي المصري.

ومع ظهور الأقمار الصناعية بدأت الدول العربية في تطوير إعلامها وانطلقت الجزيرة التي تقدم إعلام مهني ومختلف تمام الاختلاف عن النمط الحكومي السائد وأظهرت تفوقاً جباراً دفع دولاً كثيرة للحاق بركبها مما أدى لانحسار دور الإعلام المصري المغرق في الذاتية والمقيد بشدة. إنهار إذاً حصن (الإعلام) في الألفية الجديدة وظهر الإعلام المصري بطيئاً متخلفاً في تقنياته وكوادره ومعالجاته وحتى مع ظهور القنوات الخاصة ظلت الفروق تتسع وتشعر الإنسان المصري أن التفوق الإعلامي لم يعد موجوداً.

ومع تطور الإعلام العربي وظهور وانتشار الإنترنت بدأ انهيار حصن آخر وهو (الثقافة)، فسنوات الجفاف الثقافي المصري وتسييس الثقافة أدى لانحسار الريادة واختفاء الرواد وأظهرت ثورة المعلومات أن الثقافة ليست حكراً لمصر والمصريين وأن الشعوب حولنا يوجد لديها مثقفون وأن اهتمامهم بالتعليم أنتج أجيال جديدة مختلفة تتميز ليس فقط بمحاولة الصعود المستمرة ولكن بتكون ثقافتهم نتيجة احتكاك بجنسيات وثقافات كثيرة سواء من العاملين في تلك الدول أو من خلال بعثات التعليم في الخارج لأبناء هذه الدول .

إنهيار الحصون السابقة ترك ندوباً في الشخصية المصرية وجرح كبريائها وجعلها تتشبث أكثر بآخر حصونها وهو (التاريخ و الجغرافيا) و(الجيش) وتحول الفخر الوطني إلى تغني بما مضى وتعظيم وإجلال مبالغ فيه جداً للجيش رغم أن الظروف تغيرت وثورة المعلومات أتاحت الكشف عن الكثير من عمليات تزييف التاريخ وكذلك الجيش المصري ومهامه وعقيدته تغيرت وأحوال مصر السياسية والاقتصادية لم يعد فيها ما يستحق الفخر بل في الحقيقة كنا في حالة انحدار مستمرة .

أتت الثورة في يناير 2011 لتملأ فراغاً موجعاً في الشخصية المصرية ولتصنع حصناً جديداً للشخصية المصرية وهو (الحرية و الكرامة) يعوض ما انهار من حصون ويدفع من جديد للريادة، وبقدر الصعود السريع لمشاعر الفخر بهذا الحصن بقدر السقوط المريع له وتحطيمه بأيدي أحد حصون الشخصية الاستعلائية المصرية وهو (الجيش)، وأثناء سقوط هذا الحصن إنهار حصن (التاريخ والجغرافيا) بعد انكشاف معظم عمليات تزييف التاريخ التي تعرضنا لها وحدثت حالة صدمة كبيرة وانفصال مؤلم بين حاضرنا وتاريخنا وتطورت لكراهية جزء كبير من المصريين لهذا التاريخ. هذه الصدمة الكبيرة والمؤلمة أدت لتمسك جزء كبير من المصريين بالحصن الأخير وتفضيل الخضوع له بكل مساوئه على أي بديل آخر، إنه نوع من تشبث الغريق بالقشة المتاحة والتي لن تمنعه من الغرق ولكنه يريد أن يوهم نفسه أنها ستفعل لذلك لا يصدق كل من يحذره منها.

و هنا وضع الجيش نفسه في موقف المنقذ للدولة والشعب وسيطر صراحة على مفاصل الدولة والحكم ولكنه لعدم كفاءته السياسية والإدارية ولأطماع قياداته هدم بيده الحصن الأخير للشخصية الاستعلائية المصرية ، وتوالت الشواهد على هذا السقوط والناس لا تريد أن تصدق وتمر بمرحلة إنكار عنيفة نزعت العقل والمنطق منهم ولكن في النهاية انتصرت الحقائق وكان موضوع التخلي عن حقوقنا في النيل ثم التخلي عن جزر تيران وصنافير بمثابة صدمة الإفاقة وبداية لانهيار الحصن الأخير.

الشخصية المصرية الآن في حالة صدمة وتشتت وشعور مر بأنه لم يعد لديها شئ لتستند عليه وأن صورتها الذهنية التي تكونت على مدار عقود طويلة انهارت وظهرت صورة قبيحة يستخف بها العالم كله ويتطاول عليها من كنا نعدهم بالأمس عرب أجلاف.

معضلة كبيرة وصدمة حضارية من الصعب جداً علاجها أو توقع نتائجها على المدى القصير والطويل.

كان الله في عون مصر والمصريين...

الجمعة، 25 مارس 2016

ليته يسكت...



كتب الأخ عمار مطاوع -الذي أتابعه متابعة أحادية الطرف ولا زلت- منشورا عن موقفه من الشرعية وعودة الدكتور مرسي والاصطفاف والانقلاب والتجربة الإسلامية ممثلة في الإخوان، وقد شاركت منشوره مصحوبا بتعليق مني يفسر لم كنت أرى أن بعض منشورات عمار صادمة بالنسبة لي، فقد جمع في منشوره سالف الذكر ما يشير إلى سطحية في معالجة الأمور وافتقاد للرؤية، وظننت أن مشاركة المنشور بهذا التعليق كافية لتوصيل الرسالة، وعلى رغم ما قد كتبه في مواضيع أخرى -ورأيته صادما- إلا إنني لا أتذكر أنني علقت عليه أو أوضحت وجه الخلاف، بيد أني شعرت أن هذا المنشور تحديدا له عظيم التأثير على أسس تحديد معالم الصراع وميدان المعركة الحاليين، ويشتت الصفوف بدلا من حشدها، فعمار له متابعون كثر، ومن حيث أن بعض الإخوة قد راجعني في تعليقي على منشور عمار اختلافا معي وتأييدا له، فقد رأيت أن أكتب هذه الكلمات ببعض التفصيل شارحا لماذا أخالف ”قناعات“ عمار حسب وصفه.

"باختصار.. أنا عمر مشكلتي مع السيسي ما كان ليها أي علاقة بالدكتور مرسي، ولو السيسي كان سيطر ع البلد بعد 30 يونيو، وأدار المشهد من غير غشومية وظلم واصطفاء للأوساخ.. ماكنش هيبقي عندي أي مشكلة حالية معاه، وبالعكس كنت هأشوفه تصرف حكيم وإنقاذ للبلد.. لكن للأسف عمر ديل العسكر ما تتعدل.."

يبدأ عمار عرض قناعاته بتحديد أصل خلافه مع السيسي، والحقيقة أن خلافنا نحن مع السيسي ليس متعلقا بالدكتور مرسي أيضا، فخلافنا مع السيسي متعلق بداية وانتهاء بسطوه على حق الأمة وسلبه إرادتها في اختيار حكامها وتحديد مصيرها، وهو حق أصيل في كل المذاهب الفكرية والسياسية التي استقرت البشرية على قبولها عبر التجارب الانسانية والاجتماعية المتعاقبة، وهو أيضا أصل من أصول السياسة الشرعية في الإسلام، وللدكتور حاكم المطيري تفصيل نفيس في هذا الباب في كتابه (الحرية أو الطوفان)، وكذلك أوضح الدكتور الريسوني في مقالته (إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ)، فلا أدري ما هي المرجعية الفكرية التي استقى منها عمار قناعته التي ذكرها.

أما عن ”الغشومية والظلم واصطفاء الأوساخ“ فهذه جرائم يستوي فيها كل من ارتكبها بصرف النظر عن الطريقة التي وصل بها إلى السلطة، أي أن ارتكاب تلك الجرائم لا ينزع شرعية ولا الامتناع عنها يجلب شرعية، بل إن الكلام الذي ساقه عمار في معرض توضيح الحد الذي يقبل أو يرفض به فعل السيسي ليس إلا مغالطة منطقية معروفة، وهي المجادلة بالنظر إلى النتائج، وذلك لأن دعم قضية ما اعتمادا على انتهائها بنتائج مرضية لا يدل على أنها صحيحة، فالمجادلة هنا تعتمد على مناشدة آمال الجمهور، وكما يقول ديفيد هاكيت فيتشر: ”لا يلزم من الصفات التي ترافق النتيجة أن تنتقل إلى السبب“

"أنا مش مع مطلب عودة مرسي، وشايف إن شعار الشرعية نفسه حاجة هلامية مش مفهومة، ومش عارف الشرعية بتاعت شخص بتحتاج إيه أكتر من نزول كذا مليون ضده عشان يقولوه ارحل!"

يعود عمار مرة أخرى إلى شخصنة المواقف، معتبرا إن سوء مرسي يقف عائقا أمام المطالبة بعودته، ولو أنه أرجع الأمر إلى أصله، لأدرك أن مطلب عودة مرسي ليس مرتبطا بشخص مرسي وإنما يتعلق بمبدأ إنفاذ رغبة الأمة واحترام اختيارها، وهو المبدأ الذي يجب أن ينسحب على كل من يشغل منصب الرئاسة باختيار الشعب.

ثم يقع عمار في مفارقة عجيبة حينما يدعي إبهام شعار الشرعية حينما يطالب به المطالبون، بينما يقبل نزع الصفة حينما يعترض المعترضون، أليس عجيبا أن نلغي شيئا لا نقر وجوده ابتداء!

ثم إن الملايين التي خرجت على مبارك لم تنزع عنه الشرعية حتى يقاس عليها الملايين التي خرجت على مرسي، مبارك لم يكن يوما حاكما شرعيا، هو فاقد للشرعية ابتداء، أي أن الخروج عليه لم ينشئ صفة فقدان الشرعية، بل كان الخروج عليه ممارسة عملية -تأخرت كثيرا- لحق الأمة في إقرار اختيارها ورفض ما دون ذلك.

"حاجة أهم، أنا مش بس مش مع مطلب عودة مرسي.. أنا ضد المطلب ده، ولو رجع تاني هأنزل ضده، ورافض تماما إن أي طرف من أطراف الأزمة يكون علي رأس الأمر، وشايف إن اول خطوة في حل الأزمة دي هيا إن كل وجوهها القديمة بما فيها البرادعي ودرويشه تختفي، وكل خياراتهم ومعاركهم تتهد.."

يخلط عمار بين حق الأفراد في ابداء الرأي، وبين استخدام المعارضة لهدم ما توافقت عليه الأمة جميعها، فقد توافقت على طريقة اختيار الحاكم، وطريقة محاسبته، وطريقة استبداله، ولم تستنفذ سبل المحاسبة والاستبدال حتى ننظر في وسائل أخرى كضرورة تبيح المحظور، ثم إن قبول مبدأ الخروج على أي حاكم شرعي بمجرد الاعتراض على سياسته وأفعاله ليفتح باب الفوضى والاضطراب، ولن يستتب الأمر لحاكم، ولسوف يعود ذلك على الأمة بالفشل وانعدام الاستقرار.

ثم يقع عمار في مأزق عويص عندما يساوي بين أطراف الأزمة في ضرورة الاختفاء من المشهد، حيث يرى أن الشعب ليس طرفا في الأزمة، ويسوق ”هدفا“ وهو الاختفاء على أنه ”خطوة“ في الحل، فالخطوة هي جزء من أفعال يراد من تنفيذها تحقيق الهدف، فكيف يكون الهدف في حد ذاته جزءا من نفسه! ثم إنه يرى أن الباغي والمبغي عليه مخطئان، وهو بذلك يخالف سيرة خليفة رسول الله عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويطالب بمعاقبة الباغي والمبغي عليه، كالمدرس الذي يعاقب التلميذين الضارب والمضروب، أو الأم التي تحرم طفليها من لعبة أحدهما لأن الآخر نازعه فيها، منطق غريب لا ينصر حقا ولا يردع باطلا.

"معلومة كمان، أنا شاركت في مظاهرات ضد مرسي أيام تكريم طنطاوي، وقلت لأ في استفتاء 19 مارس"

وما زال استفتاء 19 مارس مطية كل من يريد اثبات نفاذ بصيرته وصحة اختياره بادعاء أنه قال ”لا“ في الاستفتاء، ولا أدري لماذا يصر هؤلاء على التعامي عن حقائق واضحة كالشمس، الخطأ لم يكن خطأ المفاضلة بين ”نعم“ و ”لا“، بل كان قبول الاستفتاء من الأساس، وقد وقع الجميع في هذا منذ لحظة مغادرة الميدان والموافقة ضمنيا على تسليم الدفة للمجلس العسكري، الحقيقة الثانية أن المجلس العسكري وضع اختيارا واضح الخطوات وهو ”نعم“، وجعل الاختيار الآخر ”لا“ مبهما لا تعرف نهايته، فكان من الطبيعي بل والأصح أن يختار العاقل ما يعرف نهايته وكيف السبيل إلى بلوغها، وأن يرفض كل الخيارات التي تدخلنا في متاهات أخرى، أما الحقيقة الثالثة وهي الأكثر تسببا في الوضع الحالي، أن العسكر لم يلتزم بما استفتى الناس عليه، ولم ينفذ خارطة الطريق التي تفرضها ”نعم“، ثم نعود مرة أخرى إلى نفس المغالطة المنطقية الأثيرة لدى عمار، وهي المجادلة بالنظر إلى النتائج، فهو يفترض صحة خيار ”لا“ بالنظر إلى نتيجة خيار ”نعم“.

"أنا نزلت رابعة، نزلت بعد أهلي بحوالي أسبوع، بس لا نزلت عشان عودة مرسي، ولا عمري رددت هتاف بيطالب بعودته"

لماذا نزل عمار رابعة؟ مبلغ علمي أن حتى تلك اللحظة لم يكن السيسي قد ارتكب ما يدعي عمار أنه سبب معارضته للسيسي، ”الغشومية والظلم واصطفاء الأوساخ“! فلماذا نزل عمار؟ يبدو أن عمار يحتاج إلى إنعاش ذاكرته بجهد أكبر من جهده في إقناعنا بأنه لم يغير أفكاره أو يتحول حسب قوله.

"وبجملة الاعترافات بقي، أنا مش ضد الاصطفاف في ذاته، أنا بس ضد العنجهية اللي بيتعامل معانا بيها التيار العلماني الوسخ، وضد التذلل اللي بنشوفه من رموز التيار الإسلامي اللي بيمثلونا في أي قناة أو حوار أو اتفاق.. رافض إنهم يحسسونا إنهم بيمنوا علينا عشان إحنا اللي في المعمعة وفي وش المدفع ومحتاجين النصرة.."

الحقيقة أن الجملة الختامية التي أكد عليها عمار بقدر ما هي مؤسفة، إلا إنها تتسق تماما مع مجمل منشوره، الاهتمام بالشكليات والتغاضي عن الأسس، الخلط بين الحق والباطل بدلا من المفاصلة، فليس غريبا على من اعترض على السيسي لغشوميته، أن يبدي تقبله لمؤيدي السيسي إن تنازلوا عن عنجهيتهم.

بقي أن أقول لعمار أن عنجهية الليبراليين المزعومة، هي العزة بالإثم المذمومة، والتي أرجو من الله ألا يصر عليها، وأن يعود إلى جادة الصواب فيقول الحق، أو ليته يسكت.

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

تأصيل شرعي حول الديمقراطية للعلامة الحسن الددو


- الديمقراطية كلفظ يعبر عن أيدولوجية تحيل الحكم إلى آراء الناس "فقط" ليست من الإسلام في شيء.

- الديمقراطية تطلق على غير الايدولوجية أيضا، وهي الوسيلة وآلة التطبيق.

- أسلوب الحكم في الإسلام هي الشورى، ليس فيها استبداد ولا إكراه ولا أذى لأحد.

- الشورى في الإسلام لم يحدد الله آلة تطبيقها في كتابه، ولم يحددها الرسول عليه الصلاة والسلام، ووسيلة تطبيق الشورى اجتهادية،

- اجتهد الصحابة في تطبيق الشورى فنجحوا، لكن ظروفهم ووسائلهم ليست لدينا.

- ليس لدينا طائفة محصورة نشهد أن الله قد أحل عليها رضوانه الذي لا سخط بعده أبدا، وأنها من أهل الجنة، ليس لدينا شخص واحد من أهل بدر ولا شخص واحد من بيعة الرضوان وليس لدينا واحد من العشرة المبشرين بالجنة.

- ليس لدينا غضاضة أن نستورد أي وسيلة لتطبيق الشورى لم يرد النهي عنها، فالوسائل تعرض على الشرع، فإذا أذن الشرع بها فلا جرم وإذا سكت عنها كذلك، وإذا نهى عنها تركت، سواء كانت من حضارة العرب معروفة لديهم أو كانت مستوردة من حضارات أخرى

- النبي استورد من الحضارات الأخرى فكرة الخندق والمنبر والخاتم

- الغربيون سبقونا إلى التداول السلمي على السلطة، ورقابة الحاكم، واختيار لممثلين عن الشعب في التصرف في الملك العام على أسلوب مدني حضاري لم يرد عنه أي نهي شرعي ولا يصادم أي حكم شرعي، فليس لدينا أي غضاضة من استيراده.

- لا حرج من تسمية آلية تطبيق الشورى ديمقراطية فلا مشاحة في الاصطلاح.

- الشورى أو الديمقراطية على مقامين أو مستويين، المقام الأول هو ما يتعلق بالنيابة عن الناس في التصرف في أملاكهم، فالله ملكنا ما في الأرض.

- الملكية فردية أو جماعية.

- الأملاك الفردية ليس للمسلم أن يتصرف فيها ولو كانت ملك كافر، ولا أن يجبره على التصرف فيها على خلاف ما يرغب.

- المال العام مشترك بيننا جميعا، مشترك بين المسلم والكافر والبر والفاجر، فلا تحل مصادرة رأي أحد منهم فيه.

- لا يمكن أن يجتمع جميع الناس ليتفقوا كيف يتصرفوا في المال المشترك كثروات البلد المشتركة.

- لا بد من اختيار وكيل عن الناس يمثلهم في التصرف في المال العام، وهو ليس بالضرورة أن يكون مسلما أو عدلا أو رجلا أو ذكرا، بل هو وكيل يجوز أن يكون كافرا أو امرأة أو صبيا أو فاسقا بحسب العمل الذي يوكل عليه.

- هؤلاء الوكلاء يسمون في الشرع العرفاء، وهم موكلون في التصرف في المال العام والحقوق المشتركة، وهم المسمون النواب، وهم المستوى الأول، وليس لهم الحق في تحليل الحرام ولا تحريم الحلال.

- النواب لهم الحق في الموافقة على الصفقات والعقوبات وتحديد الرواتب والرقابة على الحكومة وفي الأنظمة الدنيوية التي يتعامل بها الناس، ومن هنا يمكن تسميتهم سلطة تشريعية.

- المستوى الثاني هو الحاكم، واختياره من الناس، ولا بد أن يختاروا الأصلح والأرشد، فإذا وجد رجل صالح رشيد كاف قائم بالحق لم يعدلوا عنه.

- إذا لم يوجد من يجمع الصلاح والسياسة اختاروا من يحكمهم من غير إكراه ويحددوا له مدة.

- من يختاره الناس ليس خليفة رسول الله ولكنه وال على هذا البلد فقط لمدة محددة على عقد بينه وبين الشعب إذا خالفه فقد نقض العقد، هو أجير عند الشعب.

- ولاة الأمصار أو حكام البلاد لهم السمع والطاعة في المعروف، وينصح لهم ويدعى لهم بالخير، فإذا تعدى أحدهم صلاحيته أو تجاوزها فليس له سمع ولا طاعة في ذلك، وإذا انتهت مدته المحددة أيضا.

- وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ألا يبقى وال على بلد أكثر من 4 سنين.

- كتب عمر بن الخطاب في وصيته بعد وفاته ألا يبقوا له وال أكثر من سنة إلا الأشعري يمهلوه 4 سنين.

- إذا تغير الوالي الكبير (الحاكم) فلا بد من تغير من دونه، حتى لا يبقى أسلوب واحد يتكرر على الناس.

- من يستنكر هذا ويقول هذه هي الديمقراطية وهي عمل الكفار قل له نعم هذه هي الشورى وليس لنا وسيلة لتحقيقها إلا هذا.

من محاضرة العلامة محمد الحسن الددو....

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2014

منا بحب أمي...



أحد أكثر من أثروا في حياتي وتكوين شخصيتي رغم قصر مدة تعاملي معه (فترة 4 شهور) وكون التعامل حدث بعد مرور سنوات تحدد معالم الشخصية (32 عاما) هو الدكتور أسامة الحلواني....

أتذكر له موقفا لا ينسى عندما كنا نناقش صلاحية طبيب أمراض صدرية لإدارة قسم الطوارئ في أحد المستشفيات، حيث كان رأي الدكتور أسامة أن قسم الطوارئ "عايز دكتور صايع علشان يعرف يمشيه" وأن الطبيب الذي يديره آنذاك هادئ الطباع بطيء التفاعل، وكان النقاش مع طبيب جراحة يرأس أحد أقسام الإدارة في المستشفى، فقال تأكيدا على كلام الدكتور أسامة: "أصل الدكتور فلان، بص... أنا بحبه..." وأراد قبل أن يؤمن على كلام الدكتور أسامة أن يعتذر من حيث أنه سيوجه النقد لاحقا، فما كان من الدكتور أسامة إلا أن قال مقاطعا : "طب منا بحب أمي... أجيبها تمسك الطوارئ!"...

يومها "فطست على روحي من الضحك"، واليوم لا يزال من يخلط بين حبه للأشخاص، وبين اعتقاده أنهم مؤهلين لعمل ما...

فهذا ينافح عن الإخوان، وينكر كل اعترافاتهم الشخصية بما حدث، والتي تدل على سذاجة مفرطة، فتارة يسميها طيبة، وأخرى يذكر إخلاصهم وتضحياتهم، وهي أمور لا نخالفه فيها، ولكن ما شأن ذلك بكونهم مؤهلين لما اضطلعوا به! ما علاقة ذلك بنفي السذاجة والحماقة عنهم!

الطيبة ليست سذاجة...

والأفعال الناتجة عن الطيبة لا تتشابه أبدا مع الأفعال الناتجة عن السذاجة...

وكون الإخوان أفضل السيئين كتنظيم فهذا لا ينفي وجود من هو أفضل منهم أفرادا من خارجهم...

وكون الإخوان أفضل السيئين لا يمنحهم صفة التأهل لشغل ما شغلوه...

صدقوني...

أنا أحب الإخوان...

ولكن إدارة قسم طوارئ تحتاج إلى أكثر من حبي للست الوالدة...

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

ما هكذا تورد الإبل...


بعض الإخوة الحريصين على نقاء الراية والمفاصلة مع الكفار والاعتزاز بالدين بلغ بهم الأمر مبلغا شديدا من التكلف المنهي عنه...

وأغلبهم من المدلين بدلائهم في كل أمر بلا علم ولا بحث...

وآخر أقوال الإخوة هو تعليقهم على تقرير هيومان رايتس ووتش الخاص بمذبحتي رابعة والنهضة ووقائع القتل الجماعي خلال عام كامل تلى الانقلاب...

فقد رفضوا احتفاءنا أو قل اهتمامنا بالتقرير والنقل عنه، واتهموا المنظمة المصدرة للتقرير بخدمة الصليب وأن التقرير يفيد الانقلاب ولا يدينه، وأن حقوق الانسان لديهم لا تنطبق على المسلمين...

لذا وجدت من اللازم أن أوضح بعض الأمور لربما يرجع بعض الإخوة إلى الصواب أو نمنع سوء تفكيرهم عن العباد...

هيومان رايتس ووتش منظمة معنية بإصدار التقارير بعد الملاحظة والتحري والبحث والتحليل، وهي ليست جهة تملك قوة تنفيذية لتطبيق ما تراه من توصيات...

اتهام هيومان رايتس ووتش بالتغاضي عن الانتهاكات التي يتعرض لها المسلمون ليس صحيحا، وتقاريرها عن الأقليات المسلمة تشهد بذلك...

معايير حقوق الانسان لدى هيومان رايتس ووتش منها ما يتفق مع الإسلام، فلا بأس من مراعاتها والاعتماد على التقارير المصدرة بخصوصها، ومنها ما يختلف مع الإسلام كمسائل ختان الإناث وزواج القاصرات وتعدد الزواج وتأديب الأطفال وقبول الشواذ وصفة الحدود كالقتل والجلد وقطع اليد، وتلك المعايير لا يجب علينا تبنيها...

استئناسنا بالتقرير والنقل عنه لا يعكس تغيرا في درجة القناعة بما حدث، ولا تقديسا لكل ما يأتينا من الغرب، ولكن هو حجة على الغرب، مثلما نحتج على النصارى بما يرد في انجيلهم رغم إقرارنا بتحريفه، وهذه قاعدة في المناظرات والمحاججة بديهية، أن تلزم خصمك بما ينطق، وليس بما تقول أنت...

منهجية البحث وطرق التوثيق في التقرير قوية ولا نجد لها مثيلا في تقاريرنا...

لم يهون التقرير من فداحة الجريمة ولم يقلل أعداد الضحايا الموثقة، بل زادها، ولم يجزم بأن الأعداد المذكورة هي العدد الفعلي للضحايا، بل أكد على أن الأعداد المذكورة هي ما تمكنمن توثيقها...

انتقد التقرير مواقف الدول الغربية والمنظمات الرسمية من موقفها من المجزرة وتعاونها مع السلطات المسئولة عنها، وحدد أسماء قادة الانقلاب لتحمل المسؤولية والحساب عن الجرائم، وبين عدم تعاونهم مع عملية التقصي والبحث...

هناك خلط بين جمع الأدلة والقرائن وتوثيقها، وهذا ما قامت به المنظمة، وبين التقاضي والتحاكم...

لقد شذت أحكام الإخوة على كل موقف حتى حسبت أننا سنرى أقوالا هي من الغرابة أنها ستحاكي أحكام قراقوش المفتراة عليه...

الاثنين، 28 يوليو 2014

بين حسام ووائل



قرأت رد الفاضل حسام عبد العزيز على سؤال أحدهم: "استاذ حسام ما رايك في وائل عباس ؟؟"، ثم تعليق وائل عباس على الرد، وتفاعل بعض الأصدقاء على الرد والتعليق، فأردت أن أوضح بعض الأمور...

- لا أدري ما مراد السائل من الأساس؟ فكل ما يتعلق بوائل واضح ولا يختلف عليه أحد، ولا يحتاج للاستفسار عنه

- لا أعلم لم أجاب حسام عبد العزيز على سؤال مبهم الصيغة والسائل، أعلم أن الأسئلة المطروحة على الأشخاص في موقع آسك لا تنشر ولا تصبح معلنة إلا بعد الإجابة عليها، فلو تجاهل حسام هذا السؤال فلن يُعلَم ذلك ولا يُخشى أن يُتَّهَمَ بالجبن لعدم الإجابة، وأنا أعلم أنه لا يَخْشى الإجابة ولا يعجز عنها

- كان رد حسام عبد العزيز منصفا وفي غاية الدقة والعدالة، لكنه فتح الباب للساخرين منهم واللائمين منا

- تعامل وائل مع رد حسام بتعال، فهو يستنكف أن يظهر فرحا بثناء أحد من التيار الإسلامي عليه، ورغم أن حسام عبد العزيز لم يذكر ما يعيب وائل من وجهة نظرنا سوى ما يقر به وائل على نفسه ويفخر به، فقد رأى وائل أن ما يقوله حسام عبد العزيز لا يستحق سوى السخرية، حتى لو كان وائل يذكره كشهادة في حقه

- يبيح وائل لنفسه الحكم على كل من اختلف معهم وطنيا وحقوقيا وفكريا، بينما يرى أن التيار الإسلامي ليس من حقه الحكم عليه وهو يخالفهم شرعيا

- رد حسام عبد العزيز المنصف يتفق مع مبادئ العلمانية بأكثر من مواقف وائل من التيار الإسلامي كلها، فقد فصل حسام عبد العزيز بين خلافنا الشرعي الكبير مع وائل، وحكمنا على مواقفه الوطنية ورفضه الظلم، وهو من هذا الباب أنفع لنا ممن هم أكثر اتفاقا معنا شرعيا بينما هم على النقيض من وائل خيانة ودعما للظلم، بينما يرفض وائل هذا الفصل ويهاجم كل التيار الإسلامي، فأين ما يدعيه من ترك ما بين الإنسان وربه بعيدا عن التقييم السياسي والوطني!

- تعليقات أصحاب وائل ومتابعيه تؤكد مستوى الانحطاط والانحياز لدى كل من لم يتخذ الدين مرجعية...

الأحد، 8 يونيو 2014

كشف اللثام... عن القوم اللئام... (عن الذين بدلوا...)


في يوم حلف السيسي يمينا -أسأل الله أن يجعلها غموسا كسابقيها ويلحق به من أوصله لهذا الموقف- ليصبح رئيسا لجمهورية مصر المغتصبة، جاءتني نصيحة من صديق وأخرى من مخالف، خلاصتهما أن أوقف ما أكتب، بدعوى أنه غير ذي فائدة، والأخرى لأننا يجب أن نعين السيسي لانصلاح الحال وتوقف تدهور البلاد، وردا على النصائح لا الأشخاص أكتب هذا.....

إني ليحزنني أن يؤمل في ضال لاتبع طريقه، أو أن يخاف علي محب فيتمنى لي سلامتي في الدنيا عوضا عن نجاتي في الآخرة، فإن القدرة مناط التكليف، وما كان واجبا علي بحكم ما قدرت عليه من الكتابة والاستدلال والتفنيد والبحث وسلامة المنطق وبلاغة القول -أو هكذا أزعم- لم يكن لي التنصل منه والارتداد عنه، وإني لأخشى أن أكون قد فرطت في فعل هو أكبر من كلمة أكتبها وأقدر عليه، فهل يجب التقصير بالانسحاب!

اعلموا أنه لا يقع في كون الله إلا ما أراد، وأن سبب تسلسل الأحداث مبهم، كيما نتفكر ونتدبر، وإني لأرى في تأخير اندحار الظلم من العبر الكثير، ربما يكون أعظمها توالي المشاهد الدالة على ضلال طريق الانقلاب ودعم السيسي والرضا بفعله، إلى الحد الذي نوقن معه أنه من يهلك منهم فعن بينة، فلا عذر بجهل ولا بقلة عقل، فما من فعل نقموه على مرسي ولو بالظن، إلا وأتاه السيسي عن عمد وبلا مجال لحسن ظن، القتلى.... المعتقلون.... قتلى الشرطة والجيش.... إسرائيل.... أمريكا.... الخطابات.... التمثيل الدبلوماسي.... انخفاض احتياطي النقد الأجنبي.... تدهور سعر الجنيه.... قلة التحويلات من المغتربين.... انقطاع الكهرباء والماء.... شح الوقود.....استبدال قطر وتركيا بالسعودية والإمارات والبحرين والكويت وبقية الدول المانحة.... قانون التظاهر.... قانون الانتخابات.... قانون نزع الملكية.... إعلان دستوري يتيم مقابل حزمة قوانين نافذة.... محاكمات الضباط ومبارك ورجاله.... من أخونة الدولة لعسكرتها.... كلها آيات واضحة الدلالة لا ينكرها إلا من أبى واستحب الضلالة على الهدى....

لم يكن السيسي من رجال الثورة، بل كان من رجال مبارك، تولى على عهده رئاسة المخابرات، فكان خصما للثورة منذ موقعة الجمل، إلى كشوف العذرية، إلى تعهداته لضباط الشرطة والجيش بعدم الملاحقة، إلى استكباره أن يتم مراجعة ومحاسبة الجيش على ميزانيته.... كلها مواقف واضحة جلية.... ولم يسانده أحد من رجال الثورة.... بل فلول مبارك والحزب الوطني والمجلس العسكري، وشيوخ حرموا الخروج على مبارك، وشيوخ أباحوا التفريط في العرض لحفظ النفس، وشيوخ حرموا الوقوف للسلام الوطني قبل أن يقروه ارضاء للحاكم المتغلب....

إن أحوال من كانوا مع مرسي لا تخرج عن مؤمن يطلب تحكيم الشرع، أو ثائر يطلب حكم الشعب، أو محتاج يطلب حد الكفاف، أو حر يطلب الانعتاق والكرامة، أو كل ذلك أو بعضه، فما الذي تبدل مع مرسي حتى يبدل هؤلاء أحوالهم؟ فهل إن قصر مرسي في بعض ذلك أو كله استبدلوه بمن يعارض ذلك كله؟ جاء السيسي فلا شرعا حكم ولا شعبا مكن ولا حاجة كفى ولا كرامة حفظ، فهل يتبعه إلا الفاسقون؟ هؤلاء الذين سماهم الله منافقين لأنهم بدلوا عهده وميثاقه، وما لهم من عذر...، وازدادوا ضلالا بأن ساووا بين الضحية والقاتل، والمختار والمغتصب، والفاشل والمجرم، ضلال مغلف بحياد جائر وورع كاذب....

إن الحق واحد، والضلال كثير، فلا تبتئس بكثرة عددهم، ولا يخدعنك علو الباطل فإنما هو شأن الزبد، ولو أن هلاك الطغاة والأمم الظالمة في وقت ضعفهم، لقال الناس إنما ماتوا من هرم، وتلك سنة الحياة، ولكن يأبى الله إلا أن يملي لهم ليزدادوا إثما ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ومن لحق 
بنا منهم فإنما يفيده لشخصه ولا حاجة لنا به... فإن النصر من الله وحده... ولا يعجز ربنا أن يجري النصر على يد فرد واحد... يصدق ما عاهد الله عليه... ...

لا تسكتوا صوت الحق أبدا، فلو لم يكن للكلمة التي تقولونها من أثر إلا أن تكون حجة على هؤلاء اللئام لكفى، وعاهدوا الله لئن لقينا في سبيل كلمة الحق ما يكون لنرينه ما نصنع حتى تنفرد هذه السالفة، وأسألوا الله السداد، ولتعلموا أيها الثابتون على الحق أننا إن بدلنا... استبدلنا

الجمعة، 20 ديسمبر 2013

من وحي الثورة السورية



"لو شلنا السلاح الدم هيبقى بحور وندخل في حرب أهلية"

جملة تتكرر دائما بنفس التركيب، وهو ما يدعوك للاعتقاد أنها "اسطمبه" يتم ترويجها بلا محاولة لنقد يثبت صحتها أو خطأها، بل بلا أي جهد لتعريف كلماتها...

يفترض قائل تلك الجملة أن كون خصمك ينتمي لنفس الحدود السياسية لبلد ما فهو عاصم لدمه، بينما كونه ينتمي إلى الأرض التي تلي الحدود السياسية فهو سبب كاف لفقد تلك العصمة، إذا ما أقدم كلاهما على اتيان نفس الفعل الذي يبيح لك دفعه بالقتل إن لم يدفع بأقل منه، علما بأن الحدود السياسية غالبا ما تقسم مجموعات عرقية وجماعات قبلية تنحدر من دم واحد إلى شعوب تحمل جنسيات مختلفة، مثال ذلك أكراد العراق والشام وتركيا، وقبائل أولاد علي في مصر وليبيا، وعلى هذا الأساس، يصبح النوبي أقرب لابن قبيلة أولاد علي من ذلك المنتمي لنفس القبيلة التي في ليبيا!

إن مصطلح الحرب الأهلية اكتسب دلالة سلبية بكثرة استخدامه في سياق التخويف والذم، بينما في حقيقة الأمر، وحسب موسوعة السياسة "يعتبر اللجوء إلى الحرب الأهلية حالة قصوى من حالات حق دفع الظلم والثورة على حكومة أو فئة حاكمة أخلت بحقوق الشعوب والمواطن، كما جاء في دستور الثورة الفرنسية الصادر عام 1793، أو بموجب مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها المتضمن في ميثاق الأمم المتحدة"، وعليه فإن الحرب الأهلية لا تعد سوى وسيلة لا يحكم على صلاحها أو سوئها إلا بالنظر للهدف المراد تحقيقه وبانضباطها بقواعد الحفاظ على حقوق المدنيين والأسرى والمصابين.

والتزاما بمعايير المروجين للنظم العالمية والقوميات المبنية على الحدود السياسية غير المنطقية أو تلك المبنية على القوميات العرقية الأكثر منطقية، تصبح رسالة الإسلام دعوة لحرب أهلية بامتياز، فقد رأى فيها كفار قريش قوم النبي أنها تفرق بين المرء وزوجه وبين الولد وأبيه، وهو ما أتفهم أن يروجه العلمانيون والمحاربون للدين، بينما احتار حينما أرى من يعارض تلك الفكرة ثم يحذر من الحرب الأهلية بين أبناء البلد الواحد مهما كان سبب الخلاف وقدره، ومهما كان من بغي واعتداء من إحدى الفئتين على الأخرى.

إن نصرة المظلوم والانتصار للحق من أسس هذا الدين، وإن دفع الصائل المعتدي حق في الكتاب والسنة، بل مأمور به في غير موضع، فلا أجد مخرجا لمن يخشى الحرب الأهلية سوى أن يكون تمييز الحق من الباطل ملتبس عليه، أو أن يكون عالما بضعف المعتدى عليه وفقدانه أدوات الرد والردع، والواجب على من كان من هذين الصنفين أن يجتهد لاستبيان أي الفئتين على الحق، أو أن يسعى لامتلاك أسباب القوة، أما أن يتحصن بالتخويف من الحرب الأهلية، فلا ذلك مسلك المؤمن، ولا مسلك الرجال.

قال تعالى:"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم"

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

حركة أحرار .. رصدٌ و تحليلٌ مختصر ..


كتب إسلام أنور المهدي

أنا مهتمٌّ كما تعلمون بمسألة دقيقة تهمنا جميعا اليوم ؛ و هي «إدارة الطواغيت للحركات المعارضة» لاسيما الحركات ذات الطابع الإسلامي أو التي تزعم أنها إسلامية .

و قد خضتُ تجربة التحليل المتأخر و الموازي لحال الحركة الإسلامية في كتابي «عسل الخشخاش» و أسميتُ الكتاب كله باسم الفصل الذي تكلمتُ فيه عن «إدارة الحركة الإسلامية» .. لكن كلامي أتى متأخرا ليبين أسباب ما نحن فيه ! لذلك قررتُ أن أتكلم عن «حركة أحرار» اليوم كنوع تحذير من مصير مظلم ينتظرها ! تحذير لمنسوبيها و ليس تحذيرا منهم بالطبع !

إنني على معرفة ميدانية ببعض رموز الحركة قبل أن تنشأ –و ليس في الحركة رموز حقيقية- ، و التقيتُ ببعض قياداتها في المحافظات بعد نشأتها –و القيادة في الحركة معنى فضفاض- ، و عرفتُ كثيرا من أفرادها على أرض الواقع و في العالم الافتراضي على سواء .. و أتابعها عن كثب ! فهي حركة شبابية ! و الشباب قلب الأمة النابض ! و من لم يهتم بهم فهو غير مهتم بالأمة أولا و آخرًا !

و قد خلُصت من الرصد إلى تكوين فكرة صُلبة في نظري عن الحركة هي خلاصة رأيي فيها ؛ و سأسردها هنا باختصار ..

فالحركة تزعم أنها : واضحة المنهج ، نقية الراية ، ثورية التوجُّه ، مستقلَّة الإدارة ..
و ق تبين لي أن كل هذا مجرد زعم لا أساس له من الحقيقة !

فمع متابعة اجتماعات النشأة لم أجد دعوة لمنهج معين و لا توجه معين ! فقط كانت تتم دعوة المرشحين على أساس حماستهم و قدرتهم على العمل الميداني من تظاهرات و مؤتمرات و أشباه ذلك ! و لم يكن ثمة إطار أيديولوجي يمكن تسميته بالمنهج !

و إذا ادَّعت الحركة أن منهجها هو «مواجهة الهيمنة الأمريكية» فهذا زعم يزعمه الجميع بدءًا من الرفاق الشيوعيين و انتهاءً بالبيادات العسكريين مرورا بالطبع بأبناء المتعة الرافضة .. الجميع يزعمه بلا حرج ! و هذه الدعوى ليست منهجا في ذاتها ؛ بل هي موقف في قضية ! تشترك فيه الحركة مع أطياف واسعة ؛ أكثرها يكذب !
و أما ما يمكن تسميته منهجا فلم أجد له بيانا و لا توضيحا و لا حتى ذكرًا غير واضح ! بل دلَّني الواقعُ على أن المنهج لدى الحركة هو عباءةٌ فضفاضة واسعة مطاطة تعني في حقيقتها قاعدة «حسن البنا» الشهيرة : «نتفق فيما اتفقنا فيه ، و يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه» ! فهم يجمعون المتحمسين و الغيورين و رافضي الواقع من كافة ألوان الطيف : جهادي الفِكر ، الليبرالي ، من لديه مسحة اشتراكية و ربما أناركية ، و سائر الجماهير من الصنف اللامنتمي أيديولوجيا ! نعم ! فهم في نقطة المنهج لهم سلوكٌ أشبه ما يكون بمنهج من يسمونهم «الخونة» ! أشبه بالمنهج التجميعي المائع لجماعة «الإخوان المسلمين» !

و على ذلك فأين إسلامية التوجُّه ! لا أجد لها معنىً و لا دليلا إلا أن بعض مشاهير المنتمين ملتحين أو إسلاميو التوجُّه و لغة الخطاب ! بالطبع هم يقولون أنهم يدعون للإسلام اللامتحزب ! لكنهم في الحقيقة يصنعون حزبا جديدا متحيزا عن كل الأحزاب ! لأن اللاتحزب يقتضي معاونة كل صاحب حق في قضيته لا البراءة منه في أحلك ظروفه و خذلانه في حقوقه المشروعة –حقن دمه و دماء من معه- بدعوى ترك التحزب أو بدعوى أنه خائن !

حتى الاسم نفسه مطَّاط يدل على ميوعة المنهج ! «أحرار» : فالحرية ليست مطلبا في ذاتها حتى تكون مقيدة بالشرع ! و الاسم عنوان الراية ! و قد تسمَّى من قبل انقلابيو 23 يوليو بـ «الضباط الأحرار» فلم نر منهم يوم حرية واحد ! إلا حرية الكفر و الفسوق و العصيان !

و إذا كان المنهج لا وجود له و التوجُّه لا لون له ! فأين نقاء الراية ؟!

و هل نقاء الراية يأتي مع تبني مواقف 6 أبريل و حزب مصر الطرية في سلوك مسلك وسط بين المذبوحين و القتلة ! و حتى إذا لم تشارك الحركة في فعاليات ميدان سفينكس «الميدان الثالث» فإن ما تدعو له في وقت الأزمة و هو «التيار الثالث» إن هو إلا تيار ضرار ! ينحرف بالقضية عن بوتقتها الصاهرة و هي الصراع بين طواغيت قتلة و مسلمين مذبوحين ! ذات الانحراف الذي يظهر جليا في إنشاء الحركة لفعالية مكلفة أمام قصر القبة للاعتراض على الطرطور عدلي منصور دون فعالية مماثلة عند وزراة الدفاع للاعتراض على السيسي ! و لا أطالبهم حقيقة بالاعتراض على السيسي ! فلا أرى في الحركة قيادات تستطيع قيادة الجماهير ضد السلاح الحيّ ! و لكني أطالبهم أن يكفوا عن الانحراف بالمتحمسين إلى حيث لا نفع و لا فائدة و لا معنى !

و كل دعوة أو حركة ! ليحق لها أن تسمي نفسها «حركة» ينبغي أن يكون لها كتاب أيديولوجيا ! أو حتى دليل مباديء ! لا عبارات فضفاضة موهمة تجميعية و حسب ! و إن شئت الدقة فتوجه الحركة من ناحية وصفه بالإسلامية أيضا هو توجه فضفاض رقيق كتوجه جماعة «الإخوان المسلمين» التي يسمونهم بالخونة ! فهم ليسوا أصوليين و لا يتبنون قضايا الأصولية في العمل أو السمت ! و ليسوا منحلين لدرجة الصوفية أو غيرها ! هم في الحقيقة في براح الإسلام الليبرالي المتسامح أيديولوجيا !

إنني أخشى على الحركة أن يقودها الطاغوت إلى تدجين أو تكبيل المتحمسين و الغيورين ؛ و الانحراف بهم عن بوتقة الصراع كما استخدم جماعات و أحزاب قبلها لذات الجريمة النكراء !

و إن أنكرتم رأيي فهاتوا من أدبيات الحركة إثباتا للون أو طيف أو منهج صلب ! هذا لو كان لها أدبيات !

الحركة تجميعية تشجيعية إعلامية شارعية العمل بامتياز !
هي حركةٌ ناشئةٌ قوامُها شبابٌ متحمِّسٌ حار الدماء ..
سأقول أنها حركة معارضة ؛ و لن أقول ثورية ..
و سأقول أنها حركة أولتراس ؛ و لن أقول إسلامية ..

و أخطر ما جرى عند نشأة الحركة ؛ هو النوعية المستهدفة للضمّ و توقيت النشأة برمّته !

فقد نشأت في لحظة كُفر شباب الحركة الإسلامية بالديموقراطية لتُعلن أنها كافرة بها !

و نشأت في لحظة ظهور جيل جديد من المراهقين المتحمسين المتأثرين بأدبيات الحركة الإسلامية عامة و المعترضين على مواقف الحركة الإسلامية عامة ، نشأت لتجمِّع شبابًا يتشوف إلى أي جهة ينضم بعد بدء تفكك الجماعات القديمة و تفتتها بسبب مواقف قادتها المخزية !

نشأت الحركة لتقف في طريق تحول هذا الشباب المتحمس الساخط من اللامنتمي إلى الأصولية الصدامية ! فشاركت بدراية منها أو بغير دراية في وقف تيار البراءة و الثورة الذي تدعي الانتساب إليه ! و عرقلته إلى حين !

لماذا أوقفت مد البراءة –بمعنى التبرُّؤ- و الثورية ! لأن مواقف الحركة في الحقيقة هزيلة تنجرف بأتباعها عن بؤرة الصراع الحقيقي إلى صراعات جانبية تافهة ! و تحرم جماهير الصراع المشتعل من تلك القوة البشرية و هذه الدماء المتجددة !

و ما ابتكار فعالية ضد الطرطور عدلي منصور في أجواء مجازر السيسي منا ببعيد !
فإن الصداميين -بمعنى أشمل من مصطلح الجهاديين- ؛ إنهم يبرؤون من الديموقراطية ! و لا يطالبون بالشرعية الدستورية ! لكنهم انضموا –كثيرٌ منهم- إلى اعتصام «النهضة» يحمون إخوانهم في «رابعة» و يذودون عن حِمى الإسلام و يدافعون عن مظلومية أهله و يقفون حائط صدٍّ بين طواغيت الانقلاب و بين الفتك بالإخوان و من معهم في الميادين ومن بعدهم الفتك بكل ما له طابع إسلامي في ربوع مصر المحروسة بإذن الله ! لقد انضم الصداميون لاعتصام «النهضة» ؛ لا إقرارا لخزايا الإخوان السابقة و لا دفاعا عن جاهليتهم ! و لكن صحة موقف و ثبات قدم في موالاة المؤمن على قدر إيمانه و البراءة من باطله ! و مواجهة الفاجر حين صولته على المسلمين . فأين موقف حركة أحرار الطاعن في الظهر من موقف صداميي «النهضة» هذا ؟

و من الحقائق الواقعة أن الطاغوت لا يضرب جماعة أو حركة ناشئة في بداية تكوين نواتها الصلبة ! بل يكتفي برصدها لأنها ستوفر عليه رصد من يعتنقون مبادئها أو يوافقون على الانضمام لها ! ثم حين يرى أن الوقت قد حان ؛ يبدأ الطاغوت في حملة اعتقالات ليضع منسوبي تلك الجماعة أو الحركة تحت المجهر و ينتقي من سيصلح للعمل معه و من سيضع على رأسه علامة الإعدام الحمراء ! و هذا دوما هو السيناريو مع كل الجماعات و الحركات ؛ اللهم إلا التي يُنشئها الطاغوت من البداية كذراع لاعب ومن المخلصين له المدسوسين بين المعارضين !

و ما السجن في حقيقته إلا مختبر دراسات نفسية كبير ! خرَّج لنا حمدين صباحي و أبو الفتوح و برهامي و كذلك خرَّج هؤلاء البلطجية الذين يحكمون البلاد الآن و هم الأذرع التنفيذية للجيش و الشرطة و القضاء و أولياؤهم في قمع الناس و العسف بهم ! و غير هؤلاء كثيرٌ ممن زرع الطاغوت في نقاط ضعف شخصياتهم مفاتيح تحريك ؛ يقودهم بها إلى حيث يريد !

فلا تفرحن الحركة باعتقال أفرادها ! و لا تعدنه دليل براءة و صحة موقف ! إن الطاغوت يكمل خطة عمله المعتادة ! و لأنكم جمّعتهم على غير أساس صحيح و لا فرز مليح ! و لا توجد عندكم منظومة تربوية سليمة فسيخرج الكثيرون من السجون قنابل موقوتة في بناء الحركة أو ينفصلون عن الحركة تماما .

أقول هذا رأفة بكم أن أرى فيكم رزايا رأيتها فيمن تخوِّنُونَهم بالكلية اليوم من الإخوان ! و فيمن انزلقوا بالكلية إلى خندق الطاغوت كالدعوة السلفية ! أقولها و أنا كافر بالديموقراطية و الشرعية الدستورية معارض للإخوان ! لكنني اليوم في خندقهم أدافع عنهم على قدر الحق الذي عندهم و الحق الذي لهم .

فمن شاء منكم انتفع بكلامي ! و من شاء استمر في هروبه من خندق المسلمين ! على عيوب فيه و خطايا !

و الله الهادي سواء السبيل ..

الخميس، 31 أكتوبر 2013

مش هتغير صورة البروفايل؟


أبو إسماعيل!

أيه الاسم ده!
هو في حد بجد هيدخل انتخابات الرئاسة في مصر يكون اسمه كده!
معقولة صاحبي بيتكلم جد مش بيهزأ!
أبو إسماعيل!


هذا حديثي إلى نفسي حينما أخبرني صديقي Gamal Salama عن هذا الاسم باعتباره مرشحا قادرا على القيادة والوصول للسلطة، كان الاسم مطروحا مع ابو الفتوح والعوا، اسمان مألوفان لأذني، بعكس "أبو إسماعيل"، لكنها لم يصلا لدرجة إقناعي بقدرتهما على القيادة والوصول إليها بقدر ما كنت أتوقعه للبرادعي وقتها، وكان رد صاحبي أنه لا يرتاح لشخص شفاف لا يمكن تصنيفه أو معرفة رأيه في الأمور، فعند البرادعي في ذلك الوقت "كله ماشي"

لم أتعرف على حازم إلا بعد مواقف البرادعي المحيرة، التي أضحت تنتقص بسرعة من فرضية أنه الأصلح عبر معطيات لم تختبر على أرض الواقع بعد، فكان أول ما أشاهده لحازم لقاءه مع أحمد أبو هيبة الذي سجل في أغسطس 2011! وقد شاهدته بعد التسجيل بمدة!

أسرني اللقاء...

أدركت حقا أن اسمه "أبو إسماعيل"...
وجدت شخصا يفك بسهولة التشابك بين ضرورة تطبيق الشريعة واعتبار قبول المجتمع...
لا يخشى آراء الناس فيغير قوله ليوافقهم...
رأيت عالما لا يقول الزم بيتك ويخوف من الفتنة ويطالب الناس بالخنوع...
لأول مرة أجد من يجلي حيرتي...
ثم استمرت المتابعة والمراجعة والتحليل والدراسة... والتعلم منه... والحب...

تسعة أشهر أو تزيد هو ما احتجته لبدء البحث عن صاحب الاسم العجيب...

عشر دقائق أو يقل هو ما احتاجه ليسيطر علي بفكره وكلماته...
سنتان كاملتان وافقته خلالها على أرائه مرات...
وخالفته مرات أقل...
وسبقته في تكوين الرأي مرات معدودة...
وتوقعت المكيدة التي دبرت له لاستبعاده قبل أن تظهر للعلن...

قصتي مع حازم ليست مجرد صورة بروفايل...

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

المقدِّم .. القيادة من الخلف !

......................................


شتاء 1997 ..


بدأت حضور درس الخميس للمقدِّم بمسجد الفتح الإسلامي – مصطفى كامل – الإسكندرية ، و اجتاح القلقُ والدي على مصير نجله الفتى الملتحي ! فسأل صديقا له اتصال بضابط مخابرات حربية فأفاده : «شيوخ مسجد الفتح دول –الدعوة السلفية- ناس كويسين و محترمين ، ما فيش خوف منهم» ..فهدأ والدي نفسا و تركني أذهب كيفما شئت ! الطريف أن صديق والدي أخبرنا أن صديقه ضابط المخابرات الحربية ملتحٍ هو الآخر و مظهره سلفي للغاية ! –تذكر أخي القاريء أن هذا كان سنة 1997- !


صيف 1998 ..


بسبب بعض الأعمال الدعوية ؛ كنت أتردد على «مركز الهُدَى للدراسات» في منطقة سبورتنج ؛ و الذي يديره «أبو إدريس» قيم الدعوة السلفية ! و تعجّبت من هذا الرجل العادي جدا ، المنزوي جدا ، الذي يكتنفه الغموض ! و الذي يُشغِّل لديه طلاب علم نابهين في تحقيق و مراجعة الكتب ثم ينشرها باسم المركز ! ثم صار ينشرها باسمه هُو دون أسمائهم و دون أن يحصلوا أيضا على شيء من حقوق الكُتب ! تعجبت من هذا الذي جعلوه قيما للدعوة أي حاكمًا و هو على هذه الحال ! 


و ظل هذا التساؤل قائمًا في ذهني لم أجد إجابته إلا في صيف 2013 حين شهد عندي من كانت والدته زميلة دفعة أبي إدريس في كلية الهندسة أيام السبعينات ؛ شهد أن أبو إدريس كان مُدمنا لاقتحام مُصلَّى النساء في الكلية على غفلة بحجة البحث عن أشياء وهمية ! ليتطلّع إلى وجوه الأخوات المكشوفة و هن جالسات على راحتهنّ في الوقت المستقطع بين المحاضرات ! 


و شهد عندي في صيف 2012 أحدُ مشاهير المعتقلين السابقين أن أبا إدريس و آخر كانا معتقلَيْن سنة 1994 بمستشفى سجن المزرعة على إثر قضية تمويل أجنبي ؛ حين كان المعتقل الشاهد قابعا في الجبّ العميق ثم نُقِل للعلاج ! فتذكرتُ أن أحد المشايخ كان قد حكى لي تلك القصة في صيف 1999متفاخرًا و قال «ملايين .. هي ثلث وصية أمير كويتي ؛ أوصى أن تموَّل بها الدعوة ! ملايين تكفي الدعوة 20 سنة ! و بسبب أنها جاءت مباشرة و بشكل فج و مفضوح ! تم عمل قضية تمويل أجنبي ! و لكن أمير الكويت هدد بقطع العلاقات السياسية بين البلدين ! فتم الإفراج عن المحبوسين ؛ و صار هناك ثأر شخصي بين الضابط مسؤول القضية الذي حُرم من ترقيته و بين المفرَج عنهما رغما عنه» !


و أما القاضية في صفات أبي إدريس كقائد يُفترض فيه تغليب المصلحة العامة على النعرات الشخصية ! ففي 2011 ! حين كان الإخوان يفكرون في التفاوض مع الدعوة السلفية قبل كتابة القوائم و اختيار المرشحين لانتخابات مجلس الشعب و أرسلت الجماعة إلى مكتب الدعوة السلفية تطلب أن يزور وفد منهم المكتب و يجلس مع أبي إدريس و من يختاره ! و كان وفد الإخوان يتكون من عضوين في مكتب الإرشاد و مسؤول الإسكندرية ! فرفض أبو إدريس و اشترط أن يجلس مع المرشد شخصيا ! فاعتذر الإخوان لانشغال المرشد و عدم استطاعته السفر في ذلك الوقت و أخبروه أن هذا هو الممكن في حينه ! فرفض أبو إدريس المقابلة ! و مضى كل في طريقة ! و بذلك قطعت الدعوة كل سبيل للتعاون مع الإخوان في انتخابات مجلس الشعب ! 


فردها لهم الإخوان بطرد وفد الدعوة السلفية حين زاروا الإخوان للتفاوض في جولات الإعادة ! و نعلم بالطبع ما جرى من دعم الدعوة السلفية لطارق طلعت مصطفى أمام الخضيري في مقابل أموال كثيرة لتمويل بناء معهد الفرقان و كذلك وجبات كفتة لغذاء الملتحين الذين استوردتهم الدعوة السلفية ليقوموا بأعمال اللجان تلك الأيام بعد أن باتوا ليلتهم في مسجد الفتح الذي يقع بنفس الدائرة «سيدي جابر» -بالمناسبة طارق طلعت تزوج زيجته الأخيرة على يد د. أحمد حطيبة ، و الذي أوجد له العروس هو د. أحمد فريد- ! و بالطبع دعم الإخوان دويدار لإسقاط عبد المنعم الشحات –بتاع المكرونة بالبشاميل!- و قد كان ؛ في دائرة «المنتزة» ! 


و على إثر خيط المعلومات هذا و الملتف حول أبي إدريس من 1994 إلى 2013 علمت أن المقدِّم حين اختار أبا إدريس ليكون قيم الدعوة منذ ثلاثة عقود ، و حين ظل طوال هذه المدة يحفظ عليه هذا المنصب و يتوارى هو في الظل خلفه ؛ حين اختاره بما فيه من صفات لا تؤهله لقيادة حقيقية بل لتمثيل القيادة ! علمت أن المقدِّم لم يكن لاعبا ! فإنه ينبغي للعروس التي تحركها الخيوط أن تكون خشبية لا روح فيها ! ليحركها اللاعب من خلف الستار كيفما شاء ! لكن ستأتي الرياح بما لا يشتهي عم مغاوري –«عم مغاوري» هو الجنايني اللي بيطلع زعيم العصابة في آخر الفيلم!- ..


صيف 1998 ..


وقفت مع صديقي الملتحي «أحمد ق. ص.» على ناصية شارعنا بعد صلاة العشاء ..
كان نافرًا جدًّا ، يقول كلاما خطيرا يطعن به في مشايخ الدعوة جميعا ؛ لكنه كان في غاية الأدب كما تعودته .. يملك ألفاظه و صوته في غضب مكتوم ! 


فقلت مُلاطفًا : «يا أحمد ! أنت كنت تدعوني للسلفية قبل أن أعرفها ! كنت تدعوني إليها حين كنتُ سلفيا دون أن أعرف المسمى أو أفهم مدلول الوصف ! فكيف تقول ما تقول الآن على شيوخ السلفية ؟»
أحمد : «كنت أدعوك للسلفية ذاتها ! لا إلى هؤلاء ! هؤلاء تُجّار أفاقون منكبون على الدنيا ! سارقوا كُتب ! بل سارقوا فكرة الدعوة و خطتها ذاتها من والدي الشيخ ق. ص. رحمه الله ! لقد سرقوا مسودّات أفكاره و كتبه من مكتبة بيتنا حين قدموا للعزاء ! حين أتانا المقدِّم ! ثم حين أعلنوها بع وفاته ادَّعَوْا أنها أفكارهم !»
أنا : «لا حول و لا قوة إلا بالله ! يا أخي كيف هذا ؟!»


و دار في خلدي كل ما يردده الشباب في دائرة الحركيين الضيقة في الدعوة أن أحمد : كذّاب و واهم و بنفسه أشياء من المشايخ ! و أسألتُ الظن بالشاب الذي استمرُّوا في تحطيمه حتى ترك البلد كله و هاجر ؛ لكن بعض أن طلبوا منه -برقّة الثعالب- أن يصيغ لهم خطة عمل تُدار بها أنشطة الدعوة لمدة خمس سنوات ! و قد استمروا بها قرابة الـ 12 سنة ! إنهم يقتاتون على قوة الشباب و عقولهم ! و لا يقدمون لهم إلا الدمار و الفشل و امتصاص الطاقات و تعطيل القُوى !


شتاء 1998 ..


كنتُ قائما بإدارة الإذاعة المدرسية في مدرستي و كان المدرس المسؤول عن الإذاعة ملتحيا و كان منزويا لا يتكلم كثيرا و على وجهه علامات حزن و حنين دائمين مقيمين كمرض عُضال لا شفاء منه ! 


فاجأني ذات مرة –حين رضي عن أدائي- بأن وعدني باسما بإعارتي شريطا لشيخ يحبه كثيرًا ، و جزم أنِّي سأستفيد منه استفادة كبيرة جدًّا و قطع بأين سأعجب بأفكاره ! و إذا به ثاني يوم يضع الشريط في يدي و يقول هذا الشريط لشيخ اسمه «ق. ص.» رحمه الله ! و اتسعت عيناي ذهولا ! إنه الشيخ الراحل والد جاري أحمد !


شكرته و وضعت الشريط في حقيبتي و عند انتهاء اليوم عدت إلى منزلي و قد أذن العصر ! فذهبت إلى مسجد بعيد للصلاة مع إخوة الدعوة السلفية حيث أتلقى دروس العلم ! و حين قصصتُ قصةَ الشريط على أحدهم مسرورًا ! ثار الأخُ فور سماع اسم الشيخ ! و ألزمني بوجوب إحضار الشريط ليعرضه على أخيه الأكبر تلميذ الشيخ ياسر –و كان تلامذة برهامي حينها يُعَدُّون على الأصابع؛ قبل التضخُّم الحالي!- ! ففعلت و أحضرته له قبل أن أسمعه! و غاب الشريط أسبوعا و المدرس يسألني عنه و أتعلل بأي شيء غير كاذب ! حتى أعاد لي الأخ الشريط و قد تم محو محتواه ! فثرتُ من أجل الأمانة التي خانها من استأمنته و ورطني ! فأجابني ببرود أن هذا حدث خطأ ! و فسدت علاقتي بالطبع مع مدرس الإذاعة بسبب تحطيم جوهرته الأثيرة ! شريط شيخه الراحل الذي يحبه !


و العجيب أنني حينها لم أربط بين ما قصه «أحمد ق. ص.» و بين حادثة محو الشريط الخاص بأبيه ! دوامة من التأويلات و التعليلات و كأنها السحر يسحبك فيها الدجّالون و يقودونك حيث شاؤوا ! و هم عصابة واحدة تعمل كأذرع أخطبوط له عقل واحد فقط ! 
لكنني اليوم أفهم يا أحمد ! بعد 15 سنة ! و عندي نسخة من كتابك أنت أيضا ! الذي سرقه أحد المشايخ و زاد عليه و نشره باسمه ! و أعتذر أيضًا أنني لم أصدقك حين قلتَ لي بعد ذلك بسنوات «لقد طلبوا مني أن أتحمل قضية نيابة عن المشايخ فرفضتُ.. قضية صاغها الأمن عقوبة لهم لخروجهم قليلا عن الإطار الذي رسمه لهم» أرادوك كبش فداء لبعض أحلامهم خارج الصندوق ! لكنك حر مهما شوَّهوك و مهما أصابك يا صديقي القديم الدائم !


صيف و شتاء 1998 ..


كان رفيقي في درس الخميس للمقدِّم صديقٌ هو أحد طلبة الكلية الفنية العسكرية ! و كان يشجعني على دخولها –كنت بعدُ حينذاك في الثانوية- ! و كنا نقابل هناك آخرين طلبة من الدفاع الجوي و غيرها ! دون خوف من المتابعة الأمنية ! 


و استمرت الأحداث متشابهة ! شباب واعد من الشباب السلفي ؛ يصعد به عملُه و نشاطُه فيتصل بالكبار ! ثم يثور فجأة دون أسباب واضحة ! فيتم نفيهم و تشويههم ! ثم استبدالهم ! و أنا ضمن قطيع أستشعر الغربة خارج السرب ! فأعود لأقنع نفسي بأن نار إخواني خير من جنة غيرهم ! صحيح أنني مكثتُ فترة خارج الإسكندرية بحكم الدراسة و العمل .. إلا أنني أبقيتُ على مهامي الدعوية فترة ، ثم لما انقطعتُ عنها حافظتُ على روابط العلاقات الهامة داخل الدعوة ! بل عملتُ لهم رسولا أصل علاقاتهم بالمشايخ الآخرين ، و أصنع مجموعات شبابية تنتمي إليهم حيثُ كنت ؛ فعلتُ ذلك لفترة لا بأس بها قبل أن أعود إلى الإسكندرية .. عدت في 2007 .. ثم سافرتُ و عدتُ في ذات السنة .. و بقيتُ على جنبات القطيع .. أترددُ فيهم و لا أقطع ! و لكن تنمو استقلاليتي شيئا فشيئا ! و إن صرتُ أقرب إلى المشايخ و الصف الثالث و الثاني أكثر !


و كانت تظاهرات كاميليا علامة فارقة للإفاقة و من بعدها دماء سيد بلال تقبّله الله ! ثم قامت الثورة بأحداثها و في رأسي صداعٌ و شكٌّ عمره سنوات ! شك في هؤلاء الملتحين ! أهم أهل ديانة أم خيانة ! و لكن الثقة بالمنهج بحمد الله كما هي .. بل تزداد قوة مع تقلبات الحياة و خبراتها و ضربات نوائبها !


حتى دعاني أحد أعضاء مجلس إدارة الدعوة ؛ في فبراير 2011 للمشاركة بأفكاري في هيكلة الدعوة السلفية كجماعة ! و انغرستُ على إثر ذلك في مشاريع ليست كثيرة ! لكن كان من أهمها تنظيم مليونة قندهار الأولى ! و هنا نقطة الفصل التي تكفيني في اليقين بأن ما فيه هؤلاء الناس هو خيانة لا ديانة !


فبراير 2011 ..


بدأت المخابرات الحربية ؛ بل بدأ السيسي تحديدًَا سلسلة من اللقاءات غير السرية مع كبار مشايخ مصر و مفكريها الإسلاميين -كما صرح بذلك الحويني و العوَّا فيما بعد في صيف 2013 بعد انقلاب 3 يوليو- و لكن المقدِّم كعادته في الحفاظ على نفسه من الاحتراق تأخَّر إلى الظل و فضّل التعامل مع الأعضاء القُدامى في المجلس العسكري ؛ بينما اختار برهامي ليمثِّل الدعوة السلفية في تلك الجلسات ! و التي تطورت لجلسات خاصة بين برهامي و السيسي كانا يُفطران فيها سويا عند أذان المغرب في مكتب السيسي –يا واد يا مؤمن !- كما حكى برهامي لخواصه بعد ذلك أيام كان يروج عليهم انتخاب الفريق شفيق !


يوليو 2011 ..


كنت عائدًا من القاهرة إلى الإسكندرية ضمن وفد الدعوة السلفية في الاجتماعات التنسيقية لمليونية 29/7/2011 و قابلنا في القاهرة د. عماد الغفور و تعشَّينا مع من كانوا معه –بصولنا بقه في السي فود اللي بأموال المسلمين ؛ أستغفر الله و أتوب إليه!- بينما نام عبد الغفور في سيارتنا من الإرهاق ، ثم في الطريق عائدين بعد العشاء و حين استيقظ ؛ جعل يحكي لنا ما دار خلال اليوم .. و كيف أن المقدِّم اصطحبه للتعرف على السلمي و الببلاوي نائبَي رئيس الوزراء عصام شرف آنذاك ! و كيف أنه اشتكى للبلاوي من تأخير تصريح جريدة النور ؛ فالتفت الببلاوي إلى المقدِّم قائلا في مودّة : «ابقى حضرتك خليه يكتبلي الطلب و أنا أوقعه مباشرة» -و قد كان ! و حصل عبد الغفور على تصريح جريدة النور بعد ذلك بأيام !- و هذا سبب صدور جريدة النور قبل جريدة الفتح- و حكى كيف أن المقدِّم كان يقدِّمه لكبار القوم بصفته من سيتعامل معهم من طرف الدعوة و باسم حزب النور بعد ذلك !


ومن خلف الستار أيضا كان المقدِّم هو من يتحكم في هتافات منصة الدعوة السلفية في المليونية –و كان برهامي في عمرة - و كان المقدم يمنع و يُجيز ، و كانت كل الهتافات مكتوبة و معتمدة مسبقا منه ! و قد رفض المقدم هتاف «الشعب يريد تطبيق شرع الله» ؛ و لم يكن وحده الذي رفض ! بل الجميع بمن فيهم شيوخ الجماعة الإسلامية و رجالات الإخوان ، و لكن هذا الهتاف كان أقوى مني و صعد من الجموع أسفل المنصة فتبنيته ! و قال لي الشيخ سعيد «ماذا لو لم يُرد الشعب تطبيق شرع الله؟» فأجبته بعد تفكير سريع «نطبقه برضو يا شيخنا» فتبسم و أجاز الهتاف ! و غير ذلك من الهتافات غير المعتمدة كنا ندرسها على شروط المقدِّم و هي واضحة في المحذوفات و التعديلات التالية :


أصل الهتاف : «و كمان مباديء حاكمة .. لسا العصابة حاكمة» و نقصد بالعصابة «الفلول» ! فعدلها بنفسه إلى «و كمان مباديء حاكمة .. كده تبقى النخبة حاكمة» .. فحول وصف العصابة إلى النخبة بدلا من «الفلول» !


و ألغى هتاف : «راحت برتيته جابو التانية .. كده عايزة ثورة تانية» و هذا الهتاف ضد «البرتيتة» ! أي الحزب الوطني و حاشية مبارك ! و قد صانهم المقدِّم عن الهتاف ضدهم في مليونية الإسلاميين الأولى ! و خدّر وجداننا من زراعة فكرة تجديد الثورة ! حتى ثارت علينا الثورة المضادة في 3 يوليو و دعوته و حزبه الذي صنع من ضمن من ثاروا الثورة المضادة !
و ألغى هتاف : «فوق الدستور منصان .. تحت الدستور متهان .. و دي ثورة مضادة تبان .. أومال الاستفتا ليه؟» و هو ينص على أن الوزراء الذين قد وضعوا المباديء الحاكمة للدستور –و هم أصدقاؤه كما بينت- هم ضمن «الثورة المضادة» ! تصور أن المقدِّم هو من وأد ذكر مصطلح «الثورة المضادة» في مليونية الإسلاميين الأولى !


و ألغى هتاف : «هاتو حسني مـ السرير .. حاكموه هناهو في التحرير .. ليه كل ده كل ده تأخير .. شكل فضايحو كتير !» و هذا الهتاف يضر بالمجلس العسكري الحاكم وقتها و أن محاكمة مبارك ستفضحه بالتبعية ! و المقدِّم يفضل اللعب على رقعة الأعضاء الكبار في المجلس العسكري و هم أيضا لا يزالون يحكمون من خلف الستار إلى الآن ؛ مع هامش صراع بينهم و بين السيسي كما أن هناك هامش صراع بين المقدِّم و برهامي لكنهم كلهم في النهاية و في الحقيقة واحدٌ علينا !..


و المقدم لم ينس أن يبين لطاقمنا الخاص ذلك السبب الحقيقي الذي قامت من أجله المليونية حين قال «المجلس العسكري قال لنا اعملوا ضغط شعبي و احنا نستجيب لكم» يقصد من أجل فتح باب الانتخابات ! بمعنى أن كل المليونية التي سيق لها الإسلاميون من ربوع مصر لم تكن لتثبيت الهوية و لا ضد المباديء الحاكمة للدستور –تماما كما أن مشاركتهم في لجنة الخمسين الآن ليست من أجل حفظ الهوية عبر إبقاء المادة 219!- بل كانت المليونية لإقناع المجلس العسكري بالقوة الشعبية للإخوان و السلفيين و الجماعة الإسلامية ليفتح لهم باب الانتخابات و يبدأ توزيع الكراسي على الإسلاميين –كواجهة مدنية بنكهة إسلامية للحكم العسكري- و ذلك بعد فشل حشود العالمانيين في أكثر من محاولة سابقة لذلك التاريخ! 


و ألغى المقدِّم هتاف : «مصر يامه يا بهية .. طهري وزارة الداخلية» و هو ضد أوليائهم الأمن ! الذين لو فُتحت ملفاتهم و ملفات رجالاتهم المزروعين داخل الجماعات و المؤسسات ستتوالي الفضائح و تنتثر اللِّحَى الزائفة أدراج الرياح –و قد حرص أتباع الدعوة السلفية على حفظ ملفات أمن الدولة و إعادتها للضباط بعد الاقتحامات المتتالية التي عمَّت طول البلاد و عرضها ، و حرصوا كذلك على تهريب الضباط أنفسهم و حمايتهم من بطش المتظاهرين رغم أن قوات الجيش نفسها آنذاك كانت تترك الضباط في أيدي المتظاهرين- ! و من جديد كان المقدِّم هو من وأد المطالبة بتطهير وزارة الداخلية في تلك المليونية الإسلامية الخالصة ! ثم قام برهامي من بعده بوأد ملف «الهولوكست السلفي» أو محاكمة الضباط بسبب تعذيب الإخوة ، و دفن برهامي سبعين ملفا كانت قد تمت صياغتهم لهذا الغرض و كانت في يد -إبراهيم أباظة- وأدها كلها بطلب خاص –في اتصال تليفوني!- من ضابط أمن الدولة الذي كان يتعاون معه سنين طويله في عصر مبارك!


و قام المقدِّم كذلك بتعديل هتاف «القصاص القصاص .. دم بدم رصاص برصاص» إلى «القصاص القصاص .. دم بدم حق الثوار» لكنني قلته كما هو في أصله لثقله على لساني !


من فضلك أخي القاريء لا تستهن بالفقرات الخاصة بإعادة صياغة المقدِّم للهتافات ! لأن الإعلام هو الذي يصنع وعي الجماهير و هو الذي يتحكم في وجدانهم و يقودهم ! و قد سألني الشباب ليلة المليونية عن نيتنا فقلت «نحن نازلون نفتح الباب للإسلام .. ثم نضع الأمانة في يد المشايخ .. و لا ندري ما يفعلون بها .. و نرجو أن يُحسِنوا و نظن بهم الخير».. لكننا في الحقيقة قد تمت برمجتنا لفتح الباب للإسلام بينما هم كانوا يوسِّعون الكراسي لأنفسهم ! و منهم من كان يوسع المساحة لنفسه خلف الستار و يصنع مزيدًا من الدُّمى كالمقدِّم !


نوفمبر 2011 ..


قاد برهامي جلسة مع مسؤولي المحافظات بمسجد الفتح الإسلامي يطمئن فيها على سير عملية اختيار القوائم الانتخابية ! و لم يكن أبرز أحداثها تفاخر الشيخ محمد الشاذلي مسؤول الإسماعيلية بأنه أول من أنجز قوائم محافظته و أن مسؤول الحزب يعمل بتبعية تامة تحت يد مسؤول الدعوة –خلاف سائر المحافظات التي اشتكى مسؤولوها من استئساد مسؤولي الحزب ؛ كان ذلك قبل أن يجعلوا مسؤول المحافظة هو مسؤول الحزب و يولوا رئاسة الحزب ذاته لمسؤول محافظة البحيرة «يونس مخيون»!- و لكن كان أبرز الأحداث حقًّا هو عراك مرشح دائرة مينا البصل في الإسكندرية مع شركائه على حصيرة الطعام حول نصيب الأسد من الدجاج المشوي !


المهم أنه في هذا اللقاء قال برهامي مبتسما راضيًّا أن الانتخابات سيكون فيها قدرٌ من التزوير ، و أنه سيكون لقيادات الدعوة كلامٌ خاص فيما بينهم لا يخرج للعامة و لا حتى لأبناء الدعوة ! بينما سيكون لهم خطاب آخر مخالف يخرج في الإعلام ! اختصارا : سيكون لهم وجهان !
و في هذا الشهر بدأ برهامي يتخذ قرارات بنفسه دون الرجوع لمجلس الأمناء و لا مجلس الإدارة –و هو صوري بالأساس- !


مارس-مايو 2012 ..


الموج يعلو على برهامي لأطماعه في الانفراد بالتحكم في الدعوة و عدم طاعته للمقدِّم ؛ فيلعب المقدِّم لعبته المفضلة في الشطرنج و يلوم برهامي في إحدى الجلسات قائلا «انتا كل مرة بتتفاوض مع الأمن ، الأمن بياخد اللي هوا عاوزه و بتطلع انتا فاضي» فطأطأ برهامي رأسه خجلاً !


لم ينكر المقدِّم التفاوض مع الأمن تحت الترابيزة و دون شفافية مع الناس ! و لكنه أنكر على برهامي أنه مفاوض سيِّء لا يُجيد استخلاص المكاسِب رغم تنازلاته المخزية !
و أعلن المقدم بعدها بأيام رغبته في تصعيد واجهة جديدة يحرِّك من خلالها الدعوة و قال نصا «اختاروا رجلا و سأكون في ظهره لمدة ستة أشهر كأنني هو ؛ ثم أنصحه و أوجهه من بعيد» !
و لكنه في ذات الأثناء بدأ موافقة الشيخ سعيد في اعتراضاته و ضيَّق به الخناق على برهامي في اجتماعات مجلِسَيْ الأمناء و الإدارة –و الآن لا تسمع لدعمه له حسًّا!- ثم استكمل ما كان بدأه بهدوء في أغسطس و سبتمبر 2011 من تصعيد رجال بعينهم من درجة إلى درجة أعلى ! منهم مجموعة من الشباب من الصف الثالث داخل الدعوة ليكونوا مشايخ المستقبل و واجهات جديدة يحركها داخل الدعوة و كذلك بدأ تصعيد غيرهم مستقلين يدينون له بالولاء من خارجها ! و ربط الفريقين في مجموعات صداقة لطيفة كانت دائمة الاجتماع على مآدب الغذاء في الإسكندرية و غيرها لفترة طويلة ! -حتى صارت مواقف الدعوة صعبة الاحتمال على كثير من المستقلين فنفروا!- و كان يشتري ولاء المستقلين بأثمان مختلفة ! منها أن يقدم بعضهم مكانه في الدرس تأليفا لقلبه و اعتمادا له كشيخ ، و منها أن يمنح زوجات بعضهم ذات الإجازات التي يمنحها لهم رغم عدم قراءتها على يده و لا حتى عبر الهاتف ! ليصنع أسطورة «بيت الشيخ» من الهواء بإجازات مزيفة تتيح لهم التدريس و تؤهلهم له شكليا فقط ! و منها منح التزكيات لهم لينتفعوا بها في جامعات الخليج و مراكزه البحثية و عند مختلف الشيوخ و الناشرين ! – و سأعرض عن تفاصيل الفئتين: الصف الثالث و المستقلين ؛ حتى حين- ..
في هذه الأثناء كتب المقدِّم بصفته طبيبا نفسيا –في الحقيقة تخصصه نفسية أطفال!- كتب تقريرا نفسيا عن حازم أبو إسماعيل نص فيه على أنه لا يصلُح للرئاسة و أنه صدامي و غير ذلك من الصفات ! و كان هذا التقرير هو فيصل إقناع جميع شيوخ الدعوة بعدم دعم حازم حتى لو كان بعضهم يميل إليه قلبيا و يتخذ موقفا مخالفا!


و كذلك تواطأ مع المشير طنطاوي في بث شائعة بين الشيوخ مفادها أن طنطاوي أراه باسبور والدة حازم الأمريكي ! و واجه هو و برهامي حازم بتلك المعلومة الطنطاوية ! في اجتماعه مع شيوخ الدعوة السلفية في الإسكندرية فانقهر حازم الرجل متسائلا ! «و من عندكم هو الثقة لتصدقوه أنا أم المشير؟» 


و بعد صراع كصراع المخابرات العامة مع الحربية الدائر على الساحة الآن ! كان برهامي كان قد اقترب زيادة عن اللازم من السيسي ! حتى صار يخرج أثناء الاجتماعات الحامية لمجلس إدارة الدعوة ليرد على اتصالاته أو لينقل له خبرا هاما كتلك التي يأتيه بها جلال مرة ليبلغها إلى السيسي عبر هاتف برهامي –حصل اتصال تليفوني : أسلوب حياة - ! و صار السيسي هو الموجه الفعلي للدعوة عبر برهامي بدلا من المقدِّم ! حتى أمر السيسي برهامي باختيار أبو الفتوح بعد أن كان برهامي يسبه علانية ! بينما كان رأي المقدِّم هو اختيار مرسي و كذلك كان رأي عبد العظيم و حطيبة -و قد نقلت شهادةً في تلك المسألة عند حديثي عن كواليس انتخابات الرئاسة- . 


و حين أتى عبد الرحمن عبد الخالق كان المقدِّم في استقباله و كان يرجو أن يكون هذا دعمًا قويًّا لموقفه في السيطرة على الدعوة و بقاء قيادته من خلف ستار ! لكن برهامي خالف عبد الخالق في شأن حازم علانية ! و بعد ذلك خالفه و خان مرسي حتى قال عبد الخالق في مقاله الشهير «تلك السلفية التي جعلتموها رداءً ارتديتموه لتخدعوا به الناس» -أو كما قال- ! و مضى المقدِّم يتأخَّر مزيدًا و يفقد السيطرة و عروسته الخشبية «برهامي» تمنح زمامها للسيسي شيئا فشيئا بعد أن كان زمام الدعوة طوال سنة الثورة الأولى في يد الفريق الأقدم داخل المجلس العسكري عبر خيوط المقدِّم السحرية !


و الذي فيه المقدم الآن ليس اعتزالا للفتنة ! فمعتزل الفتنة يعتزل الفريقين كليهما ! بل لا يحضر مع الناس جمعة و لا جماعة ! و الرجل يدلي بدلوه إلا في الاعتراف بجرائمه و ما جنته يداه ! و بالطبع الفريقان فريق إسلام و فريق جاهلية و الصراع لاستئصال الإسلام ! حتى الإسلام الوسطي لو كان خالصا متأولاً بلا كبير تواطؤ !


و برهامي يتقدم في السيطرة على الدعوة و تحت يده حكومة الظل التي تهرس الصف الثالث الذي يسعى المقدِّم في تصعيده ! تهرسهم هرسا و تقصي منهم من لم يسر في ركابهم ! باختصار المقدم الآن هو محرك عرائس أصيب بباركنسون ! لكنه يموت محرك العرائس و صوابعه بتلعب !


و أقول للمقدِّم .. لعبة القيادة من الخلف لا تستمر كثيرًا ! و قد قيل في المثل «إمامي أمامي» ! و من يفوز بالإمامة حقة أو باطلة هو المتصدر للخير و الشر ! لا اللاعب بالخيوط من خلف ستار !


حب السلامة يُثني عزم صاحبه .. عن المعالي و يُغري المرء بالكسلِ


فعروسة الخشب التي تصنعها قد تدمي أصابعك و قد يملك خيوطها غيرك ! و كما قيل في المثل : سمِّن برهامك يأكلك !

السبت، 31 أغسطس 2013

اليسارجي.. مقالة في "علوقية المثقف"


كتب: أحمد عبد الفتاح، وطارق عثمان

إهداء: إلى حسام أبو البخاري.. فك الله كربته وكربة هذا الوطن.

إذا كان "الثوري" نظيفًا، فلماذا تتسخ "الثورة"؟!

أحمد مطر

بداية، وبرغم بداهة ذلك، يجب التأكيد على أنَّ هذا المقال يعبر فقط عن كاتبيه، وليس عن "التيار الإسلامي" بأجمعه، كما يستسهل كثيرٌ من "المثقفين" و"الأكاديميين" محل نقدنا فيه. وكاتباه شابان إسلاميان التوجه، يكتبان من موقع مستقلٍ تمامًا عن أي تنظيم. ومن نافلة القول التأكيد على أنَّ القارئ المُتابع لابد يعلم كم النقد الذي وجهه الكاتبان للإخوان المسلمين من قبل. ومن نافلة القول أيضًا أن المقال يتحدث عن نمط نظري محدد، ظهرت تجلياته في تصرفات "بعض" المثقفين، ومواقفهم اللاأخلاقية، ولا ينطبق على "الكل"، فأملنا في رحمة الله وفطرته المغروسة في الإنسان واسع؛ بحيث يكون هذا النمط استثناء، وأن يعود أصحابه عنه عمّ قريب.

"علوقية المثقف": محاولة في تأثيل المصطلح

ربما سيستفز العنوان الرئيسي الذي وضعناه لهذا المقال حفيظة من يقرأه؛ متسائلاً: هل ضاقت العربية عليكما، للدرجة التي تضطركما لاختيار هذا الدال: "علوقية"، للتعبير عن معنى معين يجوس في عقليكما؟ من الجدير بنا أن نعترف، أننا قد لا نستطيع أن "نعقلن" استعارتنا لهذا الدال، من قاموس "الشتائم" المصرية، لنوظفه في سياق معرفي-سياسي، ومن ثم ما سنسوقه من مبررات لهذه الاستعارة، ليست بالضرورة موزونة بميزان منطقي عقلاني:

ففي كثير من الأحيان، يتعرض المرء لدرجة اندهاش عميقة، من مواقف بعض الأشخاص، بحيث لا يجد في اللغة الرسمية المحتشمة، ما يعبر تعبيراً تاماً عما يخالجه من شعور تجاه هذه المواقف، حينها تضيق اللغة، ويلجأ المرء تلقائياً إلى اللغة العادية العامية، التي لا يليق بنبيل أن يستخدم بعض مفرداتها في خطابه، ولكنها أكثر اتساعاً ورحابة، لدرجة تسمح له بالظفر على مفردة ما، يراها أهلاً لتوصيل شعوره هذا على أتم وجه، وبلا كلفة!

هذا ما حدث تحديدا لنا، عندما اندهشنا من موقف مثقفين يساريين من انقلاب 3 يوليو، الذي قام به الجنرال "السيسي"، على الرئيس "محمد مرسي" وكل ما تلاه من أحداث سياسية واجتماعية في الواقع المصري؛ حيث لم نجد في اللغة الرسمية ما يفي بالتعبير عمّ أحدثه هذا الموقف فينا من اشمئزاز، وتلقائيا لم يسعفنا إلا هذا اللفظ، فاستعرناه.

ولربما كانت مثل هذه الحالة، هي ما دفع البروفيسور "حامد ربيع" لاستخدام مصطلح "الغباء السياسي". أو دفع الشيخ "فريد الأنصاري" لاستخدام مصطلح "العهر السياسي".

وعلى أية حال، فاللفظ الذي استعرناه لن نجد له جذر عربي فصيح يحمل نفس الدلالة التي تواضعت عليها له تلك الطبقة العامية من المجال التداولي المصري، بينما له دلالات معجمية فصيحة أخرى، بعيدة جدا على دلالته التي نقصدها. وقد أسلفنا أننا سنتحرر من دلالات اللغة الرسمية، وسنعتمد الدلالة العامية للفظ، والتي يمكن مقاربتها كالآتي: "هو لفظ يتضمن حمولة دلالية غاية في السلبية؛ تتمثل في الانتقاص الحاد لسجايا الرجولة التي ينبغي أن يتحلى بها المرء".

ولنقل هذه الحمولة إلى سياق سياسي-معرفي، احتجنا لصك مصطلح "الرجولة الثقافية" كضديد لمصطلح "العلوقية الثقافية"؛ لنبين كيف أن المثقف يضع نفسه في مواقف ثقافية/سياسية، يستحق بسببها أن تُسلب عنه صفات الرجولة، بالضبط كما يضع الشخص العادي نفسه في موقف اجتماعي معين، يستحق بسببه أن يُقدح في رجولته.

ولنحدد ما نقصده ب "بالرجولة الثقافية" كالآتي: "هي الأمانة العلمية التي يلزم المثقف، وبالذات لو كان أكاديميًا، أن يتحلى بها بموجب السلطة الأخلاقية المتوفرة في كل إنسان، في اللحظة التي يقع فيها تحت سطوة غريزتين: الأولى هي: إغراء السلطة، والثانية هي: ما اصطلحنا عليه بـ"التشفي الأيديولوجي".

ومن ثمَّ يمكننا صوغ المقصود من مفهوم "العلوقية الثقافية" كالآتي: "هي تخلي المثقف عن أمانته العلمية كنتيجة لتحرره من سلطان الأخلاق المغروس في فطرته كإنسان، وذلك عندما يضعف أمام السلطة، فيكون هذا التخلي ثمنًا لرضاها. أو عندما يضعف أمام غريزة التشفي الأيديولوجي، فيكون هذا التخلي ثمنًا لإشباعها."

هذا وثمة مصطلحين، ينتميان لنفس الطبقة العامية من المجال التداولي، قد طورانهما لغرض إجرائي محض، كمساهمة في توضيح تجليات وتمظهرات "العلوقية الثقافية" لدي مثقفي اليسار في هذا الظرف السياسي-الثقافي الراهن: الأول: "الموالسة النظرية"، والثاني هو: "التعريص النظري".

وسنستخدم المصطلح الأول: "الموالسة النظرية" في التعبير عن محاولة التنظير التي قدمها المثقفون محل نقدنا، لما حدث في الفترة من 30 يونيو ل 3 يوليو؛ إذ صرفوا جهدهم في إثبات أن ما يجرى هو: "موجة جديدة من ثورة يناير". بينما سنستعمل المصطلح الثاني:" التعريص النظري" في التعبير عن سكوت مثقفينا المطبق عن رد الفعل الشعبي الهائل على الإنقلاب على مدى ما يقرب من شهرين، وعدم إعتباره هو الآخر "موجة ثورية جديدة" كما تم التنظير لما حدث في 30 يونيو! هذاوتخصيصنا كل مصطلح للدلالة على أحد المعنيين، هو مجرد تخصيص إجرائي.

ولعل الظرف السياسي الراهن يعتبر حالة نموذجية تبرر لنا استخدام هذه العدّة المفاهيمية "الدنيا" -إن جاز التعبير طبعاً- في تفسير موقف مثقفي اليسار خاصة، والمثقفين العلمانيين عامة من انقلاب "السيسي"، وما تلاه من عواقب؛ حيث مثل سقوطاً في كلا الاختبارين: إغراء السلطة والتشفي الأيديولوجي، مما يعني أن ثمة خللا كبيرا قد وقع في "رجولتهم الثقافية" (لعل الاختبار الثاني: "التشفي الأيديولوجي" هو الأكثر تعبيرا عن هذا الخلل الحاصل في "الرجولة الثقافية" عند مثقفي ما يسمَي باليسار الديمقراطي)

إذن مقاربتنا هنا وللمفارقة مقاربة أخلاقية بامتياز؛ وذلك لأن موقف نخبة اليسار من الانقلاب، لا يمكن بحال أن نخرجّه

تخريجاً سياسيا أو أيديولوجياً، وإنما هو تمظهر صريح لسقوط سجايا رجولتهم الثقافية في الحضيض!!

عن أي يسار نتحدث؟ أو هل ثمة يسار مصري أصلا؟

لن ننشغل في مقالتنا هذه بدراسة الأسس النظرية التي يقوم عليها "اليسار الديمقراطي" أو "اليسار" عامة في مصر. لسببين: الأول: لأننا لا نقدم هنا ورقة بحثية تناقش أكاديميا طبيعة الأيديولوجيا اليسارية في مصر. والثاني: أن أغلب من يسمون أنفسهم باليساريين قد أسقطوا عن أنفسهم (بموقفهم من الانقلاب وما تلاه) أي احترام يسمح بمناقشتهم بطريقة علمية حرة. ولكن لا بأس من تقديم تعريفٍ إجرائيٍ لــ"اليسار الديمقراطي" كالآتي: "هو شبكة من الأكاديميين العاملين في الجامعات الأجنبية في مصر (الجامعة الأمريكية تحديدًا) والحقوقيين العاملين في منظمات ممولة أمريكيًا، ومجموعة من الصحفيين والكتاب العاملين في جرائد تخصصت في الكذب على الإسلاميين وتشويه صورتهم عمدًا، صحف لا تنفي تمويلها من قِبل رجال أعمال على علاقات اقتصادية وثيقة بإسرائيل. وبعض الأكاديميين والباحثين العاملين في منظمات تدعم إتجاهات "التدين الجديد المعلمن" المدعومة خليجيًا."

وهذا التعريف يكشف بالفعل عن مدى المفارقة التي يعيش فيها اليسار المصري؛ حيث تجد كل هؤلاء لهم ارتباطات "وجودية" بمؤسسات رأسمالية، مما يتنافى تماما مع منطلقات اليسار التي تؤسس لعداوة الرأسمالية والانشغال في المقابل بالشعب المطحون. فتخيل: أنا أعمل بالجامعة "الأمريكية"، وأقبض راتبي ب"الدولار" وفي نفس الوقت أتحدث باسم اليسار، وأعبر عن البروليتاريا!

كيف تعرف المثقف "العِلق"؟ أو ثورة 30 يونيو التي لم تقع

صبيحة الخامس عشر من يوليو الماضي نشر أحدهم مقالة بدأها بالتقريرات الأيديولوجية التالية:

"نستطيع أن نقول إن ما يحدث في مصر، منذ الحراك الشعبي الواسع في 30 يونيو ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسي، يشكل بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة. وذلك بعد عامين ونصف من التشويش والإرباك المتعمد، الذي أحدثه المسار السياسي الكارثي بهندسة المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين منذ 11 فبراير 2011. وجاء ذلك بهدف إجهاض الثورة وما تحمله من وعد بتحولات جذرية في بنية السياسة المصرية. ثورة يناير منذ بدايتها كانت ضد الاستبداد، والسلطوية الدولية، والقهر البوليسي، وانتهاك حقوق الإنسان. وكانت ضد اقتصاد سياسي لا تنموي قائم على رأسمالية المحاسيب، والريع، وسوء توزيع الدخل، والفساد، والظلم الاجتماعي."

ولفحص هذه التقريرات ينبغي التأكيد أولاً على التالي:

إسلاميًا حينما يكون هناك وضع كالذي فيه مصر الأن فإن سلوك المسلم لا يخرج عن ثلاثة:

أ- معرفة الحق والدعوة إليه والإنضمام له بقوة.

ب- اختلاط الأمر عليه ومن ثمَّ الإنضمام للباطل بتأويل سائغ

ج- اختلاط الأمر عليه تمامًا فلا يعرف حقًا من باطل، فيعتزل ما يعتبره فتنة، سائلاً الله النجاة منها.

ويتأتي هذا في إطار رغبة الإسلام في أن يكون للمسلم دومًا موقفا حركيا مما يحدث حوله، ثوري أو إصلاحي، حسب إجتهاده في فهم النص وفهم الواقع مع إمتلاكه لشرائط وأدوات هذا الفهم والإجتهاد.

أما المثقف العلماني الحديث، فله موقفٌ أخر، هذا الموقف ينبع من كونه يرى نفسه وريثًا لدور "آباء الكنيسة". يقف المثقف -العلماني فوق التاريخ، وليس داخله كبقية البشر- على صخرة أيديولوجيته التي يرى فيها "صخرة الخلاص" يدعو الناس إليه، راغبًا في التحكم الكامل بهم، ولا ريب، فهو مبعوث العناية الإلهية. ويترتب على ذلك أن يدعي المثقف العلماني (اليساري) الحديث لنفسه حقوقًا مطلقة في تعريف ماهية "الثورة"، "الشعب"، "العدالة الاجتماعية"، "الحريات". بغض النظر عن مدى قبول أو حتى تفهم "الأتباع/شعب كنيسته الميتافيزيقي المتخيل" لمدلولات هذه المصطلحات كما في رأسه. وفي حال انصراف الناس عنه، كنتيجة لعدم الفهم، أو لرفض مدلولاته لهذه المصطلحات، مع بقائهم في حال "الثورة" على الظلم والطغيان، انصرف عنهم، ووظف نفسه لصالح السلطة مبررًا ذبحهم، وفي هذا انتقامًا لهوى نفسه من عدم إتباعهم إياه. وهذا هو جوهر نظرية "علوقية المثقف."

إذن يمكن القول أنَّ "العلوقية" هي، من الناحية النظرية البحتة، جوهر أصيل لأي مثقف علماني حديث، نتيجة لأسباب لا مجال لسردها متعلقة بطبيعة "المعرفة الصورية العلمانية"، وكنا نتصور أن عامل "الفطرة" ومفاهيم "الحق" و "الباطل" المغروسة فينا قد تخفف من غلواء هذه "العلوقية"، لكن اختلاط هذه "العلوقية" بنفسية إنسان لا يخفي الشماتة والتشفي الأيديولوجيين تضيئها وتظهرها وتضفي عليها لمعانًا يخطف أنظار أي متابع محايد!

في ضوء ما سبق يمكننا تفحص هذا الكم من تقريرات التشفي الأيديولوجي غير المستندة على أي معرفة علمية منضبطة المذكورة أعلاه كالآتي:

يقول مثقفنا "اليسارجي" الهمام: "الحراك الشعبي الواسع في 30 يونيو ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسي، يشكل بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة"

أما إنكار أنه حدث "حراك شعبي واسع" (من الناحية العددية) في الفترة من 30 يونيو، إلى 3 يوليو، فإن هذا ليس من الإنصاف. لكن تفحص هذا "الحراك الشعبي الواسع" بعد شهرين من وقوعه يؤكد تمامًا أنه كان من نوعية "الحراكات الشعبية المدبرة"، بالنظر إلى تحركات الدولة العميقة، والقصف الإعلامي العنيف. مع الإعتراف بالأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها إدارة الرئيس مرسي. ولنا فيما حدث مع مصدق في إيران وشافيز في فنزويلا العبرة والعظة.

يمكن اعتبار ما حدث في الفترة من 30 يونيو إلى 3 يوليو حراكًا شعبيًا حقيقيًا إذا تمت الإجابة على الأسئلة التالية:

1- ماهي الجهة الحقيقية المحايدة التي قررت أن هناك 22 مليون مواطن مصري وقعوا على استمارات حركة تمرد كما يُشاع إعلاميًا؟

2- ماهي الجهة الحقيقية المحايدة التي قررت أن هناك 33 مليون مواطن مصري نزلوا الشارع للمطالبة برحيل الرئيس مرسي كما يُشاع إعلاميًا؟

3- هل يتصور أن الجيش الذي ظل طوال 18 يومًا من أيام الثورة الأولى بين مبارك والثوار، ثم ظل عامًا ونصف بعدها يقتل في الناس، لم يتحمل بقاء شعبه في الشارع لمدة عدة ساعات فقط، فأخرج بيانه؟

4- هل هناك أية ثورة في التاريخ تمت بدون نزول أي قطرة دم واحدة من "الثوار"؟

(طبعًا في حالة "ثورة 30 يونيو المجيدة" يمكن القول أن الاستثناء الوحيد كان دماء الفتيات المسكينات اللاتي تم الاعتداء عليهن في الميدان أيام 30 يونيو و 1 يوليو!!)

5- هل هناك "ثورة" في التاريخ تكون موجودة في الشارع تحت حماية أجهزة القمع الرئيسية في الدولة "الشرطة"، و "الجيش"؟

الأن وبعد شهر ونيف من هذا "الحراك الشعبي الواسع"، وتَكَشُّفِ علاقات الكثير من قيادات هذه الحركة المشبوهة "تمرد"، بأطراف داخلية وخارجية ظلت على عداء واضح مع ثورة 25 يناير، يمكننا تفهم طبيعة هذا "الحراك الشعبي الواسع".

أما القول بأن ما حدث كان: "بمثابة عودة إلى ثورة يناير 2011 ومعاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة" فإن هذا يعبر عن الفشل النظري الأصيل الذي يعتري كافة منظري "اليسار" في مصر.

ولتسويغ هذا "التهريج"، يلجأ "اليسارجي" للعبة جدلية قديمة جدًا، مغرقة في رومانسية المادية الجدلية العتيقة، تقضي قواعدها بالتالي:

سيقضي العسكر على الإخوان ثم الإسلاميين، و"سنوالس" نحن – كيسارجية نحترم النظرية- على ذلك، لكن الجيش لا تمكنه طبقيته، وارتباطه بمصالح الإمبريالية العالمية من تأسيس نظام حكم في مصر يضمن "الحريات"، و "العدالة الإجتماعية"، والتحليل ذاته يقضي بأن الجيش سيقيم نظامًا فاشيًا أقرب إلى النيوليبرالية يمنح حرية العمل السياسي والإقتصادي لطبقة معينة، ويحظرها على بقية الطبقات، وسيؤدي هذا بالشعب الجائع (الذي يؤدي دور كلب بافلوف في هذه النظرية) إلى الثورة على العسكر، وسيأتي إلينا – على سبيل المكافأة- ليطلب منا – كيسارجية نحترم النظرية – أن نحكمه ونطبق عليه مفاهيم(نا) عن "الحريات" و "العدالة الاجتماعية".

وفي خضم هذا كله سنقبل – كيسارجية نحترم النظرية – قدرًا عظيمًا من التنازلات الأخلاقية والإنسانية، وسنسوغ للعسكر مذابحه ضد "الشعب" عمومًا والإسلاميين منه خصوصًا، (لن ننسى إصدار بيانات تطالب بلجان تحقيق عاجلة تسوي بين الطرفين ذرًا للرماد في العيون)، وسنقبل إغلاق معبر غزة، وسنقبل ترحيل اللاجئين السوريين عن مصر بعد أن كانت اختيارهم الأول. كل هذا في سبيل التحقق المستحيل للجدلية النظرية على أرض الواقع، ولا تغررك "بيانات الشجب والإدانة"، فليتحمل كل طرف النتيجة الأخلاقية لتحليلاته.

ومقتضى هذا التهريج أن يسقط اليسارجي في فاشية طاغية؛ تبرر قتل "الشعب" وإبادته، ويا للمفارقة إذ المفترض أن يكون هو حاميه والمدافع عنه ضد السلطة!

"العلوقية مسئولية": موقع المثقف العِلق

تعالوا لننظر أين يتخذ مثقفنا موقعه في ساحة المشهد الجاري:

1-عندما نجد سيدة من "هوانم" جاردن سيتي، وغيرها من أحياء المحروسة الراقية (مادياً)، تكاد تبكي فرحاً في اتصال هاتفي في برنامج "توك شو"؛ لأن ثورة 30 يونيو المجيدة قد نجحت في تحرير الوطن من نير "ديكتاتورية" المرشد والرئيس مرسي= فلا يليق بنا أن نموت عجباً من هكذا سلوك؛ إذ قد يجمل بنا أن نعذر من يتعرض عقله ليل نهار لعملية "تزييف وعي" لم يكن يخطر ببال "ماركس" أن تحدث يومًا ما في أعتى النظم الرأسمالية.

أو عندما نجد ممثلات "سوق المتعة" و"الباطنية"، يخرجن برفقة "أوبرا وينفري" الشرق الأوسط – زعموا- (مع الاعتذار لكل النساء السود على وجه الأرض وليست أوبرا وحدها)، كيما يشكرن الجنرال على ما أسداه إليهم من فضل؛ إذ أزاح عن "صدورهن" عبء أصحاب "قال الله وقال الرسول"= فقد يكون هذا تصرفا في السياق؛ إذ من سيسخط على أهل الديانة إذن، لو رضي عنهم تلكم "النسوة" (مع الاعتذار لكل بنات حواء)؟

ولكن عندما نجد نخبة "اليسار الديمقراطي"، يتراقصون طرباً في صفحات الــ"فيسبوك" الخاصة بهم، على أشلاء أول منتج ديمقراطي في مصر، بعدما أتى "الجنرال" على بنيانه من القواعد = فهذه مفارقة تستلزم منا أن نتوقف عندها ملياً! (إذ يسمون أنفسهم بالديمقراطيين)

ولكن مهلا فليس مجرد "الرقص" ما أدهشنا ودفعنا لممارسة النقد، وإنما: أن يجند أولئك أقلامهن في خدمة الجنرال (ربما نوستالجيا لأيام الخدمة العسكرية)، لتسويغ انقلابه؛ بانتهاك حرمة الأمانة العلمية، وممارسة عملية "موالسة نظرية"؛ تقرر أن ما جرى في 30 يونيو ثورة كاملة الأركان، وليس له علاقة من قريب أو من بعيد بالانقلاب، في حين أن العالم من أقصاه إلى أقصاه يتعامل مع ما جرى على أنه انقلاب. إنه سلوك كهذا كفيل بدفع "حنة أرندت" لإعادة كتابة نصها "في الثورة" من جديد ليتلاءم مع رؤية فرسان اليسار الديمقراطي للثورة! 

وما نقصده بـ "موقع المثقف" هو موقع المحلل من الأحداث، وقد قررنا موقف "المثقف النظري العلماني الحديث" من العالم حين قلنا أنه وريث "آباء الكنيسة" القدامى، لكن ما نقصده هنا هو مكانه داخل شبكات انتاج المعرفة وعلاقته بسلطاتها، ولننظر هنا إلى كاتب المقال المُشار إلى مقدمته أعلاه، وهو أستاذ "يساري" بالجامعة الأمريكية في القاهرة. و لا ندري كيف بشخص (ليس أمريكيًا ومن سكان "العالم الثالث") يعمل في الجامعة "الأمريكية"، أمريكا ممثل الرأسمالية في العالم وحامي حماها، ويقبض منها راتبه الشهري ب"الدولار"، ينصب نفسه "راعياً" لليسار المصري! بأي حق يتحدث عن "البروليتاريا" المسحوقة، لا أدري كيف سيكون شعور "غرامشي" لو عاين هذا النمط من مثقفي اليسار "اللاعضويين"؟

تجد آخر يحاول جاهداً أن يصور من خرج في 30 يونيو بوصفهم "البروليتاريا" الثائرة على "فاشية" الإخوان. وأنا لا أدري الحقيقة متى صار كل من: الممثلات والراقصات، وقاطني حي المهندسين والزمالك، مدرجين على قوائم المسحوقين في المجتمع وحاملي روح الطبقة العاملة؟! أية مفارقة هذه؟ وكيف لنا أن نتورط في سجال أكاديمي مع مثل هذا "الهوس" الماركسي البائد، بعدما قلبه هؤلاء رأسًا على عقب؟ فلا أتخيل حقيقة شعور"ماركس"، ونحن نعرفه على "البروليتاريا" المصرية الجديدة، التي ينقصها كل شيء تقريبا سوى الثراء ورفاهة العيش؟!

وقِسْ على هذا بقية شبكاتهم العاملة في "منظمات حقوق الإنسان" المدعومة غربيًا عمومًا وأمريكيًا بالذات، ومنظمات "التدين الجديد المعلمن" المدعومة خليجيًا.

هذه هي شبكات السلطة التي نتنتج معرفةً على هذا القدر من البؤس والحقارة. ويمكننا أن نربط هذا الموقع العملي، بالموقع النظري الذي قررناه للمثقف الحديث كوريث لآباء الكنيسة حينما نتحدث عن تعريفاتهم "للشعب" و "الحريات"، و "العدالة الاجتماعية". فهي كلها جزء من "صخرة الخلاص" التي يقفون عليها والطوبيا الأرضية التي يملكون مفاتيحها، مقدسات صنمية لا وحي لها ولا تعريف إلا ذواتهم المتضخمة، ولا يبذلون أي جهد حتى في محاولة نشرها بين الناس. (كيف وهم يقبضون بالدولار) ولذلك يخترع "اليسارجي" جدلية نظرية كالمذكورة أعلاه، تدفعه دفعًا لدعم الجيش، أملاً في أن يتعلم "الشعب"/ "شعبه الميتافيزيقي المتخيل" ألا خلاص إلا عند "اليسارجي".

2-ومن دلائل أهمية معرفة موقع "المثقف العِلق" داخل شبكات السلطة المنتجة للمعرفة، ذلك البيان البائس الذي أصدروه وطلبوا جمع التوقيعات عليه، وسمي "بيان استكمال الثورة"، ونضيف نحن عليه "بيان استكمال الثورة على حِجر العسكر"، وهو بيان "ثوري" بائس يطالب الرئيس المؤقت باستكمال خارطة الطريق وعمل الانتخابات، والتوقف عن قمع الإسلاميين. هذا البيان هو أقصى علاج أخلاقي لضمائر فقدت نخوتها، وعقول فقدت شرف العلم. ويمكن اختصار أسباب هذا البيان في أمرين:

أولاً: أن هذه المجموعة بنت مجدها الشخصي على نقد الإخوان، ولا يمكنها في أي لحظة من اللحظات تصور أن الإخوان ربما يكونون أقرب إلى الحق، لكن الإخوان يقتلون الأن في الشوارع، وهذا يضغط – نظريًا – على الضمائر فكيف نحل هذه الأزمة الأخلاقية؟ نصدر هذا البيان.

ثانيًا: أن موقعهم الطبقي، وشبكات علاقاتهم، لا تتيح لهم شيئًا أكبر من ذلك، وللسخرية ففاشيتهم المذكورة أعلاه فاشية نظرية لا يملكون أي سبب من أسباب القوة لتحقيقها، ولم يطلبها منهم أحد، بل يبذلونها مجانية في سبيل دحر الإسلاميين، وتحقيق عبادة صنم الجدلية على أرض الواقع.

3-ويمكنك في نفس الإطار فهم إصرارهم على قضية "الدستور أولاً"، فالدستور أولاً بدون أي انتخابات للجنة وضع الدستور، قد تؤدي إلى فوز "الإسلاميين" بأغلبية مقاعدها، تعني ببساطة أن يُكتب الدستور بناءً على توازنات القوى الموجودة حاليًا والتي هي كلها في يد العسكر، ولا يملك "اليسارجي" أية قوة عملية لإجبار العسكر على أي شئ، لكن هذا هو الحال!! وبالتالي يمكن "للشعب" بالنسبة "لليسارجي"، أن يذهب لصناديق الإقتراع لإختيار ممثليه داخل النظام، لكن ليس من حقه أصلاً إختيار "مصممي النظام". فهذا خاضع عمليًا لواقع القوة على الأرض، ونظريًا للجدلية العتيقة التي يقرر اليسارجي خياراته الأخلاقية تبعًا لمقتضياتها.

وجوهر الفرق بين أي رافض للإنقلاب، وبين أي يسارجي ثورجي، هي هذه المسألة تحديدًا؛ موقع المثقف. فبينما يرى الرافض للإنقلاب أن الإنقلاب يمسه شخصيًا، فينهمك في مقاومته. لا يرى المثقف الثورجي الذي يمارس "الثورة" كوهم نظري أن الإنقلاب يمثل أي تهديد لوضعه الإجتماعي أو لسلطته "كمثقف" والرافض للإنقلاب يعول على شئ أساسي: حق الناس في اختيار حكامها. حقهم في التجربة والخطأ والتطور والغربلة. حقهم في عملية سياسية تتطور من خلال تطور وعيهم ونضج حركتهم على الأرض. لا يصمم نظام سياسي واقتصادي داخل رأسه (صخرة الخلاص) حتى ولو تحت اسم العدالة الاجتماعية أو الحريات ثم يحاول فرضه على الناس أو تكون "ثورة فاشلة".

ما يراه "الموالِس"، وما لا يراه "المعرص":

"الموالِس"، و "المعرص" هنا نفس الشخص، نفس المثقف النظري "العِلق" الذي تحكمه شهوة "التشفي الأيديولوجي" فيوالس على ماحدث في 3 يوليو، فلا يصفه بالإنقلاب العسكري، أو يصفه بالإنقلاب العسكري "الضروري"، لاستعادة مسار "الثورة"

أما "المعرص" فهو الذي يمارس عملية "التعريص النظري" على ملايين الجماهير المتنوعة التي تخرج يوميًا لرفض الإنقلاب العسكري، ولا يجيب عن أسئلة مهمة من نوعية:

- هل كل هذه الجماهير خاضعة لـ "طائفة الإخوان"؟

-هل يخرجون لرشوتهم بالزيت والسكر؟

-ألا تعد هذه الجماهير التي تخرج للتظاهر السلمي في سيناء والصعيد ومطروح أكثر تنوعًا، وتمثل فتحًا للمجال العام أمام هذه الأصوات المنسية؟

-ألا يعد خروج هذه الجماهير، أمرًا جيدًا يستحق العمل عليه وتطويره، أم أنهم حينما لم يخرجوا لحساب ثورت(نا) فلا قيمة لهم؟

طبعا هذه أسئلة "لا مفكر فيها" بتعبير "أركون"، لن يجرؤ مثقفنا على تقديم أجوبة عليها، فقط يكتفي بالموالسة والتعريص!

وفي هذا السياق يجدر بنا أن نشير للنقطة التالية:

القبلية والإنتماءات العنصرية:

لا تخضع الإنتماءات والتحيز للحق في الإسلام لنماذج نظرية مسبقة، تحدد على أساسها الانتماءات لكيانات "اسمانية" متخيلة من قبيل "الشعب"، و "الطبقة العاملة"، ولا حتى أصنام نظرية من قبيل "العقل"، أو "التنوير" وخلافه.

يخضع المسلم فاعليته الحركية ذات الأسس الأخلاقية في هذا العالم، للوحي وفقط، ولا يُغَلِّب نماذجه النظرية، ومعرفته التحليلية، على الأمر الإلهي بالحركة، ويعلم المسلم أن الإختيار نعمة قد تتيحها له المشيئة الإلهية، وقد لا تتيحها من باب: "ليبلوكم".

وعلى هذا فإن المسلم لا ينعم -ولله الحمد- بالحرية النظرية التي ينعم بها المثقف النظري "العِلق"، لا يستطيع المسلم الهرب من مسئوليته تجاه الواقع المطالب بإصلاحه، وبالتالي فإنه يوظف معرفته النظرية، لصالح اختياره الأخلاقي، وليس العكس، كما يفعل "اليسارجي"، أو من سعى سعيه. ويرى المسلم أن إخضاع الأخلاق للنماذج النظرية، هو شكل من أشكال "عبادة الذات"، ذلك أن هذه النماذج النظرية لا شرعية لها في نظر أصحابها إلا لكونها خاضعة لما يظنونه "هم" أسس العلم الصحيح. وفي هذا يكمن أساس المقارنة بين الإسلاميين الذين كانوا يكيلون الإنتقادات يوميًا لمسلك الإخوان المسلمين في فترة رئاسة "مرسي"، وما قبلها، ثم انضموا إلى معسكرهم بعد انقلاب 3 يوليو، فقط لأن هذا المعسكر أكثر أخلاقية من معسكر خصومهم، ولأنهم لم يقبلوا أن يكونوا في معسكر يقبل، ولو نظريًا، بقتل وسحل واعتقال هذا القدر من المظلومين.

أما غيرنا مما يدعي وصلاً بصنم "الشعب"، الذي لا نعرف ماهو بالضبط، بعد أن اختار الناس خيارًا واحدًا بنسب مختلفة في خمس استحقاقات انتخابية، فلا يحق له أبدًا أن يتحدث عن "قبلية الإسلاميين"، القبلية هي هوية متخيلة لشعب متخيل ذو قصة تاريخية تضم أجزاءً حقيقية، وعناصر متخيلة، وإلى هذا تحديدًا ينتمي اليسارجي القبلي. فليكف إذن عن رمي الناس بما هو غارق فيه حتى أنصاف آذانه، حتى صدق فيه قول العرب: "رمتنا بدائها وانسلت"!

المثقف والسلطة؛ مسار اليسارجي البائس

أسطورة "الشاب الثوري النقي" المطحون بين الإسلاميين والسلطة هي امتداد لأسطورة "اليساري الثوري النقي" المدافع عن حقوق الفقراء المطحونين بين الإسلاميين "المتطرفين" والسلطة التي شاهدناها في روايات وأفلام يساريين الستينات والسبعينات والثمانينات، ومحدثي اليسار حاليًا. وموقف "الثورجي المحايد" بين "العسكر " و "الإخوان" حاليًا هو في جوهره امتداد لموقف هذا الجيل البائس من العالم: إما ثورة على "المزاج" وشعب يعترف بمفاهيمنا كيسارجية عن "الحريات" و "العدالة الإجتماعية". وإما أن نيأس من العالم، و ننضم بالكامل للسلطة التي تقهر الشعب وتقهرنا وتقهر الإسلاميين ونقبل مسرورين استغلالها لنا في تشويه خصومنا الأيديولوجيين!!

ولنتعمق أكثر ونتساءل:

ما الدافع الأساس وراء كل هذه المفارقات؟

الأمر يكمن ببساطة في هذا المصطلح: "التشفي الأيديولوجي": أبسط وأصدق تعريف يمكن أن نقدمه لكل الأيديولوجيات المغايرة للإسلام السياسي هو: " أنها ليست إسلامية"، وبلغة منطقية، إنه تعريف بالسلب، أي تحديد الشيء بما ليس هو عليه. وسبب ذلك ببساطة أن هذه الأيديولوجيات، لا يملك أصحابها بنية نظرية وبنية ممارسية( تتسم بالواقعية ) تنتظم في خطاب، يعبر عن ماهيتها.

ومن هنا الثابت الجوهري والوحيد عند هؤلاء هو كونهم: "anti Islamism" ولا أكثر. وقد جاء انقلاب العسكر على حكومة الإخوان الشرعية بمثابة دواء عالج كرب الفترة الممتدة من ثورة يناير وحتى الانقلاب، والمتمثل في بزوغ العدو اللدود، العدو الأيديولوجي: "الإسلام السياسي".ومن ثم أيد أصحابنا الانقلاب وباركوه، وليس هذا ما أدهشنا، وإنما صلب مشكلتنا في عملية التزييف العلمي التي مارسوها، كيما يبرروا الانقلاب ويجوّزوا ذبح وإهانة جزء من الشعب (وهو بلا شك معبر عن هذا الشعب أبلغ من تعبير أصحابنا)، لا لشيء إلا لكونه إسلامي المنزع والغاية.

إن هذه الممارسات التي تفصح عن مفارقات نخبة اليسار، لا تكفي فيها اللغة الرسمية للتنديد بها، وإنما هي ممارسات تضطرنا للغة العامية الدنيا، لنجد فيها ما يعبر عنها تمام التعبير، إنها ببساطة: "علوقية مثقفين"!!

والله أعلم.


أما اليسار ففي العسر .

إلا ... الذين يماشون .

إلا الذين يعيشون يحشون بالصحف المشتراة العيون . .

فيعيشون

إلا الذين يشون ...

وإلا الذين يوشُّون ياقات قمصانهم برباط السكوت !

تعاليت ... ماذا يهمك ممن يذمك ؟

اليوم يومك

يرقى السجين إلى سدة العرش . .

والعرش يصبح سجنا جديدا ً. .

أمل دنقل